

شهد معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين المقامة حاليا في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات ندوة فكرية بعنوان «المثقف العربي في الأزمات»، والتي أكدت أن المثقف العربي ما زال مطالبا بلعب دور محوري في حماية الوعي الجمعي والدفاع عن الهوية الثقافية، والمساهمة في بناء خطاب عقلاني قادر على التعامل مع الأزمات والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية اليوم. وشارك في الندوة كل من الدكتور خالد الجابر مدير عام مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر، والكاتب خليفة آل محمود والدكتور لقاء مكي باحث أول في مركز الجزيرة للدراسات، وأدارها الإعلامي محمد الحمادي، حيث ناقشت الندوة التحديات الفكرية والثقافية التي تواجه المثقف العربي في ظل الأزمات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
وأكد الدكتور خالد الجابر خلال مداخلته أن المثقف العربي عاش طويلًا وهو يحلم بقيادة مشروع نهضوي شامل، لكنه اصطدم بواقع دول عاجزة عن إنتاج الحد الأدنى من شروط النهضة الحديثة، الأمر الذي أدى إلى تحول البوصلة الثقافية من سؤال «كيف نبني المستقبل؟» إلى سؤال أكثر قسوة يتمثل في «كيف نمنع الانهيار؟»، معتبرًا أن هذه النقلة تعكس حجم التراجع التاريخي الذي عاشه العقل العربي خلال العقود الأخيرة.
وأوضح أن النهضة الحقيقية لا تُبنى بالشعارات، وإنما تقوم على المؤسسات والمعرفة والحرية والتنمية الإنسانية، مشيرًا إلى أن المثقف داخل الدولة الضعيفة قد لا يمتلك القدرة على تغيير الواقع بمفرده، لكنه يستطيع أن يحافظ على وظيفة العقل النقدي، وأن يمنع انهيار المعنى وفقدان القدرة على التفكير في مستقبل مختلف.
وتناول الجابر أبرز الإشكاليات التي تواجه المثقف العربي، وفي مقدمتها إشكالية العلاقة مع السلطة، وإشكالية التواصل مع المجتمع، إلى جانب الصراع الداخلي الذي يعيشه المثقف بين قناعاته الفكرية ومتطلبات الواقع.
بدوره، أكد الكاتب خليفة آل محمود أن المثقف العربي اليوم مطالب بالاقتراب أكثر من قضايا المجتمع والإنسان، وعدم الاكتفاء بالدور النخبوي أو الخطاب المغلق، مشيرًا إلى أن الأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم العربي أظهرت الحاجة إلى خطاب ثقافي أكثر واقعية وقدرة على التأثير في الناس.
وأوضح أن المثقف الحقيقي لا يقتصر دوره على توصيف الأزمات، بل يمتد إلى المساهمة في بناء الوعي وتقديم نماذج فكرية تساعد المجتمع على التماسك والتفكير العقلاني.
وأضاف أن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يعني الانغلاق أو رفض التطور، بل يتطلب وعيًا قادرًا على الجمع بين الأصالة والانفتاح، والاستفادة من أدوات العصر دون التفريط في القيم والثوابت الثقافية.
من جانبه، تناول الدكتور لقاء مكي، الدور الاجتماعي والدعوي للمثقف في أوقات الأزمات، مؤكدًا أهمية مساهمته في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الثقافة العامة ومواجهة الدعاية الموجهة والخطابات الدخيلة، إلى جانب دوره في رفع الوعي المجتمعي بالتحديات التي تفرضها التحولات التكنولوجية والرقمية المتسارعة. وأشار إلى أن معارض الكتب لم تعد مجرد فضاءات لعرض الإصدارات، بل تحولت إلى منصات للحوار الفكري وصناعة الوعي وتعزيز التواصل بين المثقف والجمهور، بما يسهم في حماية الثقافة العامة من التراجع أمام هيمنة المحتوى السريع والمنصات الرقمية.