المؤرخ والكاتب محمد همام فكري يستعيد ذكريات رمضان الطفولة: الصيام كان بوابة إلى عالم الرجولة

alarab
الملاحق 19 مارس 2025 , 01:25ص
محمد عابد

الصيام تجربة وجدانية وتربوية ساهمت في تكوين شخصيتي
بدأت الصيام في السابعة على  مراحل تدريجية
كنت أتنقل بين عالمين: الطفولة واللهو.. والكبار والالتزام
لحظة وقوفي في الصلاة بجوار أبي منحتني شعورًا بالنضج

 

يستعيد الباحث والمؤرخ محمد همام فكري المشرف العام على مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية، ذكرياته الرمضانية في الطفولة، حينما كان الصيام بالنسبة له أكثر من مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل كان تجربة وجدانية وتربوية ساهمت في تكوين شخصيته وتعزيز شعوره بالمسؤولية. ففي قريته المصرية الصغيرة، كان رمضان موسمًا استثنائيًا، لا تقتصر أجواؤه على العبادات فقط، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي تترك أثرها في ذاكرة الصغار قبل الكبار.

يقول فكري إن محاولاته الأولى للصيام بدأت وهو في السابعة من عمره، لكنها لم تكن كاملة منذ البداية، بل كانت أشبه بتحدٍّ تدريجي يخوضه طفل يطمح لإثبات نفسه «كنت أصوم حتى الظهر في البداية، ثم حتى وقت العصر، وأحيانًا أقاوم حتى المغرب، وسط تشجيع من العائلة ومراقبة قلقة من والدتي التي كانت تخشى عليّ من التعب.

عالم الكبار
وأضاف: «كان الجوع آنذاك أكثر من مجرد إحساس جسدي، بل كان بوابة يدخل منها إلى عالم الرجولة المبكرة، حيث كان يرى في الصيام إثباتًا للنضج، وخطوة تجعله أقرب إلى عالم الكبار. يتذكر فكري كيف كان الأطفال يختبرون بعضهم بطريقة طريفة، حيث اعتادوا النظر إلى ألسنة بعضهم البعض، معتبرين أن اللسان الجاف هو علامة الصائم، بينما من كان لسانه رطبًا فقد تم كشف أمره! «كنا نتباهى بمن يصمد أكثر، وكأننا نخوض سباقًا غير معلن لنثبت أننا لم نعد أطفالًا».
                
السهر واللعب والعبادات
وتابع لم يكن رمضان مجرد فترة صيام، بل كان أيضًا موسمًا عامرًا بالسهر واللعب والطقوس الاجتماعية. بعد الإفطار، لم يكن الأطفال يبقون في البيوت طويلًا، بل يخرجون إلى الشوارع حيث تتحوّل الطرقات والميادين إلى ملاعب مفتوحة، تمتزج فيها الضحكات بالصخب، ويستمر اللهو حتى يحين موعد صلاة العشاء.
 وأوضح المؤرخ محمد همام فكري: أن اللعب بعد الإفطار كان طقسًا يوميًا لا غنى عنه. لم يكن هناك تعب أو إرهاق رغم الصيام الطويل، كنا نجري وراء الكرة ونستهلك طاقتنا بالكامل، ثم يأتي صوت والدي – رحمه الله – يناديني لأرافقه إلى الجامع لصلاة العشاء والتراويح. فكنت أشعر أنني أتنقل بين عالمين: عالم الطفولة واللهو، وعالم الكبار والالتزام.”
 وأشار إلى أن المسجد كان محطة يومية في ليالي رمضان، حيث اعتاد فكري مرافقة والده إلى الصلاة. فيتذكر كيف كان يصل متعبًا بعد اللعب، فيغسل وجهه أكثر من مرة ليستعيد انتعاشه قبل أن يصطف مع المصلين.
قائلا «كانت لحظة وقوفي في الصلاة بجوار أبي تمنحني شعورًا خاصًا بأنني أصبحت أكثر نضجًا. كنت أشعر بأنني جزء من شيء أكبر، وبأن رمضان ليس فقط وقتًا للمتعة، بل هو أيضًا فرصة للتقرب إلى الله.

رسائل الطعام
ويضيف المشرف العام على مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية، أن من التقاليد التي تركت أثرها في ذاكرته، ذلك الدور الذي كان يؤديه في العائلة كـ «مرسال صغير»، حينما كانت والدته تكلفه بحمل أطباق الطعام إلى منازل الأقارب والجيران قبل الإفطار. لم يكن الأمر مجرد إيصال للطعام، بل كان بمثابة درس في صلة الرحم والتواصل الاجتماعي :.
يقول: «كانت أمي تجهّز الطبق بعناية وتوصيني بالحفاظ عليه حتى لا ينسكب ، فكنت أحمله بحذر، وأشعر بحرارته تسري في يدي، وأجوب شوارع القرية في رحلة قصيرة لكنها كانت تحمل لي الكثير من الدروس. كنت أراقب البيوت، والأشجار، وأتوقف أحيانًا عند طلمبة المياه حيث يجتمع الناس لملء الجرار، فأستمع إلى أحاديثهم وأراقب الحياة من حولي بعين الطفل الذي يكتشف عالمًا جديدًا.
 ويضيف عند وصولي إلى بيت الخال أو العمة، كنت أقدم الطبق بفخر، مع نقل تحيات الوالدة، وغالبًا ما أعود بطبق آخر مليء بأصناف مختلفة، وكأن تبادل الطعام كان وسيلة للتعبير عن المحبة والتواصل، منوها بأنه لم يكن يدرك حينها هذه القيمة والرسالة؛ فالطبق لم يكن مجرد طعام، بل رسالة محبة بين العائلات، وكان يحملني خطوة أخرى نحو الإحساس بالمسؤولية.”
                   
رمضان الستينيات والتليفزيون
ويستعيد الباحث محمد همام فكري تلك الذكريات الجميلة التي ما زالت عالقة في ذهنه خلال الطفولة وأجواء رمضان الخاصة في القرية المصرية خاصة مع دخول التليفزيون لأول مرة إلى منزله عام 1964، حيث كان ذلك تحولًا كبيرًا في طريقة قضاء ليالي الشهر الكريم على حد قوله.
ويقول فكري قبل أن نمتلك التلفزيون، كنا نذهب إلى بيت أحد الجيران الأثرياء لمشاهدته، مما كان يُزعج والدي الذي قرر أن يشتري لنا واحدًا، وبالفعل تحقق الأمر مع بداية رمضان ، فكان التلفزيون بمثابة نافذة جديدة على العالم، حيث أصبح يجمع العائلة والجيران لمتابعة البرامج والمسلسلات والأحاديث الدينية، وكان يشكّل جزءًا أساسيًا من السهرات الرمضانية.
يتذكر فكري كيف كان إرسال التلفاز ينقطع منتصف الليل، ليصبح ذلك بمثابة إعلان غير رسمي لانتهاء السهرة، وكيف أن امتلاك التلفزيون لم يكن مجرد رفاهية، بل كان يتطلب دفع ضريبة سنوية، ما جعل والده يقتصد لضمان استمراره في المنزل. «كان هذا الجهاز آنذاك نافذة جديدة فتحت له آفاقًا جديدة،» حيث نقلنا من مجرد ممارسة الحياة إلى مراقبتها عبر شاشة مضيئة، فتحت أمامنا أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها».
                     
اكتشاف الذات
ويختم المؤرخ والكاتب محمد همام فكري حديثه بالتأكيد على أن رمضان في طفولته لم يكن مجرد شهر صيام، بل كان تجربة تكوينية صنعت جزءًا من شخصيته اليوم. «تعلمت من رمضان معنى الصبر، وقيمة النعمة، وأهمية الترابط الأسري والاجتماعي. كنت أظن قبل ذلك أن الطعام أمر بسيط ومتوافّر دائمًا، لكن الجوع علّمني أن لكل لقمة قيمتها، ولكل رشفة ماء أثرها ولم يكن رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام، بل رحلة نضج بين الجوع والرجولة، بين اللعب والعبادة، وبين تفاصيل صغيرة شكلت شخصيته وجعلت منه ما هو عليه اليوم».