إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.. ضياع وتفكك أسري وغياب لآداب المجلس

alarab
تحقيقات 19 أغسطس 2015 , 06:55ص
محمد سيد احمد
تعددت المسميات والنتيجة واحدة.. ضياع وتفكك أسري، وغياب ثقافة وآداب المجلس، وعدم الاهتمام بالجليس والإنصات إليه. تلكم هي سلبيات الإدمان على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي أكد خبراء في علم النفس أن المنشغلين بها ليل نهار مرضى يحتاجون لعلاج نفسي، كما اتهمها البعض بأنها وسائل للتنافر الاجتماعي والقطيعة بين أفراد العائلة الواحدة، وليست للتواصل الاجتماعي. فمع شيوع وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت معها سلبيات كثيرة، أثرت على حياة الأسر والمجتمعات التي انقلبت مفاهيمها رأسا على عقب، وبسبب الاستخدام الخاطئ تفرقت عائلات وتفككت عرى زيجات كانت في غاية السعادة قبل أن تدخل في مطحنة وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن المجالس -التي كانت تعج بالحياة وتبادل أطراف الحديث بين روادها، الذين تتعالى ضحكاتهم مع بعضهم البعض- حولتها هذه الوسائل إلى مقابر.
حيث يحضر البعض بأجسادهم بينما قلوبهم تسبح في فضاء إلكتروني لا متناه، ولم تسلم مجالس العزاء من هذه الآفة التي هي مكان للعبرة والمواساة، فترى البعض لا يكاد يأخذ مكانه في مجلس العزاء حتى تغلبه يده التي يخرج بها هاتفه النقال ويبدأ في مواصلة عادته، فالكل بات يشكوا من إدمان الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبا بالحد من تأثيرها السلبي، ومؤكدا أنها تحولت إلى معول هدم لكيان الأسرة والمجتمع، فهل من سبيل للحد من تأثير هذه الوسائل ليعود المجتمع إلى سابق عهده الذي كانت الألفة والاحترام يطبعانه؟
وحتى تتناول هذه المشكلة بشكل موضوعي لا بد من معرفة الرأي الآخر الذي أكد من خلاله أحد المستطلعة آراؤهم أن الحياة المعاصرة فرضت هذه الوسائل التي هي نتاج الثورة الرقمية التي لا يمكن لجيل اليوم أن يتجاهلها، وما دامت الهيئات والمنظمات والوزارات والجهات الخدمية تستخدم هذه الوسائل وتربط بها جمهورها، فإن الجيل الجديد مضطر للانغماس في هذه الوسائل طوال الوقت لمعرفة ما جد من أحداث تتعلق بمصالح الناس، وعليه فإن المطالبة بالحد من استخدامها غير واقعية، مطالبا الجيل القديم بالانحناء أمام العاصفة.

التحدي الأكبر
يقول محمد الراشد إن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم باتت تشكل أكبر تحد للأسرة والمجتمع العربي المسلم، بعد ما انتشرت حمى هذه الوسائل والبرامج التي أدخلت مستخدميها في دورة فراغ متواصل لم يعد خطرها مقتصرا على الفرد بل على الأسرة ككيان ولبنة هامة من بناء المجتمع، وأضاف: «لا يمكن لمن يعاني من تبعات وسائل التواصل الاجتماعي مثلي إلا أن يشعر بالمرارة بسبب إدمان الشباب على النت بشكل عام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، فإخوتي وأخواتي عندما يصحون من النوم أيام الإجازة ويتحلقون في مجلس العائلة يخرج كل واحد منهم هاتفه المحمول وكأن أمورا خطيرة تفوته، ثم يسلم نفسه وتفكيره وقلبه إلى ذلك الجهاز ليبقى الوالد والوالدة يتفرجون على المشهد في صمت رهيب يكاد أحدهم يصرخ في وجوه الجميع قائلا: ألا نستحق منكم الاهتمام بنا واحترامنا لمدة ساعة من الزمن؟ بلى والله إنهم يستحقون الاهتمام والاحترام طوال الوقت، ومن المفروض على الشباب أن يكفوا ويستريحوا ويريحوا من الإدمان على النت مدة لا تتجاوز الساعتين بالكثير، خصوصا عندما يكونون بحضرة والديهم، وما يجعلني أشعر بالحيرة هو أن مواقع التواصل هذه من المفترض أن تقرب الناس من بعضهم البعض، وتدفعهم إلى استخدامها في تنسيق اجتماعاتهم العائلية واجتماعات الأصدقاء، لكن ما يحدث هو العكس، حيث نجد مستخدم هذه المواقع يفر لا شعوريا من أفراد عائلته: والديه وزوجته وأطفاله مستعيضا عنهم بما ينشر على صفحات الآخرين ومتابعة تفاصيله، مفوتا على نفسه قضاء أجمل الأوقات مع العائلة التي يحرم من الاجتماع معها بشكل دائم.
وأوضح أنه لا ينكر ما لهذه المواقع من فوائد، ولا ما في جانبها المشرق من أمور تجعلها جديرة بالمتابعة، لكن يجب أن يكون ذلك في حدود المعقول، وألا يكون على حساب العائلة، خصوصا أوقات اجتماع العائلة الهامة، كاجتماعها على مائدة الطعام، أو سمرها الخاص، فالوالدان يستمتعان بهذه الجلسات ويبذلان المستحيل من أجل تنظيمها وترتيبها، بالتالي من غير اللائق أدبيا ودينيا أن تجلس مع والديك بجسمك بينما قلبك وتفكيرك يسبحان في فضاء الشات اللامتناهي أو تصفح ما يزخر به بحر شبكة النت، مما يعد تجاهلا واضحا لمن يجلس معك وإشعاره بعدم أهميته عندك، ما دمت تفضل عليه احترام ومتابعة أصدقاء مفترضين ربما لم تجتمع بأحدهم يوما.

مواقع تنافر اجتماعي
بدوره يرى بندر علي أن هذه المواقع لم تعد مواقع تواصل، بل مواقع تنافر اجتماعي، لأنها قضت تماما على الروابط الأسرية التي كانت قوية وعن طريق قوتها كان المجتمع قويا ومتماسكا، وجعلت مدمنيها اليوم يستبدلون بالأصدقاء الحقيقيين ورفقاء الدرب وأبناء الفريج الواحد- يستبدلون بهم أصدقاء وهميين، قبل فترة كان المجالس تعج بالحياة وكانت تتعالى منها الضحكات، وكان الكبار يستعيدون التاريخ أمام الصغار الذين كانوا يستمعون إلى الماضي بشغف، وكان الجميع يستمتعون بالجلسات العائلية وأسمار المجالس ويحبون الحديث مع بعضه البعض، ويدخل البعض في نقاشات فكرية وأدبية واجتماعية على فناجين القهوة وأكواب الشاي، وعندما دخلت هذه الوسائل إلى حياتنا بدأت كل هذه المفاهيم الجميلة تختفي بشكل ملحوظ، حيث تجد مجلسا كبيرا يضيق برواده، ومع ذلك تشعر وكأن من بداخله أموات، لا حس ولا حركة، الكل منغمس في هاتفه النقال، إما يدردش مع صديق، أو يبحث عن جديد في هذا العالم، لا ترى من الحركة إلا حركة أصابع شاب أو شابة على الأزرار، وكأنها تبادر أمورا ستفوت إذا لم ترد على الدردشة، كما أنك تخال البعض مجنونا، فعندما ترى أحدهم مستغرقا في الضحك مع هاتفه لن تصفه إلا بالجنون، لأن الموجودين من حوله لم يعودوا يضحكونه، ولا يستهوونه، وإنما أنسه وضحكاته تحولت بقدرة قادر إلى قطعة من المعدن تسمى الهاتف النقال، لذا لا بد من توعية شاملة بمخاطر هذه الوسائل على الحياة العائلية، نحن لا ندعو إلى مقاطعتها، وإنما إلى تقنين استخدامها حتى تتسبب في تفكك عرى الأسرة التي هي صمام الأمان لمجتمع مترابط، ومن أجل تحقيق هذا الهدف والمحافظة على «شعرة معاوية» الممدودة بين أفراد الأسرة لا بد للعائلة من أن يجلس أفرادها بشكل يومي في المجلس، قبل تناول وجبات الطعام بوقت يكفي لتبادل أطراف الحديث التي تبعث على الود والاحترام والانسجام، خصوصا الوالدين الذين يجب على أبنائهم أن يقضوا معهم وقتا كل يوم، حتى لا يشعروا بالفراغ.

سلبيات
من جهته تناول عبدالعزيز الهاجري سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي من الناحية الاجتماعية وما تسببت به للمجتمعات العربية من مشاكل كثيرة، أقلها التسبب في حالات الطلاق والخلافات الزوجية الدائمة بين الأزواج، بسبب تلك المواقع، فالعديد من مستخدميها للأسف مرضى نفسيون، فالشباب من الجنسين تراهم يلاحقون بعضهم البعض حتى لو كانت صفحتك تظهر أنك مرتبط ولديك عائلة، من هنا تكمن خطورة هذه المواقع التي شغلنا بها من طرف أناس لا يعرفون الهزل في حياتهم، فهم يستمتعون ويستفيدون من كل ما توصلوا إليه من تكنولوجيا، ويأخذون بجوانبه الإيجابية، في الوقت الذي نستخدم نحن -أو الكثير منا- الجانب السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي. وأشار إلى أنه كان من رواد هذه المواقع والمدمنين عليها قبل أن يكتشف مخاطر الإدمان على النت، خصوصا مواقع التواصل الاجتماعي، وتابع: «أمضيت فتره غير قصيرة مع مواقع التواصل الاجتماعي عند ظهورها، خصوصا أنني ماهر في استخدام أجهزة الحاسوب، لكن تبين لي فيما بعد أن ضرر هذه المواقع أكبر من نفعها، فهجرتها لما فيها من سلبيات، وعندما أذكر السلبيات لا أعرف من أين أبدأ، فوسائل الاتصال الحديثة جعلت منا مجتمعا انطوائيا بشكل لافت بعد أن كنا اجتماعيين بشكل جميل، فأغلب شباب اليوم هم انعزاليون بدليل أن أحدهم لم يعد باستطاعته التحدث مع الآخرين، فملكة الكلام وفن التحدث قد هبط مستواهما عنده واستعاض عنهما بقدرة الكتابة على الشاشة، وهذا ما يجعل هذه الشرائح المدمنة على هذه المواقع فاشلة حواريا، وهنا أتساءل: ما الذي سيقدمه الموظف العاجز عن الحوار واكتساب ملكة فن إقناع؟ ما الذي سيقدمه أو سيضيفه لجهة عمله؟ من هنا تتضح الخطورة، فهذه المواقع حولت جيلا كاملا إلى جيل أبكم».
ومما يبعث على الأسى والحسرة -يضيف الهاجري- أن يصل الإدمان على هذه المواقع إلى الحد الذي يجعل البعض يجلس في مجلس عزاء ولا يستطيع الصمود لدقائق أمام مغريات هذه المواقع، ليدخل يده في جيبه ويخرج منها هاتفه ويبدأ المشوار والدردشة مع أصدقاء النت، في وقت من المفترض أن يكون الاهتمام منصبا فيه على مواساة المفجوعين بموت عزيز عليهم، هذا غيض من فيض سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي التي أؤكد -ومن منطلق الخبرة- أنها مواقع لهدم الأسر والبيوت.

لا إفراط ولا تفريط
من جانبه ذكر حفيظ القحطاني مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ومنتقديهم بجملة «لا إفراط ولا تفريط»، فينبغي ألا يكون هناك إفراط في استخدام هذه الوسائل خصوصا في أوقات الأفراح والأتراح، كما يجب على الجيل القديم تفهم حاجة الشباب إلى استخدام كل ما يجد في عالم الثورة التكنولوجية التي خدمت الإنسانية بشكل سهل عليها الكثير من الأمور الصعبة، وأردف: هل يمكن لأحد أن يجهل أو يتجاهل إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت للجميع الاطمئنان على بعضهم البعض حتى لو كان في أقصى نقطة من الكرة الأرضية، أم كيف يتجاهل البعض فوائد هذه الوسائل في المناسبات، فعن طريقها يتم إعلام الأهل والأصدقاء بالأفراح والدعوة لها، وعن طريقها يتبادل البعض التهاني والتبريكات بعد عجزهم عن التواصل المباشر، وعن طريقها يتم الإشعار بالمصائب والأتراح فيتنادى الجميع للمواساة، هذه الإيجابيات علينا ألا نغفل عنها وننشغل بالسلبيات، وما أكثرها، لذا على الشخص أن يكون متوازنا في كل أموره.

مواكبة الثورة الرقمية
أما خميس حمد النعيمي فيرى أن مواقع التواصل الاجتماعي ما هي إلا وسائل اتصال كبقية وسائل الاتصال المختلفة، لافتا إلى أن الجيل الشاب يواكب الثورة الرقمية وثورة المعلومات اللتين فرضتا واقعا مغايرا تماما لما ألفه الجيل القديم، فهذه المواقع يتابع عليها الجيل الحالي الأخبار الوطنية والعالمية، إذ لا يمكن للإنسان أن ينفصل عن واقعه، وهذا هو واقع الإنسانية جمعاء هذه الأيام، فالقنوات والصحف والإدارات الحكومية وغير الحكومية كلها تستخدم هذه المواقع للوصول إلى جمهورها، لذا لا بد من متابعة هذه المواقع لحظة بلحظة، صحيح أن الأمر يبدوا مزعجا نوعا ما، للبعض خصوصا كبار السن، لكن ما باليد حيلة، هذه طبيعة العلاقات اليوم وضريبة الحضارة الجديدة التي لا يمكن لمن يعيش فيها الانعزال عنها لمجرد أنها لا تتلاءم مع عقليات البعض.

مرضى نفسيون
في هذا المجال قالت الاختصاصية في علم النفس الدكتورة فاطمة الكبيسي إن مواقع التواصل الاجتماعي -وإن كانت ضرورة من ضرورات العصر- قد ذهبت بعقول ونفوس مستخدميها إلى مستويات تصنف على أنها أمراض نفسية لا بد من معالجتها، وأضافت: «لا أحد يجهل ما للأسرة من أهمية في بناء المجتمع، فالكل يبذل جهودا كبيرة من أجل الحفاظ على بنية الأسرة وتماسكها، لكن الاستخدام السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي يتنافى والأهداف السامية للمجتمع، إذ من غير المعقول أن تجالس شخصا بجسمك بينما تشغل قلبك بغيره، فهذا يعد احتقارا للإنسان، فما بالك إذا كان هذا الإنسان هو الأب أو الأم أو أحد أفراد العائلة، ولكي تشعر جليسك بأهميته لا بد أن تشعره بأنك مهتم بما يقوله من خلال تفاعلك معه عن طريق تعابير وجهك، وعندما تكون مشغولا بالموبايل بحضرة محاورك أو جليسك فهذا يعطيه إحساسا بأنك غير مهتم به، فالتواصل المباشر بين الأفراد هو الذي يعمق الروابط الاجتماعية أكثر، ويضفي على العلاقات الاجتماعية جوا من الجدية، وإذا كان الإنسان الذي يهمك أمره غير موجود معك في مكان فهنا تظهر فوائد وسائل التواصل الاجتماعي».
ونصحت فاطمة الكبيسي الأسر بعمل مراقبة وتقنين على الأجهزة التي تمنحها للأطفال والمراهقين حتى يعرفوا الأوقات التي يستخدمون فيها هذه البرامج، والأوقات التي لا يتناسب استعمالها مع طبيعة العلاقات الاجتماعية، وترك الحرية المطلقة لهذه الشرائح -التي نقوم بإعدادها لتحمل مسؤوليات الغد- كي تستخدم هذه المواقع دون مراقبة يجعلها تستخدمها استخداما سلبيا بحيث يقومون بتوصيل مفاهيم خاطئة إلى الآخرين، وهذا خطر على مستقبل كيان المجتمع، وتؤثر على طريقة التنشئة الاجتماعية للأطفال، فمن الرائع للأب والأم أن يتعاهدوا أبناءهم وبناتهم بالنصائح ويسحبوهم إلى جلسات عائلية يشرحون لهم من خلالها عادات وتقاليد المجتمع التي يجب على أي فرد منه أن يحرص عليها، كما أنه من المفيد للأب أن يعبر بطريقة مهذبة لأبنائه أن انشغالهم عنه وعن أمهم بالتواصل مع الآخرين على مرأى ومسمع منهم يدخل في باب الإساءة التي هي من العقوق المحرم في الإسلام، وختاما أقول للأمهات والآباء لا تحرموا أبناءكم بشكل كامل من الاستفادة من هذه الوسائل، ولا تتركوا الحرية المطلقة في استخدامها طول الوقت.