ابن الزبير

alarab
باب الريان 19 أغسطس 2011 , 12:00ص
هالة عطا
عبدالله بن الزبير بن العوام، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهو أول مولود ولد للمهاجرين، وحَنَّكَه النبي r وسماه باسم جده (البخاري ومسلم). أتى عبدالله بن الزبير وعمره ثماني سنوات -وقيل أصغر في بعض الروايات- فوجد الرسول r يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبدالله، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، قال عبدالله: فلما برزت عن رسول الله r (أي اختفيت) عمدت إلى الدم، فحسوته (أي شربته كالحساء)، فلما رجعت إلى النبي r قال: «ما صنعت يا عبدالله؟» قال: جعلته في مكان ظننت أنه خافٍ على الناس، قال: «فلعلك شربته؟» قلت: نعم، قال: «ومن أمرك أن تشرب الدم؟ ويل لك من الناس وويل للناس منك» (الحاكم في المستدرك)، وزاد أبو نعيم: «لا تمسك النار إلا قسم اليمين» (حلية الأولياء). أما (ويل لك من الناس)، لأنه أصبح فيه جزء من رسول الله r، فلا بد أن يبتلى مثلما ابتلي النبي، مع الفارق بالطبع، أي شيئا فقط من الأذى، لأنه ليس هناك مثل النبي r فيما واجه من الظلم والعدوان والحسد والإيذاء، وأما (ويل الناس منك)، فمعناه أنه يصبح عنده من العظمة والهمة والشجاعة والإقدام ما الله به عليم، وأما (لا تمسك النار) إذ إن أجسام الأنبياء لا تعذب، فمن أين تأتيه النار إذن؟ كيف تمسه النار وأصبح بعض دم النبي r في دمه t؟ كان يصوم سبعةً أيام متواصلة ليلاً ونهارا، ويفطر في اليوم الثامن، يصوم بالمدينة ولا يفطر إلا في مكة، ويصوم بمكة ولا يفطر إلا في المدينة، وكان إذا أفطر أول ما يفطر على لبن لقحة وسمن وصبر، وكان يصلي الليل النافلة بعد صلاة العشاء، وهذا ثابت عنه، ويظل واقفا إلى أن يقرب الفجر، ثم يركع، ثم يسجد، وليلة راكعا طول الليل من العشاء إلى الفجر، وليلة ساجدا، فعن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك. تمر الأيام والسنون بعبد الله، ويأتي يوم من أصعب الأيام في التاريخ الإسلامي، إنه يوم الدار، يوم أتى من أتى لقتل عثمان بن عفان، وفي هذا اليوم يقف عبدالله كالأسد يدافع عن عثمان t حتى جرح يومئذ بضع عشرة جرح، ثم بعد ذلك يشهد موقعة الجمل مع أبيه، ثم يبايع لمعاوية بعد أن تنازل له الحسن بن علي. مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد، وأمر كما هو لعبد الله بن الزبير واستفحل أمره، حيث بويع بالخلافة في جميع البلاد الإسلامية، فكان على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان وسائر بلاد الشام إلا دمشق، وتمت البيعة له سنة أربع وستين، وكان الناس بخير في زمانه، وحج بالناس فيها كلها (أي في كل سنوات خلافته) وبنى الكعبة في أيام ولايته، كما تقدم وكساها الحرير، وكانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع والمسوح، وكان يطيب الكعبة حتى كان يوجد ريحها من مسافة بعيدة. وبعد ذلك أرسل إليه عبدالملك بن مروان الحجاج الثقفي في عشرة آلاف، وعلم الناس في مكة بخروج الحجاج، وبالفعل حاصر مكة، ونصب المنجنيق، ورمي به مكة والكعبة، فبدؤوا يتفرقون من حول ابن الزبير، ويكتبون إلى الحجاج أن الأمان والطاعة لعبد الملك، بعد أن قتل خلق كثير، وحبس عنهم الميرة والماء فكانوا يشربون من ماء زمزم، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة، والحجاج يصيح بأصحابه: يا أهل الشام.. الله الله في الطاعة، فكانوا يحملون على ابن زبير حتى يقال: إنهم أخذوه في هذه الشدة فيشد عليهم ابن الزبير وليس معه أحد حتى يخرجهم من باب بني شيبة، ثم يكرون عليه فيشد عليهم، فعل ذلك مرارا، وقتل يومئذ جماعة منهم، وهو يقول: هذا وأنا ابن الحواري، وقاتل أهل العراق قتالاً ما سمع بمثله في التاريخ، قالوا: والله ما مثله إلا كالأسد أمامه المعزة، يقبل عليهم بالسيف فيشردون من الأبواب، ثم يقبل على هؤلاء فيشردون من الأبواب، ثم في الأخير لما كثر عليه الرمي من كل جهة ومن المنجنيق، قام فكبر يصلي عند المقام، فأتته قذيفة فوقعت في رأسه فسقط شهيدا عند الكعبة، ثم أمر الحجاج بجثة ابن الزبير فصلبت على ثنية، فأتى ابن عمر ليؤدي له التحية وهو ميت، قال: السلام عليك يا أبا خبيب ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك من المصلين الصائمين، أشهد أنك وصول للرحم.