فوائد اجتماعية في الغبقة الرمضانية.. ودعوات لإقامتها في المنازل وتجنب الإسراف
باب الريان
19 يونيو 2015 , 06:11ص
ولي الدين حسن
أكد مواطنون وخبراء اجتماعيون أن الغبقة الرمضانية تمثل أصالة وعادة تراثية تتناقلها الأجيال، وتعزز الروابط الأسرية وتسهم بحل الخلافات الاجتماعية في العديد من المجالس الأسرية، والهيئات والمؤسسات الخاصة والخيرية لما لها من مدلول اجتماعي وموروث شعبي تتناقله الأجيال. وقالوا في حديث لـ «العرب»: إن اهتمام كافة الأسر القطرية بتنظيم الغبقة داخل كل منزل ناجم عن أهميتها في جمع كافة أطراف العائلة داخل كيان واحد، وفي نفس الوقت زيادة التقارب بين العائلة وصلة الأرحام، وتعزيز الروابط الأسرية والمساعدة على حل الخلافات والمشاحنات الناجمة عن العديد من المشكلات الأسرية، منوهين إلى ضرورة غرس تلك العادة لدى الأطفال، والشباب حتى لا تتلاشى مع وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة.
وبينوا أن هناك العديد من الأسر تنتظر شهر رمضان الفضيل حيث تزداد الروابط الأسرية بين كافة فئات وأعمار الأسر، وذلك عبر تنظيم العديد من المجالس الرمضانية التي يشارك بها الأطفال والشباب والنساء وكبار السن لخلق أجواء أسرية خاصة مع تخصيص الوقت اللازم الدائم والمحدد لذلك، مشيرين إلى أهميتها في الابتعاد عن المقاهي والمولات والأضرار الناجمة عن ارتيادها.
وأوضحوا أن مشاركة الفتيات والنساء في المجالس الرمضانية وإعداد وتنظيم الغبقة له مدلول أسري قوي وواضح، إذ يساعد على زيادة التقارب، وينتج عن هذا الجمع الأسري مناسبات سعيدة تتمثل في الأعراس وحفلات الخطوبة، فضلا عن تحديد مواعيد للزواج، وذلك لانشغال كافة الأسر طوال العام في العمل والسفر ما أسهم في ضعف التعارف بين الأبناء والأجيال الجديدة إلا في المناسبات، وقد يكون بعضهم خارج البلاد.
وأشار المتحدثون إلى أن الإسراف في تجهيزات وإعداد الغبقة من مأكل ومشرب يتنافى مع ديننا الكريم، موضحين أن تلك العادة هدفها الأول جمع الأسرة في نطاق وحيز واحد يجتمع فيه أكبر عدد من أعضاء الأسرة للتباحث والتعاون والاستفادة من خبرات الكبار، وليس التباهي والإسراف في الإنفاق، مشيرين إلى ضرورة زيادة الإنفاق في التصدق على الفقراء والمحتاجين وتوجيه الفائض إلى الجمعيات الخيرية.
وأكدوا على ضرورة إقامة الغبقات في المنازل لجمع الأسرة في مكان واحد، وعدم إقامتها في الفنادق والخيام الرمضانية، كون ذلك يخلق حالة تساعد على تقسيم وتفكك العائلة والبعد الأسري والإسراف الكبير في إقامتها عبر تقديم العديد من الفنادق والشركات العروض الخاصة والمميزات لتنظيمها ما يعود بالسلب على أهدافها الأسرية النبيلة.
الترابط الأسري
في البداية يقول أحمد العمادي: الغبقة الرمضانية تقليد تاريخي اجتماعي ليس في دولة قطر وحدها، ولكنه يشمل جميع دول الخليج وتعارف أهله على إحيائه منذ مطلع القرن العشرين، وهي تعتبر إحدى عادات وجبات شهر رمضان التي تقع بين وجبة الإفطار والسحور.
وأضاف العمادي أن المواطنين يحرصون على إقامة الغبقات الرمضانية في ليالي الشهر الفضيل، وخصوصا في العشر الأواخر من أيامه ويدعون لها الأهل والأصدقاء في بيوتهم ويعتبرونها فرصة لتعزيز التعارف والترابط الاجتماعي بينهم، مشيرا إلى أن الغبقة تقام غالبا بين الساعة الحادية عشرة ليلا والثانية صباحا بحيث يسهل على المدعوين تلبية الدعوة، ويلتزم كافة المدعوين سواء من الأهل أو غيرهم عند إحيائها بارتداء اللباس التقليدي وإبراز النواحي التراثية في الجلسة العامرة بالأحبة والأقارب والأصدقاء لترسيخ معلمها على الأطفال حتى لا تندثر تلك العادة.
وأوضح العمادي أن ما يميز هذه العادة هو تجمع كافة أطراف العائلة وعدم اقتصارها على أحد دون الآخر، فالشباب لهم تجمعهم والرجال لهم أماكنهم للقاء والاحتفاء كذلك النساء لهن تجمعهن وهذه الوليمة التي تتسع دائرتها ويكثر عدد المدعوين لها لا يشترك فيها غريب ولا بعيد إنما هي لأهل الحي والمنطقة حيث يجتمعون في ما بينهم ويتفقون على أصناف الأكل والحلويات والمشروبات ولا تحكمهم قوانين ولا يحدهم بروتوكول يقيمونها كل يوم أو يومين عند أحدهم لتجمعهم الألفة والمحبة على مائدة واحدة يعيدون حديث الذكريات.
وأشار العمادي إلى أن تجمع كافة أطراف الأسرة والأهل والعشيرة في مكان واحد يجمعهم كبير العائلة داخل مسكنة يسهم بشكل مباشر وإيجابي على تذليل الخلافات الأسرية بين بعضهم البعض، والتي غالبا ما تنتج عن المشاحنات ومشاكل الميراث أو النسب والزواج وما إلى ذلك، موضحا أن في نهاية المجلس تكون كل الأمور عادت إلى طبيعتها على خلاف المجالس التي تعقد في ظروف ومواعيد خارج الشهر الكريم وأن من شأن ذلك تعظم مكانتها، وعدم التهاون مع من لا يدرك أهميتها من كافة الجوانب، لذلك نجد أن الكثير من الأسر تحرص على حضورها وفي مواعيدها دون تأخير مهما كانت الأسباب ودون مبررات أو اعتذارات، كما أن إسناد تنظيمها إلى شيوخ القبائل والشخصيات البارزة في العائلة والأحق تقديرا واحتراما يسهم في إعطائها هيبة وبريقا لكون منظمها هو المسؤول الأول عن تلك العائلات وحل مشاكلهم بما يتناسب مع الأعراف المتبعة لدي المجتمع القطري.
وأكد العمادي على ضرورة توسعة دائرة المدعوين لتشمل الجيران والأصدقاء سواء داخل العمل أو في الدراسة، وذلك لخلق حالة من الدف الأسري وتعزيز الترابط بين جميع الأعمار، كما أن زيادة إعداد المدعوين يسهم في التعرف والتقرب أكثر من بعضهم كما يحدث في الأفراح والمناسبات الاجتماعية ولكنها تكون بشكل مختلف في الغبقة، حيث يكون هناك جوانب تنظيمية حتى أثناء الحديث وتتم بصورة منظمة وينصت الصغير إلى الكبير ويتعلم منه ما يرويه من حكم وأقوال تكون بمثابة العظة والدافع لهم لتحقيق طموحاتهم التي يتطلعون إليها.
عادة تراثية
ومن ناحيته قال إبراهيم المالكي: تنظيم الغبقة بشكل يومي وفي عدة منازل يسهم بشكل مباشر وإيجابي على ترسيخ وغرس تلك العادة في نفوس ووجدان الأجيال الصغيرة التي من شأنها إحياء هذه العادة على مدار التاريخ، وعدم إهمالها وتلاشيها خاصة مع التطور الكبير في أسلوب الحياة الذي أثر سلبا على العديد من أمور حياتنا وأصبح كالهشيم في النار يأكل الأخضر واليابس ولا يقف على تراث وحضارة وتاريخ أسسه أجدادنا على مدار العديد من السنوات.
وأضاف المالكي أن من واجب كل أسرة أن تعلم أبناءها جيدا تراث وحضارة دولتهم وكيف كانت في الماضي ومن ثم سبل الحفاظ على ذلك وعدم الانخراط في الأمور الإلكترونية التي جعلت من الإنسان آلة تبعده عن الإحساس بالمشاعر والأحاسيس، مشيرا أن رمضان يعد من أنسب الأوقات في العام لإعداد، وتهيئة الأطفال نفسيا وذهنيا ودينا على حسن الخلق والحفاظ على النعمة التي أعطانا إياها ومن ثم فهو مناسبة جيدة للتقرب منهم بعيدا عن تعاليم مربيات المنزل التي قد تعلمهم أشياء خارج عاداتنا وتقاليدنا وعدم إكسابه المعرفة الجيدة بأمور بلادة والمسؤولية تجاه حتى يكون مواطنا إيجابي في مجتمعة.
وقال المالكي: إن الحفاظ على التراث والعادات والتقاليد من شأنه المساهمة في زيادة الإحساس بالانتماء إلى الوطن، وزيادة القدرة على العطاء مطالبا بضرورة دعوة العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع من رجال الدين والعلماء والفنانين والأطباء والمواطنين في كافة التخصصات من الأقارب، والمعارف لتوضيح نبزة مختصرة عن حياتهم في العملية وكيفية الوصول إلى طموحاتك وأحلامك وعدم الاعتماد على الغير حتى لا تكون جلسة تقتصر فيها على الأحاديث الشخصية والسهر والسمر دون فائدة وتعلم شيء إيجابي.
وأشار المالكي إلى دور الهيئات الحكومية والخاصة في توجيه الشباب في هذا الشهر ودور وسائل الإعلام في تهيئتهم على العمل وحضور الندوات التي تنظمها الجمعيات الخيرية والمشاركة فيها وعدم التكاسل في ذلك الشهر الكريم واعتباره إجازة للأكل واللعب، كما أن دور المجالس الرمضانية لا يقل عن دور تلك الجمعيات في حث الشباب الصغير على الاعتماد على النفس والانخراط في سوق العمل ومن ثم بداية حياة جديدة يؤسس من خلالها أسرته لخاصة دون البعد عن أهله وعشيرته وهذا الهدف الرئيسي لتلك لمجالس ودور كبير العائلة.
زيادة الأنساب
وفي السياق ذاته قال منصور الهاجري: تساعد تنظيم الغبقة الرمضانية كثيرا في توسعة دائرة المعارف بين الأهل وبعضهم وذلك لأن هناك البعض منهم ينشغل بأمور الحياة ومنهم من يقضي سنوات دراسية خارج البلاد، كما أن هناك من بين المدعوين من هم خارج النطاق الأسري فهي فرصة جيدة للتعرف عن قرب على أفراد العائلات الأخرى من الشباب صغار السن التي تتغير ملامحه في غضون فترات صغيرة.
وأضاف الهاجري أن تجمع النساء في مكان ووقت واحد مع أبنائهن من الفتيات يخلق جوا أسريا ويساعدهن على التقرب أكثر ما ينتج عنه ارتباطهم وزيادة الأنساب فيما بينهم وذلك يتم بعد فترة قصيرة من رمضان، مشيرا إلى الدور الذي تلعبه تنظيم الغبقة والمجالس الرمضانية في تغيير وزيادة ملامح الأسر، كما أنهم يجتمعن ويسهرن ويرجعن شريط الذكريات إلى الماضي، حيث الطفولة ومراتع الصبا ثم الشباب حتى مرحلة تحمل المسؤولية في العمل والأسرة لأنهن أهل حي واحد يشتركن في كل شيء وبعد ذلك زواجهم وأبناؤهم وما إلى ذلك.
وأوضح الهاجري أن الغبقة تعد فرصة لتأصيل الترابط بين الأسر، والاجتماع الأسري عامل مهم في ترابط الأهل بعضهم ببعض، وخاصة في مواسم الطاعات، لافتا إلى أن شهر رمضان يعد فرصة كبيرة للكثير من العائلات في التزاور، وتجديد العلاقات، وصلة الرحم، وإزالة الكدر، الذي قد يؤثر على العلاقات بسبب بعض الأخطاء في التعامل.
وأكد الهاجري على ضرورة تقسيم الوقت ما بين العمل في الدوام الصباحي والالتزام بالتواصل الاجتماعي عن طريق حضور المجالس الرمضانية والغبقات حتى لو تطلب الأمر التوجه إلى أقاربه في مدينه أخرى، وذلك لأن وسائل التواصل الاجتماعي أفقدت الإنسان صلة أرحامه، وأدت إلى اكتفائه بها باعتبارها وسيلة للتواصل دون مشقة ولكنها ليست بدلا عن التقرب من لقاء الأهل والعشيرة وسط أجواء روحانية.
المقاهي والمولات
ومن جانبه قال ياسر البلوشي المشرف الطلابي بمدرسة أحمد بن حنبل: إن تنظيم الغبقة الرمضانية ودعوة الشباب إليها يسهم بشكل مباشر وإيجابي على التقرب إلى الأهل والعشيرة والانخراط في أمورهم ومشاغلهم والتعود على الدور القيادي الذي يقوم به كبار السن والقائمون على أعمال الجلسة، كما أنه يبعده ولو لبعض الوقت عن العادات السيئة التي اعتاد عليها طوال العام من ارتياد المقاهي والمولات وما ينتج عنها من أمور سيئة تضر بصحته وتبعده عن دينه.
وأضاف البلوشي أننا نعلم المخاطر الناجمة عن ارتياد المقاهي والعادات السيئة من شرب الشيشة والدخان ما يضر بشكل مباشر على صحته خاصة أنه في مقتبل عمرة وتلك الأشياء تؤثر عليه وكان من الأولى أن يستغل وقت فراغه في ممارسة الرياضة وتعلم مهرات أخرى تساعده في حياته المستقبلية فيما بعد.
وأكد البلوشي أن هذا الشهر هو بمثابة تحرر الشاب أو الرجل من عادات سيئة والاتجاه إلى القرب من الله عز وجل ومن ثم الانخراط في المجالس الرمضانية والغبقات التي تؤهله فيما بعد إلى أن يكون فردا مسؤولا وناجحا في حياته الشخصية والعملية عن طريق احتكاكه المباشر وغير المباشر بأفراد أسرته الموجودين في تلك المجالس لكنه في الوقت ذاته نوه أن تتنوع برامج تلك المجالس والغبقات ولا تقتصر على الأحاديث الجانبية والسهر وممارسة الألعاب على الهاتف الجوال، ولكنها يجب أن تكون بناءة تشمل جلسات النساء والرجال عن طريق الاستعانة بشخصيات بارزة ومؤثرة وناجحة من داخل الأسرة أو من خارجها لتحكي للحاضرين قصة نجاحها وطرق وسبل الوصول إلى الآمال والطموحات حتى تكون قدوة للحاضرين ومن ثم التأثر بها أو عبر الاستعانة ببرامج تبث عبر شاشات التلفاز تقتصر على برامج تثقيفية تتعدد أهدافها ومجالاتها للاستفادة من ذلك الوقت في جوانب مختلفة.
الإسراف والتباهي
أما مشعل الهاجري أستاذ التاريخ والعلوم بجامعة قطر سابقا فقال: يمثل شهر رمضان للعرب عامة والخليجين خاصة موعدا للتقارب إلى الله والبعد عن الأمور الدنيوية التي شغلتنا ومن ثم الاتجاه إلى العبادة والتقرب إلى صلة الأرحام بما يتناسب مع ما أمرنا به تعاليم الإسلام.
وأضاف مشعل أن من أهم المعالم التي تميز هذا الشهر للتواصل الاجتماعي داخل الأسر هي المجالس الرمضانية وما يتبعها من إعداد الغبقة التي أصبحت بمرور الزمن والتقدم الكبير في السنوات الأخيرة في دول الخليج عادة أكيدة تنوعت أشكالها وأماكنها، فقد كانت في الماضي يخصص لها منزل كبير الأسرة وشيوخ القبائل ولكن اليوم نجد من ينظمها في الفنادق الكبيرة والخيام وفي المزارع الخاصة، ومن البديهي أن يشكل الإسراف والبذخ جانباً كبيراً يطغي على أشكال وأنواع الطعام المقدم في تلك العادة التي خرجت عن طبيعة الإسلام.
وأوضح مشعل أن ما ينفق في تنظيم ليلة واحدة كفيل بإطعام العشرات بل المئات من الناس في أماكن أخرى، وأنه من الأجدى أن يكون هذا الشهر الكريم بمثابة عظة وتقرب إلى الله وليس بالإسراف الذي أصبح عادة في المجتمعات الخليجية، مؤكدا على ضرورة أن تنظم في المنازل وتكون بشكل مبسط ويتم الاستعانة بالجمعيات الخيرية في توزيع الوجبات على الجهات المخصصة لذلك.
وأشار مشعل أن الفنادق والخيام الرمضانية تفاعلت مع هذا التقليد الرمضاني فانتقلت الغبقات إلى الفنادق والخيام الرمضانية، حيث وجدت الشركات والهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني فيها فرصة لتعزيز علاقات منتسبيها وتجسير هوة العلاقات بين المسؤولين والعاملين في جلسات حميمية بعيداً عن أجواء العمل. وقد دفع انتقالها في رمضان إلى الفنادق والخيام القائمين عليها إلى إدخال بعض الألعاب الشعبية والمسابقات التي ترفق بجوائز للفائزين إلى جانب إحياء بعض الأغاني الشعبية وإقامة ليالي سمر تحتضن فترة السحور وتنتهي قبل أذان الفجر، وهذا من السلبيات التي نعيشها ونتأثر بها وكان من الممكن أن يتم ذلك بطريقة بسيطة تحافظ على الألفة والجمع ولكن بعدم الإسراف.