عَيْبُ كثير من المفسِّرين أن كل آية في القرآن يُشمُّ منها اللين أو الرفق يقولون: نسختها آية السيف

alarab
باب الريان 19 أغسطس 2011 , 12:00ص
الخلاف في الآية الناسخة المُسمَّاة بآية السيف: والعجيب أنه اختلف في الآية الناسخة التي سمَّوها آية السيف، أيُّ آية هي؟ اختلفوا فيها على أقوال: وأكثر الأقوال وأصحها أنها آية: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5]، وهذه الآية نزلت في المشركين الذين تعدَّوا الحدود، وطَغَوْا، وآذَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ونَقَضُوا العهود، فنزلت آية البراءة: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ...} [التوبة:1]، ثم أمهلتهم أربعة أشهر، وبعد ذلك إذا انسلخ الأشهر الحُرُم -الأشهر الأربعة- فاقتلوا المشركين، هؤلاء الذين نزلت فيهم الآيات، هذه هي الحقيقة التي جاءت بها الآية. دعاوى النَّسخ عند بعض المفسِّرين: ولكن عَيْبُ كثير من المفسِّرين، أنَّ كلَّ آية جاءت في القرآن يُشمُّ منها اللين أو الرفق أو الأمر بالصبر أو الحِلْم أو الدعوة يقولون: نسختها آية السيف: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج:5]، {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35]، {وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} [يونس:109]، {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل:127]، {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [الروم:60]، {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الروم:48]، {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [طه:130]، فهذه الآيات وأمثالها التي أمرت بالصبر عامة، أو الصبر لحكم الله، أو على المشركين، نسختها جميعا آية السيف. وألحقوا بها الآيات التي تأمر بالإعراض عن المشركين، والتي تأمر بالعفو والصفح، أو تأمر بالدفع بالتي هي أحسن، أو تأمر بجدال الكفار بالتي هي أحسن، وكذلك الآيات التي تأمر بحسن معاملة الكفار، وغيرها من الآيات، نسختها آية السيف. وهذه مبالغة لا نقبلها. إهلاك أهل القرى في أوقات معلومة محددة: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} المقصود بالقرية: أهل القرية. تقول: اسْأل القرية. أي: أهل القرية، هذا مَجَازٌ معروف، نقول: حكمت المحكمة. والمحكمة هي المكان الذي يجتمع فيه القضاة، فتقول: حكمت المحكمة. أي: قُضاتها. ويقول الله -تعالى- على لسان إخوة يوسف لأبيهم يعقوب: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف:82]، ليس المقصود: اسأل المباني؛ بل المقصود: اسأل أهل القرية. {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}، كلُّ ما قدَّر الله -عزَّ وجلَّ- في هذه الحياة من أحداث ووقائع تنزل بالأفراد، أو تنزل بالمجتمعات، فهو مُقدَّرٌ عند الله، مكتوبٌ في كتاب، كلُّ شيء معلوم وله أجلٌ مُحدَّد، ووقت مدوَّن: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8]، {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء:58]، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد:22]، فكلُّ قومٍ استحقُّوا الهلاك لكفرهم وعِنَادهم وتَعدِّيهم على رُسل الله والمؤمنين بهم، هؤلاء سيأتيهم ما قدَّر الله لهم في موعده المُحدَّد المعلوم، وهذا معنى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ}، أي: أجلٌ مُحدَّد مكتوبٌ مسطور، {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر:52، 53]، فهو مُسَطَّر عند الله. الموعد المُحدَّد لإهلاك الأمم الظالمة: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} كلُّ أمة لها أجلٌ مُعيَّنٌ، إذا كانت أمَّة صالحة فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- يمدُّ لها أسباب الخير والفلاح، ويُطعمها من فوقها ومن تحت أرجلها، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:96]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة:66]، هذا مكتوبٌ أيضاً عند الله، الأمَّة التي قدَّر الله لها أن تُؤمن وتعملَ صالحاً يؤتيها الطيِّبات، ويُبارك في حياتها، والأمَّة التي قدَّر الله أن يُهلكها، وهو لا يهلك الأمم اعتباطاً ولا عَبثاً ولا ظلماً، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود:117]، إذا كان أهلها مُصْلحين لا يمكن أن يُهلكها الله، إنَّما يُهلك الله مَنْ ظَلَم وأفسد، {تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف:59]، يوجد موعد مُحَدَّد لإهلاك الظالمين، ولذلك يقول هنا: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا}، الذي حدَّد الله فيه هلاكها، إذا كان الله قد حدَّد هلاكها في سنة معيَّنة، وفي شهر محدَّد، وفي يوم معلوم، سيأتي الهلاك في اللحظة المُقدَّرة. استعجال الكفار العذاب ومباغتتهم به: والكفار يستعجلون نزول العذاب: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} [العنكبوت:53]، فهناك أجل مُسمَّى مُعيَّن حدَّده ربنا، لولا هذا الأجل لجاءهم العذاب، {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت:53]. من سُنن الله عزَّ وجل: أن يباغتهم العذاب من حيث لا يتوَّقعون، يأتيهم بياتاً وهم نائمون، يأتيهم ضُحىً وهم يلعبون، هكذا، ولكن يأتيهم وهم في غفلة يباغتهم ويفاجئهم. سُنَّة الله في تقدير الآجال للأمم والأفراد: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}، لا تُقدَّم ولا تُأخَّر، إنما يأتي عذاب الله وعقابه في الأجل المُسمَّى، في الموعد المحدَّد كما قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]، لا استئخار ولا استقدام، في اللحظة المُحدَّدة، وهذا ينطبق على الأمم، وينطبق على الأفراد: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4]، {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون:11]. استهزاء المعاندين المُكذِّبين برسول الله: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} يتحدَّث الله عن هؤلاء المشركين المُعاندين المُكذِّبين، وكيف يستهزئون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقولون في لغة مُتهكِّمة: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، فهم لا يُصدِّقون أنَّ هناك ذِكراً منزَّلاً عليه من السماء، فقولهم: {نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ}، تفيد أنه يُوجَدُ شيءٌ نازلٌ من أعلى إلى أسفل، أي: من عند الله جاءت به الملائكة إلى محمَّد، هم يسخرون ويقولون: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ}، كما تزعُم وتدَّعي: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}: فاقدٌ للعقل والتفكير السويِّ، حيث تدعو بدعوةٍ تخالف ما عليه الناس، تُسَفِّه دينَ الآباء والأجداد، تدعُو إلى ترك الآلهة التي يظنُّون أنها تنفع وتضرُّ، وهي لا تضرُّ ولا تنفع، ولا تُعطي ولا تمنع، ولا تُبصر ولا تسمع، ولا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولكنهم يزعمون هذا. يا من يقف ضدَّ العقائد السائدة، ويقاوم وحده المجتمع كله، وينادي بدعوة التوحيد التي ترفضها الكافَّة والأغلبيَّة، يقولون: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص:7]. {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص:8]، فهم يَسْتغربون أن يُدعوا إلى دعوة التوحيد، هذا شيءٌ عُجَاب. ولماذا هو وحده الذي نُزِّل عليه الذكر من بيننا، وهناك أُناسٌ عظماء: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، مثل الوليد بن المغيرة في مكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف. وَصْفُ الأمم المُكذِّبة رُسُلَ الله بالجنون: هكذا كان موقف هؤلاء السُّفهاء: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، وَوَصْفُ رُسل الله بالجنون متواترٌ عن الأمم المختلفة، ما أكثر ما وُصِفَ المرسلون بأنهم مجانين. وكلُّ إنسان صاحب دعوة يؤمن بها، ويدعو إليها، وهي تخالف أعراف الناس، خصوصا إذا خالفت أعرافَ أكابرِ القوم، والعِلْية من الناس -كما يُسمُّونهم- يطلقون عليه هذا الوصف: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}؛ لأنه يُضَحِّي ويُغَامر بنفسه وبحياته ويقف ضدَّ التيار، يعني: يسبح ضد التيار، فيقولون: هذا مجنون. سيدنا نوح -عليه السلام- قالوا فيه: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:25]، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر:9]، هكذا وُصف الأنبياء، وكما قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات:52]. وسيدنا موسى -عليه السلام- قالوا فيه: {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات:38، 39]. هكذا الأمم قبل العرب، وقبل قريش، قالوا مثل هذا، كما قالوا: في محمد إنه ساحر أو مجنون. وقالوا فيمن سبقه من الرسل: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات:53]. يعني هل وَصَّى بعضَهم بعضاً بأن يقولوا هذا؟! فكلُّ أمة تقول هذه المقولة، كأنَّ هناك وصيَّة من الأمة التي قبلها، والحقيقة أنه ليس هناك وصيَّة، إنما يقول الله: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}، أي: اشتركوا في الطغيان، فاشتركوا في النتيجة، تشابهت قلوبهم كما قال الله تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118]، فتشابهت أقوالهم؛ لأنَّ المصدر واحد، وهو طغيانُ الحقّ وتَجَاوز الحدِّ. افْتراء المشركين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لقد افتروا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر:6]، وقالوا: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} [يونس:2]، وقالوا: {شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30]، وقالوا: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ} [الأنبياء:5]، وقالوا: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5]. وقالوا ما قالوا، وكلُّها أكاذيب وأباطيل لا تقوم على حُجَّة، ولا تُبنى على منطق. قَلْبُ الحقائق عند المشركين: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، انظروا كيف يكون محمد -عليه الصلاة والسلام- مجنون، وهؤلاء المشركون الذين يستندون للأصنام، الذين ينحتون الأصنام بأيديهم ثم يعبدونها، ويسألونها أن تَجْلِبَ لهم الخير، أو تدفع عنهم الضُّر، أهؤلاء عقلاء ومحمد مجنون؟! انظروا كيف تُقلب الحقائق، المجانين يدَّعون على أعقل الناس، وأذكى الناس، وأفضل الناس أنه مجنون، هذا هو العَجَب. الله تعالى يقول: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وإنك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:1-4]، أنت صاحبُ الخُلُق العظيم، كيف يكون صاحب الخلق العظيم مجنوناً؟! المجنون لا يتصرَّف تصرُّفاً مفهوماً، لأنَّ حياته خَلْط وخَبْط، يعمل الشيء الآن، ويهدمه بعد قليل، ويقول الآن شيئاً، ويقول شيئاً ينقضه بعد ذلك، فحياته متناقضة، وأقواله متناقضة، وهذه الأشياء غير مفهومة، فكيف يكون محمَّدٌ مجنوناً، لا يمكن أن يكون صاحب الخلق عظيما مجنونا: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وإنك لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. طلب المشركين إتيان الملائكة: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} {لَوْ مَا}، هنا معناه التَّحضيض مثل: لَوْلا وهلَّا، أي: هلَّا تأتينا بالملائكة وتحضرهم عياناً، إن كنت من الصَّادقين في دعواك بأن الملائكة تنزل عليك، هاتِ الملائكة، اجعلنا نراها تأتي وتشهدُ لك. وهكذا رأينا المكذِّبين للرسل في الرسالات المختلفة يلجؤون إلى هذه الدعوة، نزول الملائكة: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:21-22]، الملائكة إذا نزلت ستنزل بعذاب الله. حتى فرعون قال عن سيِّدنا موسى: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف:53]، ومشركو مكة حين طلبوا من النبيِّ آيات تعجيز قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء:90-93]... إلخ. الردُّ على اقتراحات كفَّار قريش: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ} فهؤلاء الذين يطلبون نُزولَ الملائكة، ويقولون: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}. يردُّ الله تعالى عليهم: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ}، ما نُنَزِّل الملائكة حين نُنَزِّلها إلا تنزيلا مقترنا بالحقّ، وعلى الوجه الذي اقتضته الحكمة، وهي تنزل إما بالوحي وإما بالعذاب: إما بالوحي للرسل، أو بالعذاب على مُكذِّبيهم، حين يأتي الوقت المعلوم: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر:4]، تأتي الملائكة حين نزولها بالحقِّ ويكون فيها هلاكهم، ويكون فيها نقمة الله تعالى عليهم، كما قال سبحانه: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:22]. انتهاء الإمهال عند نزول الملائكة: {وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} هم يستعجلون نزول الملائكة، وستأتي الملائكة عند نزولها بالحقِّ، ومن الحقِّ: ما قدَّر الله لهم من عذاب ومن هلاك. وهم يستعجلون مصيرَهُم، يستعجلون هلاكَهم، إذا نزلت الملائكة فلا إنذار ولا إهمال، {وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ}، في هذه الحالة انتهى الإمْهَال، انتهت المُهْلة التي أُعطِيَتْ لهم، انتهت الفُرصة التي أُتيحت لهم، إذا نزلت الملائكة كان هلاكهم ودمارهم فَعَلَام يستعجل هؤلاء؟! {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ}. حِفْظ القرآن الكريم من التَّغيير والتبديل والزيادة والنقص: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الذكر هو القرآن، للأسف وجدنا بعض المغرورين من الدُّخلاء على القرآن وعلى علوم القرآن، ممَّن يدَّعون أنهم يقرؤون القرآن قراءةً معاصرة، قراءة جديدة، ويحسبون أن الطبري والزمخشري والرازي وابن كثير والقرطبي وكلُّ مفسِّري المسلمين -تفسير بالرواية وتفسير بالدراية- لم يفهموا القرآن، هم الذين يفهمونه وحدهم، ويقولون: أنا أبدأ من الصفر، لا تقل لي: حديث مرفوع، ولا حديث موقوف. ولا تقل لي تفسير ابن عباس. ولا تقل لي: تفسير ابن مسعود ولا غيره. أنا أبدأ من جديد. ويأتوننا بالعجب، ومن العَجَب الذي جاؤوا به أنهم قالوا: الذكر شيء، والقرآن شيء، والفرقان شيء.. وهكذا. الذكر هو القرآن: الذكر هو القرآن: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، وهل نُزِّل عليه شيء غير القرآن؟! حتى المشركين قالوا هذا: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص:8]، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44]. لماذا سُمِّي القرآن ذكرًا؟ الذكر هو القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} سُمِّي ذكرًا لأنه يُذكِّر بالله وبعبادته، ويُذكِّر ويُذكِّر بالأخلاق وأصول الفضائل، ويُذكِّر بالآخرة، ويُذكِّر بكلِّ ما هو خير، إنه هو التذكير: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45]، {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى:9]، {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر:17]، هو مُذكِّر، ولذلك سُمِّي ذكراً. كما سُمِّي فرقاناً؛ لأنه يفرِّق بين الحقِّ والباطل: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]. الردُّ على أصحاب القراءة المعاصرة للقرآن الكريم: وهؤلاء يزعمون أنَّ الذكر شيء، وأنَّ القرآن شيء، وأنَّ الكتاب شيء، {تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ} [الحجر:1]، الكتاب شيء والقرآن شيء: {تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]. ونقرأ في سورة الشورى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت:41]، الذكر هو الكتاب العزيز ليس شيئاً آخر: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت:44]، فهو القرآنُ، وهو الذكرُ، وهو الكتابُ في سياق واحد، ولكنَّ هؤلاء جعلوا القرآن عضين –مفرَّقا- يقرؤون القرآن منفصلاً بعضه عن بعض، لا يستحضرون ما وَرَدَ في الموضوع من آيات، ولذلك يقعون في هذه الهاوية من سُوء الفَهم ومن ضلال الفكر، والعياذُ بالله. لم يتأهَّلوا لتفسير القرآن، لم يعرفوا القرآن حقَّ المعرفة، لم يعرفوا السنة النبويَّة، وهي بيان القرآن، لم يعرفوا كيف يُفهم القرآن، لم يفهموا أصول الفقه، وما وضعه العلماء من قواعد لحُسْن الفَهم، كيف يُحمل المطلق على المقيَّد، والعام على الخاص، وكيف يفسِّر الواضح غير الواضح، والمفصَّلُ المُجْمَلَ... إلخ، لم يتأهَّلوا للقرآن، ولكن هذه دعواهم. الفرق بين نزَّلنا وأنزلنا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}، أي: القرآن، كلمة {نَزَّلْنَا} -كما قلنا- من فوق، أحياناً {أَنْزَلْنَا}، وأحياناً {نَزَّلْنَا}، إذا رُوعي إنزال القرآن مرَّةً واحدة قال: {أَنْزَلْنَا}، وإذا رُوعي أنه نُزِّل في ثلاث وعشرين سنة نجوماً مفرَّقة على حسب الحوادث، يقال: {نَزَّلْنَا}. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا} بصيغة المُعظِّم نفسه، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} لم يُنزله أحدٌ غيرنا، ولا يُمكن لأحدٍ أن ينزله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء:210-212]. المؤكِّدات على حفظ القرآن الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، نحن المتكفِّلون بحفظه، فلا يقدر أحد على الزيادة فيه، ولا النقصان منه، ولا تبديله، بخلاف غيره من الكتب، التي استحفظها الله عباده، فقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة:44]. أكَّد الله حفظ القرآن بهذه الصيغة، وعلماء اللغة يقولون: الجملة الاسميَّة أَوْكَد من الجملة الفعليَّة، فإذا أُكدت الجملة الاسمية بـ(إنَّ) كان هذا زيادة في التأكيد، فنحن نقول: إنَّ: حرف توكيد ونصب. تقول: محمدٌ حاضر. وتقول: إنَّ محمداً حاضر. فهذا توكيد، فإذا أدخلت اللام في الخبر كان هذا زيادة توكيد على توكيد، تقول: إنَّ محمداً لحاضر. وهنا يقول الله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. فرق بين أن يقول: (ونحفظه). وبين أن يقول: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. ولم يقل سبحانه: نحن له حافظون. لا إنما قال: {إِنَّا}، ولم يقل: إنا له حافظون. لا، إنما قال: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. وهذا تأكيد في حفظ هذا الكتاب العظيم، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:83]، {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41-42]. تميُّز القرآن الكريم بالحفظ دون غيره من الكتب السماويَّة: ولذلك لا يوجد كتاب من الكتب الدينيَّة محفوظٌ كما حُفظ القرآن الكريم، وقد هيَّأ الله سبحانه لحفظ القرآن، أن يُحَفَظ في الصد