

إسهامي في بناء جيل من القانونيين واجب وطني ورسالة أعتز بها
قوة القانون تكمن في قدرته على الجمع بين العقل والإنسانية
قسم المهارات القانونية نموذج أكاديمي متميز على مستوى كليات القانون في العالم العربي
لا نكتفي بتدريس القانون بل ندرب الطالب على ممارسته من خلال البحث والصياغة والمرافعة
المحاكم الصورية تصنع خريجاً أكثر جاهزية وثقة للممارسة المهنية
بين أروقة الجامعات وصفحات الكتب، قضت الدكتورة سارة حمد القرح سنوات طويلة في دراسة القانون والتعمق فيه أكاديمياً، قبل أن تعتلي منصات التدريس الأكاديمي في كلية القانون بجامعة قطر، ثم تعيينها رئيسة قسم المهارات القانونية تقديراً لإسهاماتها الأكاديمية والبحثية ودورها في تطوير التعليم القانوني ودعم البيئة الأكاديمية في الجامعة.
حصلت د. سارة على العديد من المنح البحثية الوطنية والدولية، ونشرت أبحاثًا متعددة، تركز اهتماماتها البحثية على مسائل تنازع القوانين بما فيها القانون الدولي الخاص واتفاقية لاهاي الدولية كوسيلة للحماية من اختطاف الأبناء في حالات الطلاق، إلى جانب دراسة حقوق المرأة القطرية والأجنبية في ظل القوانين القائمة.
طوال مسيرتها الأكاديمية والمهنية، أظهرت الدكتورة سارة قدرات قيادية متميزة، إلى جانب تفوقها الأكاديمي والبحثي والتزامها بتطوير التعليم القانوني والبحث والتطوير المهني، وتمكين القدرات القانونية للطلبة ونشر الوعي القانوني في المجتمع.
حصلت على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة Case Western Reserve في الولايات المتحدة الأمريكية (2024)، ودرجة الماجستير في القانون من King›s College London في المملكة المتحدة (2020)، بالإضافة إلى درجة البكالوريوس في القانون من جامعة قطر (2017)، حيث تخرجت بمرتبة الشرف الأولى على مستوى كلية القانون.
كما حصلت على جائزة التميز العلمي البلاتينية عن فئة الجامعيين عام 2018.
في هذا اللقاء، نحاور الإنسانة والأكاديمية عن تحديات المهنة، وكيف استطاعت إثبات جدارتها في مجال «يجمع بين العقل والإنسانية»، وما هي رسالتها للجيل الجديد من الحقوقيات:
الدكتورة سارة.. من الذي وجَّه بوصلتك لدراسة القانون والتعمق فيه أكاديمياً؟
- كان حب العلم وشغف التعلم والتدريس هو ما وجه بوصلتي نحو دراسة القانون والتعمق فيه أكاديميا. وقد وجدت في المسار الأكاديمي المجال الذي يتيح لي الجمع بين شغفي بالقانون ورغبتي في التدريس ونقل المعرفة. كما أؤمن بدوري كأكاديمية قطرية ومسؤوليتي في الإسهام في بناء الجيل القادم من القانونيين، وأعتبر ذلك واجبا وطنيا ورسالة أعتز بها.
القانون يعتمد على العقل الحاف والمنطق الجاف - إذا جاز التعبير هكذا - كيف تستطيع المرأة الفصل بين عواطفها الإنسانية وبين صرامة المواد القانونية التي تدرسها.. أو تترافع بها؟
أرى أن قوة القانوني تكمن في قدرته على الجمع بين العقل والإنسانية. فالعاطفة لا تعني غياب الموضوعية، بل قد تمنحنا فهما أعمق للوقائع، بينما يبقى النص والدليل والمنطق هي الأساس في الحكم والترافع، وصولا إلى الغاية الأسمى للقانون وهي العدالة.
قسم المهارات القانونية في كلية القانون بجامعة قطر هو القسم الوحيد بهذا الاسم في جميع كليات القانون في العالم العربي.. كيف تساهمون في تعزيز المهارات القانونية للطلاب؟
تكمن خصوصية القسم وريادته في كونه نموذجا أكاديميا متميزا على مستوى كليات القانون في العالم العربي، إذ يجعل المهارات القانونية محورًا أصيلًا في تكوين الطالب. فنحن لا نكتفي بتدريس القانون، بل ندرب الطالب على ممارسته من خلال البحث والصياغة والمرافعة والمحاكم الصورية، بما يصنع خريجا أكثر جاهزية وثقة للممارسة المهنية.
المحطة الأبرز
خلال مسيرتك الأكاديمية والمهنية أظهرتِ قدرات قيادية متميزة، إلى جانب تفوقك الأكاديمي والبحثي.. ما هي المحطة الأبرز في مشواركِ هذا والتي تعتزين بها كعلامة فارقة في مسيرتك؟
أعتز بكل محطة في مسيرتي، لكن الأقرب إلى نفسي هي المحطات التي شعرت فيها أن ما أحققه له أثر يتجاوز نجاحي الشخصي، سواء في طلبتي أو مؤسستي. وأعتبر أن الإسهام في بناء جيل قادم من القانونيين وخدمة وطني قطر هو الإنجاز الذي أعتز به أكثر، فالعلم في ديننا له مكانة عظيمة، وتعليمه ونفع الآخرين به أثر وأجر ممتد، وهذا ما يمنح مسيرتي بالنسبة لي قيمة ومعنى أكبر.
ماذا أضافت لك تجربة الدراسة في المملكة المتحدة ثم الولايات المتحدة؟
الدراسة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ضمن نظامين قانونيين وأكاديميين مختلفين، وسَّعت أفق تفكيري وأثرت معرفتي القانونية، لكنها أيضا غيَّرت نظرتي للتعليم. أخذت من التجربتين ما يناسبني وطورت منه أسلوبي الخاص في التدريس، القائم على الحوار والتفكير والتحليل، لا مجرد تلقي المعلومة. كما منحتني التجربة استقلالية ونضجا، وفي الوقت نفسه عمَّقت اعتزازي بهويتي القطرية؛ فكلما انفتحت على ثقافات وتجارب مختلفة، أدركت أكثر قيمة هويتي وجذوري، وحرصي على أن أعود بما تعلمته لأخدم وطني.
هل تتذكرين يومكِ الأول كأستاذة داخل الحرم الجامعي؟ ما الذي تغير في شعوركِ بين ذلك اليوم والآن؟
أتذكره جيدا، كان يوما مليئا بالحماس والهمة والشغف. واليوم ما زال ذلك الحماس حاضرا، لكنه أصبح أكثر نضجا وعمقا مع الخبرة، وأصبحت أشعر بمسؤولية أكبر تجاه طلبتي، وبقيمة الأثر الذي يمكن أن يتركه الأستاذ في مسيرتهم.
ما هي أكثر المواد القانونية التي تجدين متعة في تدريسها للطلاب؟ ولماذا؟
أجد متعة خاصة في تدريس القانون المدني، باعتباره «أبو القوانين»، وكذلك القانون الدولي الخاص؛ لأنه يلامس واقعنا مع تنوع العلاقات وتعدد الجنسيات وتنازع القوانين، ولذلك أجد نفسي فيه. كما أستمتع بالمقررات المرتبطة بالممارسة المهنية، كأخلاقيات المهن القانونية، لما لها من دور في بناء شخصية القانوني وترسيخ مسؤوليته المهنية والأخلاقية.
درس إنساني
ما هو الدرس الإنساني (وليس القانوني) الذي تعلمتِهِ أنتِ من طلابكِ طوال سنوات تدريسكِ؟
تعلمت من طلابي أن الإنسان يظل يتعلم مهما بلغ من العلم والخبرة، وأن لكل طالب قدرات قد تحتاج فقط إلى من يكتشفها ويؤمن بها. وهذا عمَّق إيماني بأن رسالتي لا تقتصر على تدريس القانون، بل تمتد إلى بناء قانونيين يحملون العلم والقيم والمسؤولية، ويكون لهم أثر في خدمة وطنهم ومجتمعهم.
خلف كل نجاح أكاديمي تضحيات كبيرة.. ما هي أكبر تضحية إنسانية أو شخصية قدمتِها في حياتكِ من أجل خدمة العلم والجامعة؟
أكبر تضحية كانت الوقت، ولم تكن تضحيتي وحدي؛ بل شاركتني أسرتي جزءا كبيرا منها. فقد أخذت الدراسة والبحث والعمل الأكاديمي الكثير من وقتنا معا، وكان تفهمهم ودعمهم وصبرهم سندا أساسيًا في مسيرتي. لذلك أؤمن أن ما حققته ليس إنجازا فرديا، بل لأسرتي نصيب كبير فيه.
لو طُلب منكِ توجيه رسالة أخيرة ملهمة تُكتب في لوحة الشرف بالكلية لأجيال المستقبل، فماذا ستقولين فيها؟
اجعلوا من العلم رسالة، ومن القانون أمانة، ومن خدمة الوطن غاية. لا تقيسوا نجاحكم بما تحققونه لأنفسكم فقط، بل بما تتركونه من أثر في حياة الآخرين؛ فالعلم يبقى أثره، والوطن يستحق منكم أفضل ما لديكم.