المؤسس أحبَّ العلماء واستقطبهم وأنفق المال لطباعة كتبهم
محليات
18 ديسمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - قنا
عرف عن الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني مؤسس دولة قطر -طيب الله ثراه- حبه الشديد للعلم والعلماء، فطبع على نفقته الكتب التي تدافع عن الدعوة وترد على مناوئيها، واشترى عددا آخر من الكتب المطبوعة في نفس المجال، ووزعها مجانا على طلبة العلم في شتى الأقطار الإسلامية.
وفي مجال دفاعه عن الدعوة طلب من الشيخ عيسى بن عكاس في سنة 1298هـ/1881م أن يرد على محمد بن عبدالله الفارسي في ثلاث مسائل تتعلق بصفات الله عز وجل، وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والاستغاثة بالأنبياء والأولياء.
ومن ذلك طباعته لكتاب (فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان)، تأليف الشيخ محمود شكري الآلوسي، على نفقته في بومباي بالهند، سنة 1309هـ/1892م، ثم أوقف نسخه ووزعها على العلماء وطلبة العلم، وهذا الكتاب هو إتمام لكتاب (منهاج التأسيس) للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ (ت 1293هـ/1876م)، الذي وافته المنية قبل أن يتمه. وقد أرسل الشيخ جاسم مئة نسخة من الكتاب إلى الشيخ الآلوسي مرفقة مع رسالة مؤرخة في 11/10/1310هـ (28/4/1893م).
كما أنَّ الشيخ جاسم اشترى مجموعة من نسخ كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق) ثم أوقفها ووزعها على العلماء وطلبة العلم، وهذا الكتاب يتناول توضيح حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتصحيح ما أثير حولها من شبهات.
ومن جهوده في هذا المجال طباعة وتوزيع الكتب التي تشرح عقيدة السلف مثل كتاب (الإيمان)، لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، و (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، له أيضاً، و (الدين الخالص)، لصديق حسن خان، وغيرها.
كان المؤسس -رحمه الله- يستقطب العلماء وطلبة العلم من أهل السنة من نجد وغيرها للقيام بتدريس العلوم الشرعية في المساجد، والقيام بأمر الدعوة إلى الله، وتوجيه الناس، ومن هؤلاء العلماء عالم الأحساء وقاضيها الشيخ عيسى بن عبدالله بن عكاس (ت 1338هـ/1920م)، والشيخ يعقوب بن يوسف (1375هـ/1955م)، وعدد من العلماء الذين عينهم. ففي منصب القضاء مثل الشيخ محمد بن حمدان الذي تولى القضاء فيها سنة 1285هـ/1868م إلى سنة 1310هـ/1893م، ثم عين بعده الشيخ عبدالله بن أحمد بن درهم من أهل حوطة بني تميم. ولا يخفى دور القضاة في ذلك الوقت في تدريس العلوم الشرعية وتوجيه الناس.
كما قام الشيخ جاسم بابتعاث بعض طلبة العلم القطريين للدراسة على علماء نجد وأئمة الدعوة، ومن هؤلاء الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله بن درهم الذي ابتعثه سنة 1313هـ/1895م، لتلقي تعليمه على يد العلامة الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ حولاً كاملاً.
لقد أثمرت جهود الشيخ جاسم؛ إذ كانت كالغيث الذي أصاب أرضاً طيبة، فكان من نتائج ذلك أن ازداد تمسك القطريين بدين الإسلام، وعقيدة أهل السنة، ولذا عدمت مظاهر الانحراف في شرك العبادة عندهم إلى يومنا هذا.
يقول الأديب المؤرخ سليمان بن صالح الدخيل (ت 1364هـ/1945م) عن قطر واصفاً سكانها قبيل وفاة الشيخ جاسم: «وهي مدينة متوجهة إلى التقدم بفضل شيخها الشيخ جاسم بن ثاني وأهلها كلهم على مذهب السلف وأحكامهم شرعية ولا يوجد عندهم الأشياء المضرة بالدين المخالفة لآدابه الشريفة»، وقال أيضاً: «وأهل قطر اليوم من أحسن البلاد العربية تمسكاً بالدين الحنيفي وآدابه، فإنه لا توجد عندهم خرافات القبوريين، ولا شيء من البدع أو المفسدات أو الأمور المخلة بالآداب».
يتضح مما تقدم أنَّ الشيخ جاسم كان من أئمة الدعوة، جاهد في نشرها بنفسه وماله، وكان له جهود فاعلة في نصرتها والذود عنها، وقد ربى أبناءه وأحفاده على ذلك، فسلكوا مسلكه في تقريب العلماء، وطباعة الكتب، وخدمة العلم وأهله.
لقد أدرك الشيخ جاسم أهمية الأوقاف في الإسلام، ودورها الاجتماعي والثقافي في رعاية الفقراء وطلبة العلم وصيانة المرافق الدينية ودعم وظائفها، فحرص على التصدق بأصول العقارات لصالح عدد من المنافع العامة، وذلك -نحسبه والله حسيبه- من باب التعبد والتقرب إلى الله سبحانه، ورغبة منه لنيل أجر الصدقة الجارية.
قال المؤرخ سليمان بن صالح الدخيل عن الشيخ جاسم: (وله أوقاف كثيرة في كل البلاد العربية فمن ذلك أن له أربعة أوقاف كبيرة في نجد، وأربعة مثلها في المذنب ومثلها في الأحساء وفي القصيم والبحرين وقطر وغيرها، وهذه كلها تصرف على ما جاء به الشرع الشريف).
ولارتباط الشيخ جاسم الوثيق بنجد وحبه لأهلها فقد أوقف فيها عدداً غير قليل من الأوقاف، عرفنا منها أوقافاً في الدرعية، والرياض، وحريملاء، والدلم، وحوطة بني تميم، وشقراء، وأثيثية، والمذنب، والعقلة. ولا يزال، بفضل الله، ريع عدد غير قليل منها مستمراً إلى اليوم، مستغلاً بالصرف على الجهات التي عينها، ويقوم بنظارة أوقافه اليوم عدد من القضاة أو الوكلاء.
وكان -رحمه الله- يصرف واردات أوقافه على الجوامع والخطباء والأئمة والمؤذنين والمدرسين وطلبة العلم من أهل السنة ورعاية الفقراء وإفطار الصائمين.
كذلك سعى الشيخ جاسم إلى تزويد طلبة العلم بنوادر كتب التراث من خلال ما كان يطبع في الهند وغيرها، وكان تركيزه في توزيع الكتب منصباً على طلبة العلم من أهل نجد، فكان يرسل تلك الكتب إلى العلماء الأعلام في نجد خاصة في مواطن العلم المعتبرة في زمانه كالرياض وحائل وغيرها، فكان من نتائج ذلك أن كون بعض طلبة العلم مكتباتهم الخاصة، خاصة أن الكتب التي كان يوقفها الشيخ جاسم شملت شتى علوم الدين، كالعقيدة وعلوم الحديث والفقه وغيرها من العلوم. ويلحظ الباحث في قائمة الكتب دقة اختيار الشيخ جاسم للكتب من حيث التخصص وأهمية الكتاب في التخصص ذاته، فانصب اهتمام الشيخ بشكل واضح على كتب العقيدة والحديث بينما أخذت كتب العلوم الشرعية الأخرى حيزاً أقل من وقفياته.
وجهود الشيخ جاسم في طباعة الكتب وتوزيعها تتم رغم الرقابة الشديدة على حركة النشر، والسيطرة على حركة توزيع المطبوعات المتعلقة بعقيدة السلف بين أقطار الخليج والعالم الإسلامي التي تمارسه في تلك الفترة بريطانيا من جهة، والدولة العثمانية من جهة أخرى.
ولا تكاد تخلو، في تلك الفترة، مكتبة علمية في بلدان نجد من الكتب التي أوقفها الشيخ جاسم، وقد وقفنا على عدد غير قليل منها دون على أغلفتها وقفيته بخطوط عدد من العلماء والأعيان من نجد، واستقصاء ذلك يطول فحسبنا أن نذكر بعض الأمثلة.
فمن كتب التفسير:
- جامع البيان في تفسير القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، في عشرة مجلدات، وفي هامشه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، للحسن بن محمد النيسابوري.
- جامع البيان في تفسير القرآن، تأليف الشيخ معين الدين بن صفي الدين. وبهامشه كتاب الإكليل في استنباط التنزيل، للحافظ عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، وفي آخره عدة رسائل منها: فوائد مستنبطة من سورة النور لشيخ الإسلام ابن تيمية، والرد على الجهمية، للإمام أحمد بن حنبل، ورسالة في القرآن لابن تيمية، وفوز الكبير في أصول التفسير لشاه ولي الله بن عبدالرحيم، وغيرها.
ومن كتب الحديث:
- سنن الدارقطني، للحافظ علي بن عمر الدارقطني، مع التعليق المغني، لشمس الحق العظيم أبادي.
- المعجم الصغير للطبراني، لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، وملحق به كتابان هما: الأدب المفرد، للإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري، والمسند للإمام الشافعي.
- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
- مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري. تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.
- مجالس الأبرار.
ومن كتب الفقه:
- المقنع. لابن قدامة. طبعه الشيخ جاسم.
- سبل السلام شرح بلوغ المرام، تأليف محمد بن إسماعيل الصنعاني.
المجاميع:
مجموع به ست رسائل هي: المكتوب اللطيف إلى المحدث الشريف، للعلامة أبي الطيب شمس الحق، وقصائد للقاضي محمد خان طلا، الكلام على سنة الجمعة لابن الملقن، فتح الوهاب للشيخ عبداللطيف، مناسك الحج لمحمد بن إسماعيل الأمير اليمني، مناسك الحج لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية.
ومجموع يضم ثلاثة كتب هي: منظومة ابن فرح الإشبيلي، ومختصر عمدة الأحكام من كلام سيد الأنام، وإحكام الأحكام شرح أحاديث سيد الأنام. وهو في جزأين كبيرين.
وقد عرف علماء نجد وشعراؤها ومؤرخوها علو شأن الشيخ جاسم، وجهاده وتضحيته في سبيل تحقيق القيم الإسلامية التي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف، وثباته على الحق رغم ما شهدته المنطقة من صراعات فكرية وسياسية، فكثر ثناؤهم عليه نثراً وشعراً بما يصعب حصره، نكتفي منه بما يدل على المقصود.
قال الأديب المؤرخ سليمان بن صالح الدخيل عن الشيخ جاسم: (وهو على جانب عظيم من التقوى ومخافة الله.. وبالجملة فهو من النابغين في الأمة العربية العاملين لسعادة الدين والوطن). إلى أن قال: (وهو الأمير في هذه البلاد وهو الخطيب يوم الجمعة وهو القاضي والمفتي والحاكم. ومن صفاته أنه إذا خطب أذهل السامعين وجلب قلوبهم إليه، وإذا أعطى فعطاياه جزيلة، وبالجملة فهو من أركان العربية وأنصارها ومن رجال الإسلام وفحوله، وهو مسموع الكلمة في العرب مهاب عند الرؤساء والأمراء نافذ القول، دأبه الإصلاح ولم يسع في أمر إلا وقد أتمه الله على يديه).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان في قصيدة جوابية أرسلها إلى الشيخ جاسم، يهنئه فيها على انتصاره على الأتراك سنة 1310هـ/1893م:
وقد خصك الرحمن منه برحمة
فأعلى بك الإسلام بعد التضاؤل
همام إذا لاقى العداة سميدع
أخي ثقة عند الأمور الجلائل
وقال في قصيدة أخرى يهنئه فيها بانتصاره في إحدى المعارك:
هنيئاً هنيئاً نصر كل موحد.
وعز ذوي الإسلام من كل شاكر.
أما الشاعر المفوه الأديب الشيخ محمد بن عبدالله بن عثيمين فقد كانت تربطه مع الشيخ جاسم صداقة حميمة، وقد رثاه بقصيدتين، ذكر فيهما بعض خصاله، التي منها مكارمه وشجاعته، وحمايته للمستجير، وعطفه على الأيتام والفقراء والمعوزين، وذكر عظم المصيبة بفقده، وتحسر كثيراً على فراقه، منها قوله:
نعيت امْرأ للبر والدين سعيهُ
وللجود والمعروف ما هو كاسبه.
أما الأديب الشيخ حسين بن علي بن نفيسة، فقد رثى الشيخ جاسم، وقدم لمرثيته بكلمة قصيرة أثنى فيها عليه، قال فيها: (هذه مرثية في شمس الفضائل، ومنتهى الأماني، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، مؤيد الدين، وحتف المعتدين، شيخ قطر). وذكر في المرثية خصال الشيخ الحميدة من أداء المغارم، والكرم والسخاء، وتلطفه لأهل الخير، ورأفته بالفقراء، وتقاه ومخافته لله، وشجاعته في الحروب، وقيادته للجيوش، ومما جاء فيها قوله:
فآهٍ وآهٍ بعد جاسم ذي الندى
مجيب الندى للصارخ إذ يتلهف
حنانيك من للدين أرسى دعائماً
لطلابه يقري ويثري ويكهف
وقال الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع: (وفي 20 شعبان سنة 1331 بلغنا ونحن بالبحرين وفاة الشيخ جاسم بن ثاني في قطر، وكانت وفاته يوم الخميس 13 من شعبان سنة 1331 وهو من أكابر الرجال المحسنين، وأوصى بأموال كثيرة تفرق بعد موته، منها عشرة آلاف روبية للشيخ عبدالله بن عبداللطيف، وبقيت وصيته نصا على أن تكون لأهل التوحيد. رحمه الله تعالى وغفر له).
وقال المؤرخ الشيخ عبدالرحمن بن محمد الناصر: (كان ورعاً، تقياً، صادقاً، جواداً، ذا سيرة حسنة، حسن السمت، حسن الاعتقاد، على مذهب الإمام المبجل أبي عبدالله أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وكان فيه محبة لمجدد الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولأنجاله، ولمن آواهم ونصرهم، يرى رأيهم ويقول بقولهم ويدين بدينهم، مع ما أظهره من كرامتهم، أعتق أكثر من خمسين مملوكا، وكان ينفق غالب غلاته على طلبة العلم من أهل السنة.. وفضائله أشهر من أن تذكر، ومناقبه أكثر من أن تحصى فرحمه الله تعالى وعفا عنه).