الجدال يجلب الضغائن وقسوة القلب

alarab
محليات 19 أغسطس 2017 , 05:49ص
الدوحة - العرب
قال فضيلة الداعية عبد الله النعمة «إن المراء والجدال من اللوثات الخبيثة، والصفات القبيحة، والسجايا البغيضة؛ التي بدأ سريانها وتكاثرها في أوساط الناس لمّا ابتعدوا عن الهدي القويم، والصراط المستقيم.
وأوضح النعمة -في خطبة الجمعة، أمس، بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب- أن هذا السلوك يتمثل في تردد الكلام بين طرفين بقصد إبطال كلام أحدهما، ومن ثم الاعتراض على كلام الغير بإظهار النقص والغلط فيه، ‏إما في لفظه، أو في معناه، أو في قصد المتكلم منه. وأضاف النعمة قائلاً: إن هذا السلوك مظنة الضغائن والأحقاد، ويجلب قسوة القلوب وتنافرها، وحضور الشياطين، ولأن الشيطان آيس أن يعبده المسلمون؛ عمد إلى التحرش بينهم ليتخاصموا.
‏وتابع النعمة قائلاً: إن الجدال يأكل الحسنات، ويورث السيئات، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا قوله تعالى: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}، منوهاً بأن المراء والجدال نفعه قليل، وضرره عظيم، لا يقنع بحق، ولا يحق باطلاً، بل يكون وسيلة لتهييج العداوة، وهدم الروابط الأخوة الإنسانية.
‏وذكر خطيب الجمعة قول النبي صلي الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه}، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}.
اليهود والنصارى
جادلوا الأنبياء
و‏أوضح النعمة أن الجدال فطرة إنسانية، ويتوافر لدى من أوتوا بسطة في اللسان، وبلاغة في الكلام، وقدرة على الخصام والجدل، فالكلام ‏عندهم شهوة غالبة لا يملونه أبداً، ديدنهم الجدال والمراء، حتى ولو كانوا يعلمون أن الحق مع غيرهم، أشربت قلوبهم ونفوسهم حب الجدال.
‏وأكد أن الجدال عادة اليهود والنصارى الذين جادلوا رسل الله وأنبياءه، ليصدّوا أتباعهم عن الحق الذي جاءوا به ويبطلوه، والقرآن كله كاد أن يكون حديثاً عن جدال الأمم لأنبيائهم ورسلهم، ممّا آذوهم به، وكذبوهم فيه، قال تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ).
وأشار النعمة إلى أن السلف كرهوا كثرة الجدال، ونهوا عنه، وزجروا عن الخوض فيه، وحذروا من التوسع فيه، لافتاً إلى أن هذا التوسع دليل على قلة الورع
‏غرور وكبرياء
وادعاء للمعرفة
و‏أضاف خطيب الجمعة أن الجدال له بواعث؛ أهمها: الغرور، والكبرياء، والخيلاء، والإعجاب بالرأي، وإظهار العلم، وادعاء المعرفة، وقصد الأذى، والنيل من الآخرين، واتباع الأهواء والشهوات والإرادات الباطلة، ‏وتغطية ذلك كله بحجج كلامية مزورة، يعلم المرء من داخل نفسه بطلانها؛ ولكنه يدافع عنها ويسترها، لضعف نفسه، ودنو همته، فإن الحق أحق أن يتبع، وقد كشف الله تعالى ذلك بقوله: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ}.
‏وتابع النعمة قائلاً: إنما يكون الجدال مذموماً محرماً إذا كان بدون علم وفهم، وقُصد منه الفتنة والتمويه، ونصرة الباطل بعد ظهور الحق وبيانه، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى عن المشركين في قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ}.
وقال النعمة: «لكم عباد الله أن تتصوروا أحوال المتجادلين من المسلمين في الخصومات، الذين يمسون في غضب الله ويصبحون في سخطه، يكسبون السيئات ويخسرون الحسنات، قد أرخوا للشياطين أزمة ألسنتهم يخوضون بها في بحار الجهل والرذائل، ممن عناهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: إن الله يُبغض كلّ جَعْظري جواظ سَخّاب بالأسواق جيفة بِالليل حمار بالنهار عالم بأمرِ الدُّنيا جاهل بأمر الآخِرة».
وأوضح النعمة أن الجدال إذا كان للوقوف على الحق وتقريره كان محموداً، وإن كان الجدال في مدافعة الحق، أو كان بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا تُنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه.