الأربعاء 6 ذو القعدة / 16 يونيو 2021
 / 
08:25 م بتوقيت الدوحة

على وقع جرائم إسرائيل في فلسطين.. د. مأمون مبيض مدير إدارة العلاج والتأهيل في مركز دعم الصحة السلوكية يشرح لـ «العرب»: كيفية التعامل مع تأثّر أطفالنا بأخبار الحروب

الدوحة - العرب

الأربعاء 19 مايو 2021

ثمة معتقد خاطئ بأن الحديث عن الحرب والقتال مع الأطفال من شأنه أن يزيد لديهم المخاوف.. والعكس هو الصحيح

يمكن لأسئلة وأفكار الصغار عن الحرب أن تؤثر كثيراً على نموهم وفهمهم لأنفسهم وغيرهم

قد يميل الأطفال الكبار إلى ربط أخبار القتال بأمورهم الشخصية وكأنها تتعلق بهم مباشرة

من أكثر ما يشغل ذهن الصغار الخوف من الافتراق عن الوالدين ومفهوم الخير والشر

ينمو كثير من الأطفال في معظم أنحاء العالم -مع الأسف- في جو من العنف والإرهاب والنزاعات العسكرية، وكما يحدث الآن من العدوان في فلسطين المحتلة، والقصف المستمر ليلاً ونهاراً على سكان قطاع غزة. ولا شك أنه تدور في أذهانهم الكثير من الأسئلة الملحة عن الحرب وأسباب النزاعات وموقف الإنسان منها. ويمكن لهذه الأسئلة والأفكار أن تؤثر كثيراً على نمو الأطفال وفهمهم لأنفسهم وغيرهم والعالم من حولهم. ولا غرابة أن يسأل الأطفال في وقت الحروب أسئلة معقدة وصعبة. ويتعقد الموقف أكثر في هذا الوقت؛ إذ تعج وسائل الإعلام صباح مساء بأخبار هذه النزاعات والحروب، مع نقل الصور الفورية، والأصح أن أقول إن وسائل الإعلام هذه تنقلنا وأولادنا إلى موقع الحدث أو الانفجار أو القتل.

مما يقلق الآباء والمعلمين والمربين كيفية حماية صغارهم من التأثيرات الضارة لهذه الأحداث، فنجد الآباء يسألون عن الطريقة المثلى للتعامل مع الأطفال والصغار في هذه الظروف الصعبة، وعن المعلومات التي يفيد إطلاعهم عليها.

تفاعل الأطفال
مع الحروب والنزاعات
تختلف ردود أفعال الصغار لأخبار الحروب والنزاعات، والصور المرافقة لها، بسبب عوامل كثيرة؛ مثل عمر الطفل وشخصيته والتجارب التي مر بها في حياته، وعلاقته بمن حوله كالوالدين وغيرهما. وأكثر ما يزعج الأطفال الصغار قبل المرحلة المدرسية هي المناظر المرعبة والمؤلمة، وكذلك أصوات الدوي والانفجارات.
وليس مستغرباً أن يخلط أطفال هذه السن بين الحقيقة وبين خيالاتهم، وبين تقديرهم لحجم الأخطار والأذى الذي قد يلحق بهم أو بغيرهم، ومن السهل أن تسيطر مشاعر الخوف والقلق على هؤلاء الأطفال، فيصعب عليهم إدراك حقيقة الأمر، أو إبعاد الأفكار المخيفة عن أذهانهم.
وبينما يمكن لأطفال المرحلة الدراسية التفريق بين الحقيقة والخيال، إلا أنه يصعب عليهم في بعض الأوقات الفصل بينهما، فقد يخلط الطفل بين مشهد من فيلم مخيف وبين منظر من مناظر الأخبار، مما يدفعه إلى المبالغة في حقيقة الأخبار. وقد لا ينتبه الطفل إلى أن بعض المشاهد الإخبارية يعاد عرضها مرات ومرات ولا يدرك أنها تتكرر من جديد. وبسبب وضوح الصور المنقولة حالياً فقد يشعر الطفل أن الحدث قريب منه كثيراً وربما في الشارع الذي يسكنه.
أما أطفال المرحلة الإعدادية وشباب الثانوية فنجدهم أكثر اهتماماً بالنقاشات السياسية أو الإنسانية المتعلقة بحالة العدوان والحرب والنزاع.
ويمكن لشخصية الطفل وطبيعته المزاجية أن تؤثر كذلك في تفاعله مع الحدث، فبعض الأطفال أكثر عرضة للخوف والقلق بسبب طبيعتهم النفسية، بالتالي يحرك عندهم الخبر الخطِر مشاعر الخوف والاضطراب.
ولا ننسى تفاوت الأطفال في طبيعة علاقتهم بالحرب أو النزاع، فقد يكون لبعضهم أقارب أو أناس من نفس الجنسية أو الهوية أو الديانة، لهم تدخل مباشر في الحرب أو القتال الدائر، ولا شك أن هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للتأثر بالأحداث الدائرة. وقد يميل الأطفال الكبار إلى ربط أخبار الحرب أو القتال بأمورهم وظروفهم الشخصية وكأنها تتعلق بهم مباشرة.
ومن أكثر ما يشغل ذهن الأطفال الصغار الخوف من الافتراق عن الوالدين، ومفهوم الخير والشر، والخوف من العقاب. وقد يسأل الطفل الصغير فيما إذا كان سلوكه حسن أو سيئ، معتقداً أن الحرب قد وقعت على الأطفال الذين يشاهدهم في الأخبار بسبب أن سلوكهم مع والديهم لم يكن حسناً، لذلك فالحرب عقاب لهم!
وبسبب اهتمام الأولاد الكبار بقضايا السياسية والأخلاق والمبادئ فقد يعمدون إلى التأمل والتفكير في القضايا الفلسفية والأخلاقية العامة، وطبيعة الحكومات والسياسات والخدمة العسكرية. ومن الأولاد من يأخذ الموقف المعاكس فيصبح غير مبالٍ بما يرى أو يسمع من أخبار القصف والدمار. وقد يكون ذلك بسبب كثرة المعلومات والصور والأخبار التي تعرض على هؤلاء مما يصيبهم بشيء من حسّ الخدر. وبسبب ألعاب الحاسوب الإلكترونية وغيرها، فقد لا يشعر الطفل أنه أمام مناظر حقيقية وضحايا ودماء وقتلى.

كيف أتعرف على أفكار ومشاعر أولادي عن الحرب؟
قد لا يكون من السهل معرفة ما يدور في ذهن الطفل عندما يكون تحت تأثير صدمة أخبار شديدة مزعجة، وقد يتردد الطفل في الحديث عن مخاوفه، خاصة أنه قد لا يكون قد انتبه إلى مدى تأثير الأخبار عليه.
ويمكن للأطفال أن يشعروا بمخاوف متعددة وبشكل يخالف توقعات الأهل. فقد يخاف الطفل من ركوب الحافلة بعد أن رأى في الأخبار حافلة تنفجر، أو يخاف من الذهاب إلى المدرسة بعد أن شاهد مدرسة تتعرض للقصف. ويمكن للآباء أن يتنبهوا إلى المؤشرات التي توحي بكيفية تعامل الطفل مع الأحداث وأخبار المعارك، وليس بالضرورة أن يكون لعب الأطفال لألعاب القتال والحروب مؤشراً إلى مشكلة نفسية عندهم، فهذا أمر طبيعي عند الصغار، وخاصة الصبيان، وقد يزداد هذا النوع من اللعب وقت الحروب، فيحاول الأطفال محاكاة ما يشاهدونه، أو الانتقام، معتقدين أنهم يساهمون في حل بعض النزاعات التي يرونها أمامهم.

مؤشرات قوية لتأثر الأطفال بالحرب والقتال:
• تراجع الطفل أو نكوصه إلى سلوك طفولي كان قد نما وتجاوزه في مرحلة من مراحل نموه السابقة، كالخوف من النوم منفرداً، والتبول اللاإرادي، ومص الإصبع وغيرها من تصرفات تميز من هم أصغر منه سناً.
• السلوك العدواني من الضرب والاعتداء على الأشقاء أو غيرهم.
• التعلق الزائد بأحد والديه أو كليهما، وقلقه إذا ابتعد عنهما ولو لوقت قصير.
• الانطواء الشديد الذي لا ينسجم مع طبيعة نفسيته السابقة.
• اضطراب النوم والكوابيس الليلية.
• التعلق الشديد والقهري بأمور الحرب، كتكرار الأسئلة المتعلقة بهذه الحرب.
• الخوف من أمور لم يكن يخافها من قبل كالظلمة والليل.
كيف أتحدث مع أولادي عن الحرب؟
ثمة معتقد خاطئ عند الناس مفاده أن الحديث عن الحرب والقتال مع الأطفال من شأنه أن يزيد لديهم المخاوف والقلق، والعكس هو الصحيح، وإن كان الأمر يتوقف ولحد كبير على طريقة الحديث والحوار معهم. والأخطر من الحديث المباشر والصريح أن يحتفظ الطفل بمخاوفه الخاصة التي لا يتحدث عنها مع غيره.
وكما هو الحال مع المواضيع الأخرى في الحياة، يجب الانتباه للمراحل العمرية ولمرحلة نمو الطفل وفهمه واستيعابه. وبالرغم من أن الأطفال الصغار وحتى الذين في الرابعة أو الخامسة من العمر يمكن أن يدركوا طبيعة أعمال العنف والحرب، فإنه ليس كلهم بالضرورة يعرفون كيفية الحديث عما يشغلهم ويقلقهم؛ ولذلك قد يحتاج الأهل أحياناً أن يبدؤوا هم في الحوار مع أولادهم.
ويمكن أن يبدأ الوالدان بسؤال الطفل عما يمكن أن يكون قد سمعه من أخبار، أو عن رأيه فيما يجري من أحداث. وعلى الأهل أن يمسكوا أنفسهم عن محاولات إلقاء المحاضرات على الأطفال حتى يتعرفوا أولاً على الأمور المهمة التي تشغل بالهم، فقد تكون غير ما توقعه الأهل.
ويمكن الاستفادة من بعض الظروف الطبيعية، ومنها مثلاً عندما يشاهد الجميع نشرة الأخبار، أو عندما تحدث بعض الأمور كظهور النقاشات على شاشة التلفاز، أو عند حملات جمع التبرعات لصالح ضحايا العدوان.
وليس من الطبيعي أن يكون النقاش في هذه المواضيع المشحونة بالعواطف في جلسة واحدة، ولكن لا بد من زيارة الموضوع كلما دعت الحاجة. وقد تستجد بين الحين والآخر قضايا وتفاصيل جديدة تستدعي الحديث مجدداً.
ويمكن للأهل محاولة التوسع في فتح مواضيع أخرى وثيقة الصلة بما يجري كمواضيع العدل والسلام واللاعنف في الحياة. وقد يتطلب الأمر في بعض الحالات التعرض لمعلومات جغرافية عن منطقة معينة لها صلة بالحرب أو الصراع، أو بعض المعلومات التاريخية، أو ثقافة وتقاليد مجموعات من الناس أو الشعوب أو الدول. ولا بأس من محاولة ربط حل النزاعات الدولية بحل النزاعات المحلية في البلد الذي يعيش فيه الطفل، أو الخلافات البسيطة التي تنشأ بين الأولاد، وكيف يمكنهم حل هذه الخلافات بطريقة سلمية.
وعلى الأهل احترام رغبة الطفل إن لم يُرد الحديث في الموضوع في بعض الأوقات عندما لا يكون مرتاحاً للأمر. وعلى الأبوين الانتباه لبعض المؤشرات الكلامية وغير الكلامية التي ترافق حديث الأولاد، ومنها:
• تعابير وجه الطفل.
• حركات جسم الطفل وما يحاول التعبير عنه.
• سلوك الطفل أثناء اللعب.
• طبقة صوت الطفل.
• التعابير والكلمات التي يستعملها الطفل للتعبير عما في نفسه.
ومن المفيد التحلي بالحوار الصريح والمنفتح، دون أن يقدم الأهل آراءهم على أنها حقائق مطلقة، وإنما أن يتيح الحوار فرصة لاختلاف الآراء والتعبير عنها. إن إشعار الطفل بخطأ أفكاره أو مشاعره قد يدفعه لينسحب من الحوار والنقاش، أو قد يُشعره بأنه طفل سيئ أو أنه لا يحسن التصرف.

كيف يمكن أن أطمئن أولادي؟
من المفيد جداً أن يظهر الأهل للطفل بأنهم يدركون مشاعره، وعليهم تجنب التقليل من قيمة هذه المشاعر، فإن هذا كالانتقاد الذي يُشعر الطفل بالحرج. إن من شأن الحديث عن العواطف والمشاعر أنه يخفف من شعور الطفل بالقلق والخوف.
ويمكن للوالدين طمأنة الطفل بتقديم ما توفر من معلومات وحقائق عن حماية الناس ومنهم الأطفال، كوجود رجال الشرطة والأمن، وكذلك ما يمكن أن يقوم به الطفل في حال شعر بالخوف، كأن يتحدث مع أحد الكبار مثل والديه. وليحاول الأبوان تجنب وضع الاحتمالات والافتراضات أمام الطفل، والأفضل منه تقديم المعلومات الحقيقية، ولكن ببساطة ووضوح.
ومن الأمور المهمة إدخال الطمأنينة في نفس الطفل والأسرة جميعاً عن طريق الحفاظ، قدر الإمكان، على روتين ونمط الأسرة في تفاصيل حياتها اليومية، فهذا يعيد للطفل شيئاً من الشعور بالأمن السابق للحرب والاقتتال، ويمكن تحقيق هذا عن طريق اشتراك أفراد الأسرة في أداء الأعمال اليومية البسيطة، كتناول وجبات الطعام معاً، والنوم المشترك في وقت متقارب، والصلاة جماعة، والذهاب إلى المدرسة، فكل هذه الأعمال الروتينية تعطي الطفل شعوراً بأن العالم من حوله يسير بشكل آمن طبيعي كالمعتاد.
وإذا كان أحد أفراد أسرة الطفل أو قريب له في منطقة الحرب أو النزاع، فإن ذلك قد يعرضه إلى المزيد من القلق أو الخوف. ومما يفيد هذا الطفل معرفة معلومات حقيقية عن هذا القريب وظروف حياته في مكان الحرب. ويفضل أن يتصل الطفل بقريبه بالهاتف أو بالمراسلة. ولا شك أن مما يعين كثيراً هو الاجتماع بالذين يعيشون ظروفاً مثل ظروفه، فهذا يخفف عن الجميع، من خلال المشاركة بالمعلومات والتجربة والمشاعر.
ومن الأمور المطمئنة للأطفال أن يروا الكبار من حولهم يشعرون بالأمن والاطمئنان، وبتلقي الدعم النفسي والمؤازرة من قبل هؤلاء الكبار. ولا شك أن هذه فرصة مناسبة لشرح مفهوم التوكل على الله مع اتخاذ الأسباب، وأن المسلم في النهاية يشعر بالأمن بيقينه بأنه «لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا».

_
_
  • العشاء

    7:56 م
...