تغلب على هواك

alarab
باب الريان 19 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. العربي عطاء الله
التقوى في حقيقتها العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا، فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده وبترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: (إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله، وإن كل عمل لا بد له من مبدأ وغاية فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك، بل لا بد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب. ومما يعين على التقوى أن تتعلم كيف تتغلب على هواك وتطيع مولاك، قال الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: (إذا همت نفسك بالمعصية فذكرها بالله، فإذا لم ترجع فذكرها بأخلاق الرجال، فإذا لم ترجع فذكرها بالفضيحة إذا علم بها الناس، فإذا لم ترجع فاعلم أنك تلك الساعة انقلبت إلى حيوان). ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (وملاك الأمر كله الرغبة في الله وإرادة وجهه والتقرب إليه بأنواع الوسائل والشوق إلى الوصول إليه وإلى لقائه، فإن لم يكن للعبد همة على ذلك فالرغبة في الجنة ونعيمها وما أعد الله فيها لأوليائه، فإن لم تكن له همة عالية تطالبه بذلك، فخشية النار وما أعد الله فيها لمن عصاه، فإن لم تطاوعه نفسه لشيء من ذلك فليعلم أنه خلق للجحيم لا للنعيم، ولا يقدر على ذلك بعد قدر الله وتوفيقه إلا بمخالفة هواه. فلم يجعل الله طريقا إلى الجنة غير مخالفته ولم يجعل للنار طريقا غير متابعته قال تعالى: (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) النازعات 37،41. وقد حكم الله تعالى لتابع هواه بغير هدى من الله أنه أظلم الظالمين فقال عز وجل: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) القصص 5. يقول بن الجوزي رحمه الله تعالى: (الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر من الذنوب خصوصا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة، فأما المؤمن اليقظ فإنه لا يلتذ بها لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها، وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي – وهو الله – فينغص عيشه في حال التذاذه، فإن غلبه سكر الهوى كان القلب منغصا بهذه المراقبات، وإن كان الطبع في شهوته فما هي إلا لحظة ثم خزي دائم وندم ملازم وبكاء متواصل وأسف على ما كان مع طول الزمان حتى لو تيقن العفو وقف بإزائه حذر العتاب، فأف للذنوب ما أقبح آثارها؟ وأسوأ أخبارها؟ ولا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (واعلم أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإن الشهوة إما أن توجب ألما وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تذهب مالا بقاؤه خير من ذهابه، وإما أن تضع قدرا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة).