التمثيل جائز بشرط ألا يشتمل على حرام

alarab
باب الريان 19 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: عصام تليمة
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي القواعد العامة الضابطة في التعامل الشرعي مع الفنون الفنون الحركية بأنواعها: نبدأ ببيان حكم وضوابط الشرع الإسلامي في الفنون الحركية، وتشمل: التمثيل بكل أنواعه: السينمائي، والمسرحي، والتلفزيوني وغيره. وكذلك الرقص. أولا التمثيل مما لا شك فيه أن قضية التمثيل مسألة مستحدثة لم يعرفها المتقدمون من العلماء، خاصة بالصورة التي هو عليها الآن. ولكن المتتبع لكثير من النصوص القرآنية والنبوية يجد أحداثا وقصصا هي أشبه ما تكون بالتمثيل الآن، ولنذكر طرفا من هذه النصوص. أدلة من القرآن الكريم نبدأ أولا بذكر الأدلة من القرآن الكريم، وبيان دلالة هذه الأدلة: 1- أول هذه الأدلة التي نستدل بها على جواز الأمر، هو قول الله تبارك وتعالى في قصة ابني آدم، عندما قتل أحدهما الآخر، وظل حائرا لا يدري ما يفعل بجثة أخيه المقتول: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} [المائدة:31]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله-: «يقول جمهور المفسرين: إن الله بعث غرابين لا واحدا، وإنهما اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فحفر بمنقاره ورجليه حفرة ألقاه فيها. واللام في قوله تعالى: {ليريه} للتعليل، إذا كان الضمير راجعا إلى الله تعالى، أي أنه تعالى ألهم الغراب ذلك ليتعلم ابن آدم منه الدفن». ألا يعد ذلك تمثيلا؟ فالواضح في أمر الغراب أن الله أرسله ليعلم ابن آدم كيف يدفن أخاه، فالغراب مثل دور الدفن بإتقان شديد، وذلك تعليما لابن آدم القاتل، أليس ذلك تمثيلا؟ بلى إنه تمثيل. 2- وضع سيدنا يوسف السقاية في رحل أخيه الدليل الثاني: في قصة يوسف عليه السلام دليل مهم وواضح، وذلك حينما وضع صواع الملك في رحل أخيه، وكان ذلك باتفاق بينهما يقول تعالى: {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف:69-70]. فما كانت تلك الفعلة إلا حيلة (تمثيلية) حتى يحتفظ يوسف عليه السلام بأخيه. أدلة جواز التمثيل من السنة كما حفلت السنة بأحداث وقصص لا تخرج عن التمثيل، وهي كثيرة جدا في السنة، وأكثر في السيرة النبوية، وخاصة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم. الدليل الأول من ذلك الحديث المشهور، الذي يسأل فيه جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ فهذه الهيئة التي نزل عليها جبريل عليه السلام هل هي هيئته الحقيقية؟ وهل كان جبريل جاهلا بما سأل، خاصة أنه كان يعقب بعد كل سؤال بقوله: صدقت؟! أم أنه مثل دور السائل ليتعلم منه المسلمون أمور دينهم. الدليل الثاني: قصة أعمى وأقرع وأبرص بني إسرائيل ومن ذلك أيضاً في السنة النبوية المطهرة، حديث الثلاثة الذين هم من بني إسرائيل (الأعمى والأقرع والأبرص) والملك الذي جاءهم في صورة سائل، وذلك من باب الاختبار لهم، أيشكرون الله على نعمته أم يجحدون؟ يعلق ابن القيم على هذا الحديث قائلا: وهذا -أي طلب الملك للصدقة منهم وقد جاءهم في صورة سائل- ليس بتعريض، وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني صاحب القضية، كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة ليتم الامتحان. الدليل الثالث: قصة جُريج (عابد بني إسرائيل) قصة جريج، والتي ترويها السنة المطهرة، وأنقلها كما وردت في كتب السنة النبوية: يقول صلى الله عليه وسلم: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم عليه السلام، وصاحب جريج..) إلى آخر الحديث. اعتراضات على إباحة التمثيل وقد اعترض فريق من العلماء على إباحة التمثيل بعدة اعتراضات، نرى لزاما أن يرد عليها، ويجاب عنها، ومن هذه الاعتراضات أن التمثيل لا بد فيه من اشتراك المرأة، وهذا لا يجوز، وفيه اختلاط بالنساء وهو محرم، كما أن التمثيل يشتمل على الكذب وهو محرم بيقين، ويشتمل على محاكاة الناس، والمحاكاة منهي عنها شرعا كذلك. تمثيل المرأة نأتي إلى قضية تمثيل المرأة التي وهي مثار الحديث، وقد دللنا على إباحة التمثيل في أصله، وهذا لا يختص بالرجال فقط، بل النساء أيضا، ولكن بشروط سنذكرها في نهاية المقال، لكن نريد أن نقف على أدلة المانعين لتمثيل المرأة. يستند المانعون لتمثيل المرأة إلى تحريم الاختلاط، ونقول: إن الاختلاط نوعان: اختلاط ممنوع، واختلاط مشروع. فالممنوع: ما كان فيه عدم غض للبصر، وسفور وتبرج من المرأة، وخضوع بالقول، فهذا محرم لا ريب فيه. واختلاط مشروع: وهو ما لو التزمت فيه المرأة بلبس الحجاب الذي شرعه الله، وغض الجالسون أبصارهم، ودعت لذلك ضرورة، أو مناسبة، والأدلة على ذلك كثيرة لا حصر لها. وهناك أدلة فيها جواز الاختلاط المشروع -بشروطه- والتمثيل معا. عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: جاءني رجل فقال: يا أم عبدالله إنّي رجل فقير، أردت أن أبيع في ظل دارك. قالت: إني إن رخصت (أذنت) لك أبى ذاك الزبير، فتعال فاطلب إليه والزبير شاهد. فجاء، فقال: يا أم عبدالله إنّي رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. فقالت: ما لك بالمدينة إلا داري! فقال لها الزبير: ما لكِ أن تمنعي رجلاً فقيرا يبيع إلى أن يكسب». في هذا الحدث دليلان، أولهما: جواز كلام الرجل للمرأة، وذلك واضح في كلام أسماء للرجل، والتمثيل كذلك فإن أسماء مثلت على زوجها أنها لا ترغب في جلوس الرجل في ظل دارها، وهي راغبة في ذلك، وما دعاها إلى هذا الصنيع إلا غيرة الزبير رضي الله عنه. وأدلة إباحة الاختلاط المشروع كثيرة منها أيضا ما رواه البخاري في صحيحه: «لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فما صنع لهم طعاما ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد, بلت تمرات في تَوْر من حجارة من الليل, فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته تتحفه بذلك» وفي رواية: «فكانت امرأته خادمتهم يومئذ وهي العروس». ورحم الله البخاري الذي قيل عنه: كان فقهه في ترجمته أي عنونته، وقد جعل عنوان الباب في كتاب النكاح: باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس. وفي القرآن الكريم يقول تعالى في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام والفتاتين: {قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} [القصص:23]. والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة لا حصر لها، ولو أحصيناها ما استوعبها مجلد ضخم، وليرجع في ذلك إلى كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) للأستاذ عبدالحليم أبوشقة رحمه الله، وخاصة الجزأين الثاني والثالث. أما عن مسألة النظر: فالأمر فيها مشروط بغض البصر، والقرآن حافل بمواقف فيها نظر يصل إلى حد الإطالة، وكذلك السنة. ففي القرآن في قصة موسى عليه السلام: {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} فهنا أعجبت ابنة الرجل الصالح بموسى عليه السلام, فهي قد نظرت، ولكنها نظرة لم تخرج عن إطار ما أحل الله عز وجل. كما في مخاطبة سليمان عليه السلام لملكة سبأ والرد عليها، حينما ذهبت إليه في مملكته. ومن السنة كذلك ما جاء في الصحيح عن جابر بن عبدالله قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة إلى أن قال: ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم»! فقامت امرأة من سَطةِ الناس سفعاء الخدين (أي سواد مشرب بحمرة) فقالت: بم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير» فهنا جابر رضي الله عنه في وصفه لخدي المرأة بأنها (سفعاء الخدين) أي الأسود المشرب بحمرة، لِمَ لَمْ يَقُلْ: حمراء الخدين، أو سوداء الخدين؟ رغم أن اللونين متداخلان، أيعني ذلك أن جابرا نظر ثم حول بصره سريعا، أم أنه نظر النظرة التي لا اشتهاء فيها، فجاء وصفه للمرأة بهذه الدقة. وروى الطبراني عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه فرأيت عنده امرأة بيضاء موشومة اليدين تذب عنه وهي أسماء بنت عميس (زوجه). وغير ذلك كثير في السنة ويدخل فيه الأدلة السابقة في جواز الاختلاط المشروع. ولو رحنا نأتي بآراء الأئمة وفقههم في مسألة النظر لوجدنا ما يؤيد رأينا وأكثر، وليس المقام مقام تفصيل.