أول خطبة لعثمان بن عفان

alarab
باب الريان 19 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ فريد الهنداوي
لما خطب سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في أول جمعة ولي الخلافة وصعد المنبر، فقال «الحمد لله» فأُرتِج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوَّال، وسيأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله لي ولكم، ونزل وصلى بهم. وهذه القصة ذكرت في كتب الفقه خاصة الفقه الحنفي، فذكرها «المرغيناني» في كتابه «الهداية» (1/58)، «وابن الهمام» في «شرح فتح القدير» (2/60)، «والعيني» في «البناية» (2/809)، و «الكاساني» في «بدائع الصنائع» (2/262)، « والشرنبلالي» في «مراقي الفلاح» (ص88) وغيرهم. وذكرهم غير الحنفية «محمود خطاب السبكي» في «الدين الخالص» (4/198) وسار على نهجهم بعض الكتاب المعاصرين، مثل: «محمد رضا» في كتابه «ذو النورين عثمان بن عفان» (ص34). فإن قلت: لم تذكر في كتب الفقه؟ قلنا: تذكر في كتب فقهاء الحنفية ليدللوا على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من أن الإمام إذا خطب يوم الجمعة بكلمة واحدة، ولو بتسبيحة لأجزأه ذلك، قالوا: «كان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار وصلوا خلفه وما أنكروا عليه صنيعه، مع أنهم كانوا موصوفين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فكان هذا إجماعا من الصحابة رضي الله عنهم. «بدائع الصنائع» (5/262) وخالف في هذا الصاحبان محمد وأبو يوسف، وجماهير العلماء، ومذهبهم هو الأصوب، وليس المجال إثبات ذلك، لكن لا بأس بالرجوع إلى كتب الفقهاء. • التحقيق: ضعف هذه القصة وردها كثير من العلماء، منهم: (1) الإمام الزيلعي في «نصب الراية» (2/197): «قوله: (أي: المرغيناني في «الهداية»(1/58): عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: الحمد لله، فأرتج عليه، فنزل وصلى. قلت: غريب، واشتهر في الكتب: أنه قال على المنبر: الحمد لله، فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا، فإنكم إلى إمام فعال، أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتي الخطبة بعد هذا، والسلام. وذكره الإمام القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب «غريب الحديث» من غير سند، فقال: «روي عن عثمان أنه صعد المنبر، فأرتج عليه، فقال: الحمد لله، إن أول كل مركب صعب، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، ويعلم الله إن شاء الله. قال: يقال: أُرْتِجَ على فلان، إذا أراد قولا، فلم يصل إلى إتمامه». اهـ. (2) ابن الهمام في «شرح فتح القدير» (2/60) قال: «قصة عثمان لم تعرف في كتب الحديث، بل في كتب الفقه». ونقل كلام الزيلعي السابق وأقره. (3) على القاري في «الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة» (ص 258). (4) العيني في «البناية» (2/809). • والقصة أخرجها ابن شبة في «تاريخ المدينة» (3/ 957 و958): حدثنا الصلت بن مسعود، قال: حدثنا أحمد بن شبويه، عن سليمان بن صالح، عن عبدالله بن المبارك، عن جرير بن حازم، قال: «لما بويع عثمان رضي الله عنه قام، فحصر، وقال: أما بعد، فما من كلام، وسيكون إن شاء الله تعالى». والسند فيه: «أحمد بن شبويه»: مجهول كما في «لسان الميزان» (1/185)، فالآفة منه. • وأخرجها ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/62)، قال «أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه: «أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس: إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء، وسيعلمنا الله». والسند فيه «محمد بن عمر» وهو الواقدي: متروك. وفيه «إبراهيم بن عبدالرحمن: قال عنه ابن القطان: «لا يعرف له حال»، والصحيح أنه ثقة مشهور، وصحح الحاكم أحاديثه، وأخرج له البخاري في الصحيح، إلا أنه لم يدرك عثمان، فالخبر فيه انقطاع، وابنه إسماعيل قال عنه أبو حاتم: شيخ. «تهذيب الكمال»: (2/133) (3/16). (5) القصة أخرجها ابن جرير الطبري في» تاريخ الرسل والملوك» (4/243) وفيها أن عثمان بن عفان لما بويع خطب خطبة مفصلة، وهذا يناقض ما ورد سابقا من أنه رضي الله عنه أرتج عليه. والقصة في سندها كلام أيضا. (6) والقصة فيها نكارة ظاهرة، وهي قول سيدنا عثمان: «وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال» ففيها إن صح غمز لما قبله، وهذا يستحيل في حقه رضي الله عنه.