إشادة بـ«سرية» إجراءات التقاضي الأسرية
تحقيقات
19 مارس 2015 , 02:29ص
أشاد دعاة وقانونيون باستصدار مجلس الوزراء لمشروع قانون إجراءات التقاضي في مسائل الأسرة، والذي بموجبه تكون جلسات المحاكم في المسائل المتعلقة بالأسرة سرية وينطق بالأحكام في جلسات علنية، مشددين على أن الأمر يتناسب مع طبيعة المجتمع القطري وحرص الدين على سرية الحياة الأسرية حتى في حالات الطلاق.
وشددوا على الكثير من المشكلات الأسرية لا يمكن للزوجة أو الزوج طرحها على العيان، الأمر الذي يُصعب على القاضي أن يصدر حكماً يتناسب مع المشكلات التي ينظرها، وهو ما دفع بعض القضاة إلى جعل الجلسة سرية قبل صدور القانون، إلا أن بعضهم كان لا يرى ضرورة لذلك، فالأمر كان متروكاً لتقدير القاضي، وهو أمر يرفضه الكثير من المواطنين ويرونه معرضاً لأسرارهم للإفشاء.
ولفتوا إلى أهمية التركيز على المراكز الأسرية التي تنظر المشكلات قبل طرحها على القضاء، لافتين إلى أن هذه المؤسسات لها دور فعال في حماية الأسرة من التشرذم، خاصة أن نسبة كبيرة من الحالات تنتهي بعودة الزوجين لحياتهم مرة أخرى، وأن التقاضي بصورة مباشرة في هذه المشكلات يسهم في وجود حزازيات نفسية لدى الطرفين، مؤكدين على أهمية الاستعانة بخبراء ومختصين للعمل في هذه المراكز.
السرية مطلوبة
في البداية قال الشيخ أحمد البوعينين، عضو الهيئة الشرعية لمؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله آل ثاني، والقاضي الشرعي السابق: الكثير من النقاط لا يستطيع الزوجان أن يطرحاها أمام حاضري جلسة التقاضي، فإن طرحها أحدهما أصبح فيها نوع من التشهير بالطرف الآخر، وإن لم يتحدث عنها أثر ذلك بصورة مباشرة على سير القضية.
وأضاف: الأصل في الجلسات الأسرية أن تكون سرية، والأمر كان متروكاً لتقدير القاضي، أما الآن فأصبحت السرية هي القاعدة الأساسية في هذه الجلسات، وهو ما يتناسب مع طبيعة المجتمع القطري المسلم والمحافظ، فالدين يحرص على ذلك فيقول ربنا في محكم التنزيل «وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ».
وأردف: بعض النقاط التي تخجل الزوجة في طرحها أمام الحضور، فحياء الكثير من السيدات يمنعهن من طرحها، الأمر الذي يؤثر سلباً على سير القضية في بعض الأحيان، خاصةً إن كان الأبناء من بين الحضور، فتخشى الأم أن يؤثر ذلك على صورة الأب في أعين أبنائه، وهو أمر يمكن أن يؤثر على مستقبلهم، لذا تؤثر كتمانها فيُحتمل أن يضيع حقها.
وأكد البوعينين أن الجلسات التي تقتصر على الزوج والزوجة والقضاة والكتبة تظل حبيسة الأدراج، فلا يُعلم ما فيها بعد ذلك، وهو أمر يناسب العلاقات الأسرية التي تحوطها السرية والود، والتي يعكرها إفشاء الأسرار، فالقاضي مؤتمن على هذه الأمور، في حين أن الحق وصل لأصحابه بطريقة شرعية لا تشهير فيها.
ولفت الداعية القطري إلى أن المجتمع المحلي صغير، وتعداد السكان يسمح بتداول بعض الأخبار عن الجيران أو الأصدقاء، وفي حالة الجلسات العلنية يؤثر هذا الأمر على الأبناء، الذين يجدون الأب أو الأم حديث المجالس، لذا فالسرية كانت مطلوبة بصورة أساسية في الجلسات الأسرية.
وأشار إلى أن الخلاف في الحياة الزوجية يجب ألا يبدأ في ساحات القضاء، بل ينتهي بها، أي أن يبدأ الزوج بالتواصل مع أسرة الزوجة، وأن يبحث عن الحل الأقل خسارة، فلا شك أن الطلاق فيه الكثير من المشكلات للأسرة، إلا أن الضرر يكون أعظم إن كان الطلاق في ساحات المحاكم وعلنيةً أمام الناس، فذكر مساوئ الزوج أو الزوجة أمام الناس يعمق من الخلاف، في حين أن الجميع يسعى لعودة الأمور على أحسن حال وتصالح الزوجين.
وأشاد البوعينين بالطريقة المتبعة في التقاضي بالحالات الأسرية، حيث تحرص الجهات القضائية على طرح المشكلة في البداية على المراكز الأسرية، التي تبت فيها وترسل تقريرها للمحكمة، وتسعى جاهدة لحل المشكلات بصورة ودية، فالعلاقات الأسرية أرقى من أن تكون مقتصرة على التقاضي فحسب.
أسرار الأسر ليست مشاعاً
ومن جانبه قال المحامي أسامة عبدالله عبدالغني آل عبدالغني: يفترض بالجلسات الأسرية أن تكون سرية لا علانية فيها مهما كانت الحالة، وبغض النظر عن ما يطرح أمام القضاة والحضور من مشكلات، فحتى لو كانت المشكلة بسيطة إلا أنها أسرار بمنزل الطرفين ولا يجب أن تعرض على غيرهما، ولجوءهما للقضاء ليس للتشهير، ولكن كمحاولة لحل مشكلتهم بأقل الخسائر.
وأضاف: مجتمعنا عربي إسلامي يحرص على حفظ الأسرار، وفي إفشائها مضار كثيرة، وأحد أبرز المشكلات التي يتعين عدم طرحها على العامة أسرار العائلات، ففيها تشويه لصورة الأسرة، ناهيك عن عدم قدرة بعض السيدات أو الرجال على طرح بعض الأمور أمام العامة، وسرية الجلسات ستساعدهم على طرح المشكلة بكامل جوانبها ما يعين القاضي على اتخاذ القرار الأصوب.
وأردف آل عبدالغني: تظهر أهمية سرية الجلسات الأسرية من الحالات التي تلجأ إلى القضاء، ويحكم فيها بالطلاق، ففي حال وصول أسرار هذه الأسر يصعب على طرفيها أن يكملا حياتهما مع شريك آخر، فسلبياتهما الحياتية أصبحت مشاعا بين الناس، ناهيك عن أن العودة لبعضهما البعض تصبح أكثر صعوبة، لأن كل منهما يرى في الآخر مفشياً لأسراره.
وأشار إلى أن أحد أبرز المضار التي تقع على الأسر من الجلسات القضائية العلنية أثرها السلبي على الأبناء، حيث تظل هذه المشكلات لصيقة بالأبناء باقي حياتهم.
وأشاد بالقانون الذي تعمل رئاسة الوزراء على استصداره لتكون الجلسات سرية، لما له من دور إيجابي في إجبار القضاة على جعل الجلسات سرية، فالأمر كان عائداً لما يرتئيه القاضي من ضرورة لجعل الجلسة سرية من عدمه، ورؤيته يمكن ألا تصيب، فتصبح الزوجة أو الزوج في حيرة من أمرهم، فكيف يطرحون أسرار بيتهم أمام العشرات من الحاضرين.
ولفت آل عبدالغني إلى أن الكثير من الإشكاليات البسيطة تطرح أمام القضاء القطري، في حين أن المجتمع صغير، ما يجعل من أسرار البيوت مشاعاً، لذا فسرية جلسات التقاضي الأسري كانت ضرورة حتمية لحفظ الأسرار في مجتمع يغلب عليه الحرص على كتمانها.
ونصح بضرورة أن تبدأ الإشكاليات الأسرية من مراكز التدخل الأسري قبل إحالتها للتقاضي، حيث يسهم هذا الأمر في صلاح الأمور بين الزوجين على عكس الوصول لساحات القضاء التي يراها الزوجان إساءة في حقهما، مشدداً على أهمية اختيار مختصين في مجالات العلاقات الأسرية، كي لا يتحول دور هذه المراكز من محاولة الإصلاح بين الزوجين إلى إحصاء حالات الطلاق والتدخل في حل المشكلات.
مشروع القانون
ووفق لما صدر عن اجتماع مجلس الوزراء أمس سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستصدار مشروع قانون بإصدار قانون إجراءات التقاضي في مسائل الأسرة، وذلك بعد أن أطلع مجلس الوزراء على توصية مجلس الشورى حول مشروع القانون. وبموجب أحكام مشروع القانون تكون جلسات المحاكم في المسائل المتعلقة بالأسرة سرية وينطق بالأحكام في جلسات علنية، وللمحكمة في إطار تهيئة الدعوة للحكم تبصرة الخصوم بما يتطلبه حسن سير الدعوى ومنحهم أجلا لتقديم دفاعهم، ولها أن تندب أحد أعضاء مكاتب الإرشاد والتصالح الأسري لتقديم تقرير عن الحالة المعروضة عليها أو عن مسألة فيها، وللمحكمة أن تستعين بمكاتب الإرشاد والتصالح الأسري للمساعدة في التوصل لحل النزاع عن طريق الصلح، وتنظر الدائرة المختصة بمسائل الأسرة بالمحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف بحسب الأحوال في كل من المسائل المتعلقة بالولاية عن النفس والولاية عن المال والوقف والتركات، وبين القانون كيفية رفض الدعوى وطرق الإثبات وتنفيذ القرارات والأحكام.