حسين الأعظمي لـ«العرب»:السياسة والحرب سبب انحسار المقام العراقي (1-2)

alarab
حوارات 18 أكتوبر 2016 , 01:02ص
عبد الغني بوضره
يعد الدكتور حسين بن إسماعيل بن صالح بن رحيم العبيدي الأعظمي، واحدا من أعظم المهتمين بالتراث الغنائي العراقي الذين أنجبتهم بلاد الرافدين عام1952 في بغداد مدينة الأعظمية التي تعد مركز مهما لتراث المقام العراقي. وينحدر الأعظمي من عائلة تمارس هذا التراث دينيا ودنيويا دون احتراف.

 وإذا كان حسين الأعظمي رياضيا ومدربا دوليا في المصارعة الحرة والرومانية وبطل العراق لـ 5 سنوات، فإنه بالموازاة مع ذلك بزغ نجمه في سماء المقام العراقي، حيث تحصل على شهادة الدبلوم العالي في الموسيقى والغناء، وشهادات البكلوريوس والماجستير والدكتوراه في العلوم الموسيقية العربية والشرقية والغربية من جامعة بغداد والجامعة العربية لشمال أميريا وكندا، فضلا عن كونه شغل مواقع إدارية عديدة، وهو عضو جمعية الملحنين والمؤلفين الفرنسية. غنى الأعظمي المقام العراقي في أكثر من سبعين بلدا، ونال أوسمة وجوائز وشهادات تقديرية عديدة من المهرجانات والمؤتمرات الفنية طيلة أكثر من ثلاثة وأربعين عاما من التجربة. تم إدراج اسمه ونبذة عن حياته في موسوعة أعلام القرن العشرين في العراق.

ما سبب مغادرة أرض الوطن، والاستقرار في الأردن؟ وهل وجدتَ نفسك في ديار الغربة؟ (بتعبير آخر: ما الذي لم تجده في وطنك منذ 11 عاما عن الاغتراب؟).

- هناك أكثر من سبب لمغادرتي بلدي العزيز العراق، منها ما نجم من ظروف قاهرة بعد الاحتلال البغيض في كل أنحاء الوطن، ومنها خشيتي على أبنائي من هذه الفوضى العارمة التي اجتاحت البلد، الأمر الذي اضطرني إلى إرسالهم إلى المملكة الأردنية الهاشمية لتكملة دراستهم والبقاء فيها لحين ما تسنح ظروفي للالتحاق بهم، لأنني كنت في هذه الأثناء لم أزل عميدا لمعهد الدراسات الموسيقية في بغداد، كذلك أصبحت الظروف الفنية والثقافية في مصاف الانحطاط والتراجع في البلد، وأخيرا الأمر الذي قررت فيه المغادرة مع عائلتي المتبقية إلى الأردن الشقيق، هو ورود أكثر من تهديد لي من جهات مجهولة لترك المعهد الذي كنت أديره في بغداد، وفي الوقت نفسه، وحاشا لله أن ينسى عباده، حيث دعيت من قبل الأستاذ الدكتور الفاضل كفاح فاخوري عميد المعهد الوطني للموسيقى في عمان للتدريس في المعهد، وذلك عشية مشاركتي في مؤتمر مديري المعاهد الموسيقية في الوطن العربي الذي أقامته مؤسسة يبوس الفلسطينية في عمان أكتوبر من عام 2004. وحينها رتبت أموري حتى نهاية العام الدراسي (2004-2005) وتوجهت إلى المملكة الأردنية الهاشمية للعمل في المعهد الوطني للموسيقى كخبير للموسيقى العربية فضلا عن تدريس بعض الدروس.

على كل حال لم أغادر بلدي مجبرا، ولم أكن مهجرا، وإنما من خلال رؤيتي لمستقبل ظروف ما بعد الاحتلال، وجدت نفسي ملتحقا بأبنائي في عمان والبحث عن ظروف أفضل للعمل والعيش الممكن، كذلك لم يكن الأردن بلدا للغربة، فأنا لست مغتربا، أنا في جزء من وطني العربي الكبير، بين إخوتي وأهلي في أية بقعة من وطننا العربي الكبير. وفي هذا البلد الكريم -الأردن الشقيق- وجدت أجواءً مناسبة للفن والثقافة وإمكانية الاستمرار في العطاء بالممكن، كذلك وجدت ملاذي في العيش الكريم والأمان الذي فقد من بلدي العزيز، مبتهلا إلى العلي القدير، أن يمن على وطني العراق بالأمن والسلام والاستقرار، شاكرا ومتمنيا كل الخير ودوام الأمن والسلام والاستقرار لبلدي العربي الأبي المملكة الأردنية الهاشمية، ملكا وحكومة وشعبا، ولن ننسى، ولن ينسى إخوتي العرب الأخرون، المواقف الخالدة للمملكة الأردنية الهاشمية ونحن نمر بمثل هذه الظروف العصيبة لبلداننا العربية على وجه العموم.

بدأت مصارعا لا تهاب الحلبة في مواجهة الخصوم (الرياضيين طبعا)، ودلفت إلى ميدان يصارع فيه جزء مهم من التراث العراقي والعربي من أجل البقاء. هل لديك مشاريع وأفكار من أجل بعث «بيت المقام» ليبقى منافسا على حلبة الذوق الرفيع؟

- التراث الموسيقي والغنائي، هو تراث الأباء والأجداد، وقد جـبلتُ عليه منذ أن وعيت على هذه الحياة، فأنا من أسرة ومنطقة ومدينة كلها محاطة بموضوع التراث، وهكذا كنت منذ البداية من مطلع سبعينيات القرن العشرين وعلى الصعيد الرسمي، قد تقرر مصير حياتي، بل نذرت كل حياتي في خدمة هذا التراث الخالد -غناء المقام العراقي- فالمشاريع والأفكار من أجل تنمية وخدمة هذا التراث كثيرة جدا، بعضها تحقق والغالبية لم تحقق، والأسباب كثيرة أيضاً لا مجال للحديث التفصيلي عن تعقيدات الموضوع.
وكنت لفترة قاربت الثلاث سنوات مديرا لبيوت المقام العراقي في بغداد والمحافظات الأخرى، وما زلت حتى اليوم في عطاء دائم محاولا تكريس الحفاظ وديمومة وحماية شكل ومضمون هذا التراث «الغناسيقي» المتراكم عبر التاريخ الموغل في القدم.

هل لديك رغبة ونية للعودة إلى العراق واستكمال ما تم بناؤه من قبيل «بيت المقام»؟

- أعتقد أن لدي من الخبرة التي اقتربت من الخمسين عاما من التجربة الفنية والثقافية، ما يكفي لخدمة بيت المقام العراقي خدمة مفيدة، وعليه أتمنى أن يستقر الأمن والسلام في بلدي العراق الغالي، لأقدم خدماتي وخبرتي وإمكانياتي لتراثنا الغالي، سواء لغناء المقام العراقي في بيت المقام العراقي أو الموسيقى العراقية والعربية برمتها.

ما سبب انحسار الأغنية العراقية الأصيلة المرتبطة بالمقام العراقي، إذ لم يعد لها ذاك الوجه وتلك الأصالة التي عرفت بها في السابق؟

- سببه السياسة والحرب بصورة عامة، ثم قوة أعدائنا، والأفق الضيق للقيادات، وأخيرا الجانب السلبي من التطور التكنولوجي المخيف.

إذا علمنا أن المقامات بصفة عامة لها ارتباط وثيق بالقراءات القرآنية، واستفادة كل واحدة من الأخرى، هل تراجع المقام العراقي سببه هجْر القرآن، وتراجع نسبة من يقرؤونه ويتعهدونه بصوت حسن جميل؟

- هناك ملاحظة تبدو مهمة، ينبغي التحدث بها. ففي العصور الماضية، حتى القرن التاسع عشر، كانت الأجواء المقامية في بغداد لم تزل تسودها أجواء دينية في الأعم الأغلب، بحيث لا يمكن أن يظهر أي مطرب للمقام العراقي على المستوى الدنيوي دون أن يمارس أداء التلاوة القرآنية أو الشعائر الدينية الأخرى، كالمنقبة النبوية الشريفة والتهاليل والأذكار والتواشيح والمدائح النبوية والتمجيد من فوق منائر الجوامع والمساجد وغيرها. (وما يزال هذا المبدأ موجودا حتى اليوم) وكانت وما تزال هذه الحالة هي السمة البارزة لمطرب المقام العراقي منذاك. حيث ينضج مفهوم مطرب المقام العراقي دنيويا اعتمادا على هذا الأساس الديني. ورواد مطربي القرن التاسع عشر المقاميون، ظهروا وبرزوا من خلال هذه الأجواء، الذين استطاعوا استيعاب واقع هذه التعابير الدينية والدنيوية لينتجوا تسجيلات مقامية دنيوية كبيرة أبقت على شهرتهم في المصادر الكتابية حتى يوم الناس هذا. وفي الوقت الراهن ظهر بعض المؤدين المقاميين من الذين لم تسنح لهم الفرصة أن يمروا في بداياتهم بالأجواء الدينية، الأمر الذي أدى إلى اضمحلالهم وتوقف مسيرتهم في عالم هذا الغناء التراثي الأصيل.

إن عملية تأشير كل مرحلة من المراحل الثقافية التي يمر بها تاريخ غناء المقام العراقي عبر عصوره الزمنية، وإعطاء فكرة حتى لو كانت بسيطة نسبيا عن كل مرحلة من المراحل عبر مرور الزمن، شيء مهم، بل في غاية الأهمية، لأنه يدلنا على دقائق التطور الفني والثقافي لقضية الأداء المقامي خلال استمرار الحاضر والمنظور المستقبلي. فعندما بدأ القرن العشرون، بدأت بوادر جديدة تظهر على ساحة الأداء المقامي، اتسمت بعمق الجانب الدنيوي في تعابيره الغنائية، بالرغم من عدم غياب الجانب الديني الأساسي لهذه التعابير الدنيوية في الأداء المقامي وامتلاك التعابير المقامية الحقيقية لهذا الكيان التراثي في الغناء والموسيقى من خلاله.

إن الواقع الذي أشرنا إليه حول تأثيرات التعابير الدينية في غناء المقامات العراقية الدنيوية، لا يناقض في الحقيقة بين هاتين الحالتين من التعابير. فالموسيقى والغناء بصورة عامة أصلها ديني كما هو معروف، فكيف إذا كانت هذه الموسيقى وهذا الغناء الذي نتحدث عنه من التراث الغناسيقي الديني أصلا؟ ونحن نعلم أن الممارسات الأدائية في الشعائر الدينية هي التي حافظت لنا على هذا التراث الغناسيقي الخالد في فترات عصيبة مر بها بلدنا العراق بعد سقوط العباسيين (656هـ-1258م)، وهي من أبشع عصور العراق، بل من أبشع العصور الإنسانية التاريخية التي مرت على كل شعوب الأرض، ظلاما وظلما وفسادا وطغيانا على يد المجرمين الغزاة والمحتلين، التي أطلق عليها المؤرخون (الفترة المظلمة) الممتدة لسبعة قرون ميلادية بالتمام والكمال، منذ سقوط العباسيين (1258م) حتى عام (1958م) - بما فيها فترة الاستعمار الإنجليزي (1917-1958)- بداية الحكم الجمهوري في العراق! فلا شيء يتطور من فراغ، ورغم ظلام الفترة المظلمة الدامس، إلا أنها كانت محاطة بعنصر قوي جدا، هو العنصر الديني. وينبغي على هذه العلاقات المتداخلة والمعقدة في تعابير الأداء المقامي ألا تحجب الحقيقة الأساسية، في أن لا حلاوة مطلقة لتعابير الأداء المقامي الدنيوي دون انصهارها بالتعابير الدينية.

بطل مصارعة

الأعظمي كان رياضياً ومدرباً دولياً في المصارعة الحرة والرومانية وبطل العراق لـ5 سنوات.. وشارك في تظاهرات عربية ودولية .. لكنه لم يبعد عن الفن والمقام.