الحزين في ظل الله

alarab
باب الريان 19 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
الحزن عاطفة نبيلة، لا يجوز أن يستهان بها، ولا رفضها والسخرية منها، ولا صناعة قلوب قاسية صدئة لا تهتز ولا تقشعر.. والحزن المراد هنا هو الحزن الإيجابي، الذي لا يكسر الإنسان، بل يُنهضه، ولا يُهِيض القلبَ بل يثبته، ولا يخلخل الإيمان بل يقويه، ولا يدفع للمعصية بل يعين على الطاعة: في صحيح الجامع عن أنس رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)! قال معاوية بن قرة: بكاء العملِ أحب إلي من بكاء العين! إن الإسلام الواقعي يريد بكاء العمل، ولا يريد النواح والصياح، لا يريد الحزن السلبي، الذي يقلب الحياة نكدا وغمّا ودموعا ومواجع، بل يريد الحزن الإيجابي الإنساني، الذي لا يأنف من الفرح أحيانا، ولا يستنكف السرور، ولكنه في الوقت ذاته بصير، لا يعميه هذا الفرح، ولا ينسيه قدره وحقيقته: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم) الحديد: 23. وسيكون الحزن إيجابيّا إذا أيقن المؤمن أن ما يصيبه إنما هو بقدر الله تعالى، ليذكِّره الله بها، ويكفر عنه من سيئاته: ففي البخاري عن سيدي أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلمَ من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفر الله بها من خطاياه). جاء في كتاب الحزن لابن أبي الدنيا: قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: الحزن حزنان: فحزن لك، وحزن عليك، فالحزن الذي هو لك: حزنك على الآخرة وخيرها، والحزن الذي هو عليك: حزنك على الدنيا وزينتها. وقال مولى للراشد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، له حين رجع من جنازة سليمان بن عبدالملك: ما لي أراك مغتمًّا؟! فقال عمر: لمثل ما أنا فيه يُغتم! ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم – في شرق ولا غرب – إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه؛ غيرَ كاتبٍ إليَّ فيه، ولا طالبَه مني! وقال بعض العباد: بحسبك حزنُك على طول الحزن؛ فلربَّ همةٍ جرّت سرورَ الأبد. وفي المستدرك، والترغيب والترهيب، والجامع الصغير، وتخريج الإحياء للعراقي، بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم (زر القبور تذكر بها الآخرة، واغسل الموتى؛ فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة، وصلِّ على الجنائز؛ لعل ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة، يتعرض لكل خير). قال أبو عبدالله الحاكم: (هذا حديث رواته عن آخرهم ثقات/ هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وقد جعل الله تعالى لنا مخارج من الحزن السلبي، ففي صحيح الترغيب عن ابن مسعود رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هولك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي) إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحا. قالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: أجل! ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن). وورد في الجامع الصغير، ومجمع الزوائد، وعمدة التفسير لأحمد شاكر رحمه الله، عن أمنا عائشة رضي الله عنها: (إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها من العمل، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه). والحزن السلبي منهي عنه لأنه خلاف الصبر؛ يقول تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أولئك عليهم صلوات من ربهم، ورحمة، وأولئك هم المهتدون) البقرة: 155-157. ويقول تعالى حكاية عن ناصح قارون: (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) وقال تعالى في الفرح اللائق الصحيح: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا؛ هو خير مما يجمعون). ومن أرذل أنواع الحزن، ذلك الحزن البغيض الذي يؤدي إلى القنوط، أو الرفض، أو التعدي على القدر، أو التسخط والإساءة، ففي البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية). وفي الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، عن سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، عنه صلى الله عليه وسلم: (إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة: لهو ولعب ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: لطم خدود وشق جيوب ودعوى بدعوى الجاهلية). وفي صحيح سنن الترمذي، وصحيح سنن ابن ماجة، عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط). حدث الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي عن أخ مقيم في مستشفى، جاءهم مريض، يشكو من ورم خبيث في كل أمعائه، والمرض قاتل، هذا المريض كلما دخل عليه عائد أو زائر، يقول له: اشهد أنني راض عن الله، يا ربي لك الحمد.. فاستقطبت غرفته كل موظفي المستشفى؛ هناك نورانية في الغرفة، وراحة نفسية عجيبة، مريض مصاب بورم خبيث، منتشر في أمعائه، والمرض قاتل، وهذا المريض كلما دخل عليه زائر يقول: اشهد أنني راض عن الله، يا ربي لك الحمد! والله حدثني – هذا الموظف في المستشفى – قال لي: إذا قرع الجرس من هذه الغرفة، يتسابق الموظفون لتلبية طلبه، يشعرون براحة عجيبة جدّا، بعد أسبوع توفاه الله عز وجل. ولحكمة بالغةٍ، بالغةٍ، بالغة جاء مريض آخر، مصاب بالمرض نفسه، يا لطيف! يسب الدين، يسب الإله، الله عز وجل أعلم هؤلاء الموظفين؛ المرض نفسه، الآلام نفسها، كيف المرض في حالة المؤمن مع الإيمان، وكيف المرض مع الكفران. هذا هو الفرق بين حزن محفوف بالرضا، والصبر، والإيمان بمقادير الله تبارك وتعالى، وحزن جائر جامح مريد، يتسخط حتى يخرج به التسخط إلى الإساءة وربما إلى الخروج من الإيمان؛ نعوذ بالله من الخذلان!