السبت 14 ربيع الأول / 31 أكتوبر 2020
 / 
12:40 م بتوقيت الدوحة

الإعلامي الكبير سعد الرميحي يفتح لـ «العرب» خزائن ذكرياته في الصحافة والحياة

كتب: يوسف بوزية

الأحد 18 أكتوبر 2020

 الإعلامي الكبير يفتح لـ «العرب» خزائن ذكرياته في الصحافة والحياة
حاولت أن أكون رئيس تحرير «مُقنعاً».. وأنوي كتابة مذكراتي
حكّام الخليج السابقون لم يتلقوا تعليمهم في «هارفارد» و«السوربون».. لكنهم تشرّبوا الثقافة وأدبيات الملوك من مجالس آبائهم
بدأت مشواري الإعلامي بالكويت.. وكتبت في «العرب» و«الدوري» بانتظام
نصيحتي للشباب: لا تكرروا خطأ الجيل السابق بالاعتماد على الوظيفة الحكومية
درست «السياسة والاقتصاد» مضطراً.. وظل عشق الإعلام كامناً داخلي

 

 

ينتقي الأستاذ سعد بن محمد الرميحي كلماته المعجونة بالمعرفة المخبوزة على نار التجربة، من «معجم الحياة» التي عاشها، والأحداث التي عايشها، منذ أن كان في قلب الماكينة السياسية والإعلامية التي أورثته العديد من المعارف والمهارات الأخلاقية السمحة، فكانت هذه الصفات رصيداً في شخصية وظفّها لخدمة «مناصبه الحساسة»، منذ التحاقه بالخطوط الأمامية على جبهة العمل الصحفي، رئيساً لتحرير مجلة الصقر، التي حلّق بها «خارج السرب» الخليجي، وألقى بها كالحجر في بركة الإعلام الراكدة في ذلك الحين، فأحدثت دفقاً من التفاعل في المشهد الرياضي، جاعلاً منها «جامعة دول عربية متنقلة بين الشعوب».. ثم تولى إعادة تأسيس جريدة «الشرق» كما ترأس تحرير جريدة «الراية»، وصولاً إلى تعيينه مديراً عاماً لتلفزيون قطر.. ثم سكرتيراً لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لشؤون المتابعة، إلى أن تولى أخيراً رئاسة مجلس إدارة المركز القطري للصحافة.
في إطلالة «العرب» الأولى عبر «ذاكرة الوطن» يفرض الرميحي بتاريخه أن يكون محور أول مقابلة؛ إذ هو جزء حيّ من هذه الذاكرة على الصعيدين الإعلامي والرياضي.
الإعلامي الفطن، والمحاور الدمث في عالم السياسة والرياضة يُغريك باطّلاعه وانفتاحه على قضاياً العصر وانتمائه الحميم لقضايا وطنه وأمته. يروي الرميحي خلاصة تجربة حافلة منذ التحاقه بـ «حافلة» الإعلام الرياضي، متوقفاً عند أبرز «محطات» حياته الشخصية والعامة.
ولكن كيف خرج الرجل من معطف «الصحافة الرياضية»، ومن طموح وظيفة حكومية متدرجة إلى عدّة «مناصب حساسة»..

الكويت أيام دراستي الجامعية، ثم في جريدة «الدوري» الأسبوعية كصحفي رياضي، وكنت أكتب في الوقت نفسه في صحيفة «العرب» اليومية، ثم كتبت مواضيع بعيداً عن الرياضة، خاصة في الشأن المحلي، بما فيها إجراء الحوارات مع بعض المسؤولين في مختلف مواقع المسؤولية والقيادة، ثم ركزتُ على الشأن الرياضي لأنني مغرم بهذا القطاع، حيث تكوّنت لدي معارف ساهمت مساهمة كبيرة -والحق يقال- في أن أتبوأ مناصب جيدة، وأن تحتضنني العديد من المؤسسات الإعلامية في الدولة.
• ثم ماذا بعد؟
- واصلت الكتابة في «الدوري» الأسبوعية، و»العرب» اليومية، ثم «الخليج الجديد»، قبل تعييني نائباً لرئيس القسم الرياضي في «الراية»، حتى شاءت إرادة الله أن يتم اختياري لرئاسة تحرير مجلة الصقر، وكانت نقلة نوعية على مستوى عملي الصحفي، وما فتحه لي من آفاق واسعة وأبواب كثيرة في العالم العربي كله؛ لأنني تفرّغت للصحافة.

جماهيرية من المحيط للخليج
يرى الرميحي أن «الصقر» حفرتْ اسمها في عالم الصحافة الرياضية، وكسبت قاعدة جماهيرية عريضة من المحيط إلى الخليج، فكانت منبراً لكل القراء والرياضيين العرب، ومصدراً إخبارياً للعديد من «الألعاب المنسية»، أو ما يطلق عليها «الألعاب الشهيدة».
حرصت -والكلام ما زال على لسان الإعلامي الكبير- على أن أكون «رئيس تحرير مُقنعاً» لقراء المجلة منذ البداية، عبر كتابة أبرز مواد العدد الأول بما تضمّنه من خواطر وافتتاحية وحوار الأسبوع، وصولاً للصفحة الأخيرة، ثم أفسحت المجال في الأعداد التالية أمام زملائي الذين شاركوني نجاح المجلة، ليأخذ كل منهم فرصته المهنية المناسبة، وخاصة في فعاليات السفر إلى الخارج؛ إذ كنت أتعمّد إرسالهم إلى وجهات مختلفة للاستفادة من فرص الاحتكاك مع الأوساط الرياضية في العالم العربي.
يعتقد الرميحي «أنها كانت خطوة موفّقة إلى أبعد الحدود، حيث طبقتها بعد تعييني مديراً لتلفزيون قطر، وعندما تولى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، مقاليد الحكم، انتقلتُ مع سموه إلى مكتبه كسكرتير عام لشؤون المتابعة، حتى تنازل سموه عن الحكم يوم 25 يونيو عام 2013».

قصة ضياع الأرشيف
• هل ثمة ما يندم عليه سعد الرميحي خلال تلك الفترة من حياته؟.. طرحنا عليه السؤال، ورد بالإيجاب:
- نعم.. يخالجني شعور بالندم على تركي أرشيفي الرياضي في مجلة الصقر في إصدارها الثاني، وهو ما أدى إلى فقدانه بالكامل، ولم يتسن لي أن أستعيده بعد قرار إيقاف المجلة في عام 2007، فأثناء تواجدي في أوروبا في ذلك الحين، بلغني صدور قرار إيقاف إصدار «الصقر». ولعل نجاح المجلة في إصدارها الأول هو الدافع لإعادة إصدارها مرة أخرى، لكن المتلقّي هذه المرة اختلف عن السابق.. في المرة الأولى حققت نجاحاً رائعاً صعب أن يتكرر.

• وعن الذي وجّه بوصلة الإعلامي الكبير للعمل السياسي والإعلامي.. يقول إن وجهة ميوله منذ بواكير المرحلة الدراسية وحبّه الكبير كان للعمل الصحفي، ويضيف: «كان حلمي هو دخول كلية الإعلام، لكن جامعة الكويت كانت تخلو في ذلك الوقت من تخصص الإعلام، فالتحقتُ بكلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، من دون أن تخبو في نفسي رغبة العمل الصحفي».
هذه الميول القويّة تجاه الإعلام -يواصل ضيف «العرب»- ورثها أصغر أبنائه جاسم الرميحي، الذي وجّهه للدراسة في إحدى أعرق الجامعات العالمية في مجال التواصل الإعلامي والصحافة -جامعة نورثويسترن- حيث ورد اسمه في قائمة الشرف عند تخرّجه، وعمل سنتين في قناة الجزيرة، قبل انتقاله للعمل مسؤولاً للإعلام في اللجنة العليا للمشاريع والإرث.
خبرة العمر
• بعد العديد من المهام والمناصب، بماذا يلخص الرميحي الخبرة التي اكتسبها في سني عمره؟
- يجيب: دعني أعتبرها تجربة حياة ثرية وجميلة، مررتُ فيها بأحداث كثيرة وشخصيات عظيمة، ويكفيني ويكفي أسرتي جميعها شرف أنْ حظيت بثقة سيدي سمو الأمير الوالد في مختلف مواقع المسؤولية التي تقلدتها خلال مراحل مسيرتي المهنية، سواء من خلال عملي في مجلة الصقر، أو في تلفزيون قطر، أو في مكتب سموه، وهذه شهادة أعتز بها كثيراً، وسأظل أحملها وساماً على صدري على مدى العمر. وإن شاء الله أكون أديت الأمانة باقتدار وإخلاص.

لم يتوقّف الرميحي عند اهتمامات وثقافات أبناء جيله، بل تفاعل مع عصر «السوشيال ميديا»، وصار «الإنستجرام» جداره المفضّل لتحرير التعليقات وتبادل الذكريات والأفكار مع الشباب وفئات المجتمع.. وعن هذا التفاعل يوضح:
- لم أكن أتوقّع أن يحظى حسابي على مواقع التواصل بهذه الشعبية. بدأتُ الانخراط في الموقع بتسجيل مداخلات بسيطة، لكنها سرعان ما جذبت العديد من الناس، ونجحت في استقطاب عدد كبير من المتابعين. مشكلة «إنستجرام» أنه لا يفسح المجال للتعبير بإسهاب عما لديك، ولديّ الكثير من الصور والذكريات والأفكار.. في حين أتجنّب الانخراط اليومي بموقع «تويتر»، باستثناء بعض التعليقات التي تخصّ الشأن الرياضي. موقع «تويتر» في النهاية هو كناية عن معركة جماهيرية محتدمة، أو عدة معارك في ميدان واحد، لا تهدأ معركة حتى تندلع أخرى، ولا تستهويني الإقامة في حقول الألغام.

• ما الذي أضافه لك حضورك في «إنستجرام»، أو سلبه منك، غير «وقتك» بلا شك؟
- «إنستجرام» من أشهر منصات التواصل الاجتماعي التي يفضلها كثيرون في العالم، وقد أتاح لي الاحتكاك والتفاعل مع فئة الشباب والفئات الأخرى.. من دون أن يسلب مني شيئاً.

تجربتي في المؤسسات الوطنية
هاجس المذكرات
حالياً الإعلامي سعد الرميحي ألم يُصِبْهُ بعد هاجس كتابة مذكراته؟ سألناه.. فأكد أنه يتطلّع لبدء كتابة مذكرات يضع فيها خلاصة تجربته أمام الشباب الطامح للمستقبل. ويوضح: أريد أن أروي مسيرة تجربتي في ظلّ المؤسسات الوطنية التي تشكّلت حياتي المهنية والشخصية في كنفها، والتي نفخر بها جميعاً، وأن أستحضر فيها أهم المحطات والشخصيات التي طبعت مراحل حياتي، وأضفت عليها مذاقاً خاصاً.
وعن القطاع الذي ينصح الشباب بالانخراط فيه، ينوّه الرميحي بأن التوجه السائد في قطر منذ سنوات، والذي يجذب الشباب، هو المطاعم و»الكافيهات».. وهي فكرة جميلة تجمع ما بين الاستثمار والترفيه.. فكل إنسان ورغبته. «ولذا أنصح الشباب بالعمل الحر في القطاع الخاص وعدم الاعتماد على الوظيفة».
ويواصل نصائحه للشباب: عليهم أن لا يقعوا في أخطاء العديد من أبناء الجيل السابق بالاعتماد على الوظيفة الحكومية فقط، لكن الرغبة وحدها لا تكفي لاقتحام العمل الخاص؛ يجب امتلاك المهارة مع الجهد والتعب». وهو ما ينطبق أيضاً على أسواق المال، فالاستثمار في البورصة يتطلب دراسة وذهناً صافياً ودراية واضحة في اختيار الشركات والتوقيت المناسب للدخول والخروج أيضاً.
هيكل.. حاضر دائم في مكتبتي
• مكتبة سعد الرميحي عامرة.. ولكن أي الكتب التي تهيمن على رفوفها؟
- هنا يوضح: أقرأ في التاريخ والسياسة وأحياناً في المواضيع الدينية. تجذبني قراءة كتب المذكرات الشخصية دائماً وأبداً بما فيها السير التاريخية والمذكرات السياسية، وقد أنهيتُ قراءة مؤلفات الكاتب والمفكر السياسي الراحل محمد حسنين هيكل. أقرأ في كل شيء، بما فيها المجلات الثقافية، وكان لدي اشتراكات أسبوعية وشهرية في العديد منها، لكنها توقّفت مع ظهور أزمة «كورونا». مكتبتي تفيض بالكتب وتمتلئ بالمجلدات، وقد أهديت العديد من بينها؛ لأن الأرفف ضاقت عليها!

• وماذا عن الأسماء التي أضاءت مخيلتك وتأثّرت بها، وما زلت تقرأ لها إلى اليوم؟
- قرأت لنجيب محفوظ، وابن الأثير، وسيد قطب (في ظلال القرآن، وسائر كتبه)، وتاريخ الطبري، والبداية والنهاية. ربما أبدأ في قراءة مذكرات نوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر، وهي شهادة على حقبة مهمة في تاريخ مصر، إلى جانب كتّاب جزائريين ومغاربة آخرين، من بينهم الكاتب الليبي الصادق النيهوم، والمفكر الجزائري مالك بن نبي، أحد رُوّاد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين. كما أتلقى العديد من الكتب من باب الإهداء، سواء من المؤلفين أو الأصدقاء.
جرح غائر!
• إذا انتقلنا إلى الحاضر.. ما الدرس الذي استفاده الإعلامي المرموق من الأزمة الخليجية؟.. يُعرب الرميحي عن أسفه للتحدّث في هذا الموضوع. ويصف هذه الأزمة بأنها «جرح كبير غائر» في مسيرة المجتمع الخليجي. إذ لم يحدث في تاريخ مجلس التعاون أن أقدمت ثلاث دول خليجية على محاصرة دولة شقيقة هي الأقرب إليهم.
قطر -يزيد الرميحي- من أقرب الدول للمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة، ليس من ناحية المسافة فقط، ولكن من الناحية الاجتماعية والثقافة والتاريخ والأنساب، حيث التقارب الاجتماعي، والتاريخ المشترك، والارتباط العائلي. هنالك امتداد أسري ونسيج اجتماعي وقبلي واحد. قطر قدرها أن تكون بين هذه الدول الثلاث، وأن يكون كل بيت في قطر له قريب في السعودية أو البحرين أو الإمارات. ما يجمع الخليجيين أكثر مما يفرقهم. نقطة أخرى يرصدها سعد الرميحي: حكام الخليج السابقون رحمهم الله لم يتلقوا تعليمهم في جامعة «هارفارد» أو «كامبريدج» أو «السوربون»، كلهم تعلموا في مجالس آبائهم وأجدادهم، وتشربوا الثقافة العربية وأدبيات الملوك والأمراء الراقية البعيدة عن التشنّج، وهم يعرفون أن الخلافات يجب أن تناقش في الغرف المغلقة، وليس على الملأ، وأن تحلّ هذه الخلافات بينهم. كان القادة الخليجيون يلتقون في اجتماعاتهم وأذرعهم مفتوحة، ويخرجون وأيديهم متشابكة.
• هل تساير وجهة النظر التي تفسّر عدم حدوث اختراق في جدار الأزمة، حتى الآن، بأن الشق الحاصل بين «الأشقاء» أوسع من «الرقعة»؟
- الحكمة يجب أن تسود في النهاية. والعلاقات بين دولنا شهدت حروباً وصراعات في الماضي، لكن الحكمة انتصرت في النهاية، فتم فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الإخوة الأشقاء، أثمرت عن هذه النهضة المباركة في الخليج.
ولهذا أتمنى أن تعود المياه الخليجية إلى مجاريها.. وأن تكون «صالحة للشرب»!

• أخيراً.. كيف يحب الرميحي أن يذكره الناس؟
بحكمة الكبار عبّر عن أمنيته في أن يكون «عند حسن ظن الجميع، وأن أكون أديت الأمانة في خدمة بلادي بكل إخلاص».
 

سعد الإعلامي.. ورب الأسرة
• «الحمد لله أن كثرة انشغالي لم تؤثر على استقرار حياتي الأسرية والاجتماعية».. بهذه العبارة استهل الرميحي الإجابة عن سؤال يود «الإعلامي سعد الرميحي» أن يطرحه على «سعد رب الأسرة»، وهل ثمة عتاب يود أحدهما بثه للآخر؟ ثم أضاف:
لم أشعر يوماً بالتقصير تجاه العائلة، لكنني للأسف لم يتسنَّ لي قضاء وقت طويل معها لدواعي العمل والمكوث الطويل خارج المنزل.
لديّ أسرة سعيدة ومستقرة، ولله الحمد والمنّة، تتكون من زوجة و3 أولاد و5 بنات، كانوا يتحمّلون دواعي سفري الكثير وغيابي الطويل عنهم.
ومن هنا، أحاول اليوم قدر الإمكان أن أعوّضهم بالمكوث الطويل بينهم، وتنظيم النشاطات معهم، حيث أقضي وقتاً أطول مع أولادي وأحفادي أو في مكتبتي.
لدي صالون ثقافي أسبوعي مساء كل يوم أربعاء يحتضن كوكبة من الشباب المثقف من القطريين والعرب، وكذلك بعض الشخصيات التي تزور قطر، يقصدون المجلس للتعرف على الأوجه الثقافية والنشاط الثقافي، وقبل هذا وبعده كانت لي مساهمات في الندوات والمحاضرات التي تقام في قطر، أو في دول مجلس التعاون.
 

_
_
  • العصر

    2:30 م
...