السؤال حرام أم حلال؟

alarab
الصفحات المتخصصة 19 أغسطس 2016 , 01:11ص
مختار محمد مختار احمد
وردت أحاديث نبوية دالة على تجريم السؤال باعتباره شيئا ينبغي تجنبه، كونه تكلف ومناقضة لروح الشرع، وساد هذا في خطابنا الديني، حتى بدا أنه مقرر، فقمع روح التساؤل والنقاش الحر، ومنح للبعض قداسة موهومة في زمن مضى، وعندي أن الأمر يقتضي تحريرا مفصلا أكثر من القول بمناقضة هذه الأحاديث للنص القرآني وحسب.
تحريم السؤال يناقض القرآن الذي يعد التفكر عبادة وبابا للعلم، وأجد أن الأمر مرتبط بتدرج التشريعات وحاجات الناس وأسباب النزول والورود، فقد تنوعت الآيات القرآنية الدالة على التفكر، ومنها المكي والمدني، وقد تطور الحوار الديني بما فيه الأسئلة المرتبطة بالشريعة والعقيدة، وشملت الآيات منذ المرحلة المكية أسئلة وأجوبة متنوعة ترد وتطرح على الكفار أفكارا متنوعة تنقض أصولهم وتفندها، وترد على ما يطرحونه، وازداد التنوع في المرحلة المدنية مع وجود أهل الكتاب.
لكن برزت مشكلتان، الأولى: الاختصاص بمناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ضبطتها آيتان في سورة المجادلة، تأمر الأولى بالتصدق قبل مناجاته صلى الله عليه وسلم، ونسخت الثانية منهما الأولى بعد برهة وجيزة، والثانية: أسئلة البعض التعنتية وأحيانا العابثة، التي تتعامل مع النبوة بمنطق الجاهلية، وتعتبر النبي صنوا للكاهن، يعلم الغيب، ويهتم بهذا كأحد المجالات المعرفية التي تخدم الحياة اليومية، وغطت هذه على الأسئلة المشابهة التي كانت تعبر عن حاجة حقيقية لدى صاحبها في معرفة موضوع معين يؤرقه، فكان البعض يطرح أسئلة عن مفقوداته الشخصية تعنتا وتعجيزا له صلى الله عليه وسلم، وجرى أن طرح مجموعة من الجالسين حوله صلى الله عليه وسلم أسئلة متنوعة، فيها ما لا صلة له بالدين، وكان للبعض حاجاته الجدية، ومنها أن أحدهم كان مطعونا في نسبه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه بصحة نسبه، لكن الأمر زاد عن حده، ونزلت الآية: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، كما ورد في الحديث النهي عن السؤال قبل ورود النصوص الشرعية الموضحة للحال، فالمسائل الشرعية وفقا لتلك الأحاديث إما حلال أو حرام أو معفو عنه لم يرد فيه نص، والتدقيق فيما لم يرد فيه نص، هو نوع من الاعتراض على سعة الفضل الإلهي ورخصته للناس، كما ورد النهي عن السؤال عن الذات الإلهية تحديدا، ويلحق بذلك ما لا عمل تحته من الغيبيات.
وبناء على ذلك، فقد كف كثير من الصحابة عن طرح الأسئلة، واكتفوا بانتظار الأعراب وأسئلتهم، لكن لم يسد هذا الاتجاه، فقد بقي كثيرون يطرحون أسئلة هامة كما في قصة صلح الحديبية، ووفاة عبدالله بن أُبي زعيم المنافقين، وعدة قضايا أخرى.
أما السؤال العلمي والفلسفي وسؤال الاستنباط فليس داخلا في كل ما ورد، أما ما عدا ذلك، فباب البحث مفتوح، ما دام يفيد العباد، ويمنحهم الجديد من المعارف المفيدة علما وعملا.