الدولة الفلسطينية والقانون الدولي..
حول العالم
18 أكتوبر 2014 , 06:54ص
عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتها التاسعة والستين سبتمبر 2014 في ظل انسداد أفق العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ووسط تصعيد استيطاني وصل إلى قضم أكثر من %60 من مساحة الضفة الغربية، وميل أميركي أوروبي إلى الاكتفاء بإدارة الصراع بدلاً من البحث الجاد عن الحلول الواقعية له، في مقابل جهود سياسية فلسطينية للخروج من مستنقع الانقسام الداخلي.
وقد حسم الرئيس الفلسطيني أبو مازن الجدل بشأن «الخيارات» الفلسطينية، فأعلن من باريس يوم 19-9-2014 عن تمسكه «بالمبادرة العربية للسلام» الصادرة عن القمة العربية في بيروت عام 2002 والعودة إلى المفاوضات المباشرة، وفق جدول زمني، ورعاية دولية تتوافر من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، وترسيمها بحدود الرابع من يونيو 1967.
والمعروف أن «دولة فلسطين» أسوة بالدول العربية الأخرى التي وقعت تحت الانتداب الفرنسي أو البريطاني، لم تكن تتمتع بالسيادة الكاملة. إلا أن هذا الأمر لم يمنع من تصنيفها الدستوري كدولة سيادية، وذلك بقدر صدقية تمثيلها لشعبها.
وعلى هذا الأساس حظيت فلسطين بمقعد «الدولة غير العضو» في الدورة السابقة للجمعية العامة، ونالت 138 اعترافاً من دول العالم.. لكن هذا الإنجاز لم يقترن بالزخم الدبلوماسي المطلوب، ولا بالاستثمار المجدي، ولا حتى بالوعي الكامل والسياسة الراشدة، وبما يفتح الطريق للانضمام إلى جميع مؤسسات وهيئات ووكالات الأمم المتحدة، وفي المقدمة اتفاقيات جنيف الرابعة، ومعاهدة روما، ومحكمة الجنايات الدولية.
تتراكم اليوم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية بعامة، والدولة العتيدة بخاصة، فالمطلوب فلسطينياً قبل وفوق كل شيء استعادة الوحدة الوطنية على المستوى السياسي والجغرافي، ويُخشى في سياق الوضع الراهن، أن يُصار إلى التعامل الدولي لأن التعامل الإسرائيلي قائم مع الفلسطينيين «كمجموعات سكانية ومعازل جغرافية» وليس مع فلسطين واحدة أرضاً وشعباً، وهذا التعامل مع فلسطينيين قد يسفر عن إنتاج ترتيبات دولية على هذا الأساس، واحدة مدجّنة تعاقدياً والأخرى مدجّنة واقعياً.. فالقرار 242 الذي يعتبره المجتمع الدولي القاعدة الأساسية لحل الصراع العربي الإسرائيلي بما في ذلك الفلسطيني الإسرائيلي لا يشير إلى أي حدود ثابتة بين «فلسطين وإسرائيل» وإنما يطالب بحق «كل دولة في المنطقة بأن يكون لها حدود «آمنة ومعترف بها»، وهذا يعني عملياً، وضمن منطق ميزان القوى الراهن بأن إسرائيل تقرر حدودها التي تعتبرها هي آمنة، بصرف النظر عن أي مرجعية قانونية أخرى.
فاتفاق أوسلو 1993، وخريطة الطريق الأميركية 2004، ومؤتمر أنابوليس 2007، جميعها لم تشر إلى الحدود، ولا إلى حقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف، ولا إلى مسألة الدولة الفلسطينية، أو اللاجئين أو المستوطنات أو القدس. أما ما تطالب به قيادة «م.ت.ف» من ضرورة بت المسائل التي تم تأجيلها وفقاً لاتفاق أوسلو فهي بالأساس خاضعة للتفاوض إذا حصل، وللاتفاق الثنائي إذا تم التوصل إليه.
وقد صرح الرئيس الفلسطيني أبو مازن أكثر من مرة بأن «الإسرائيلي» عرض عليه مشروع الحدود المؤقتة للدولة العتيدة إلا أنه رفض ذلك، وهذا الرفض ضروري مع أنه غير كافٍ، ذلك لأن مبدأ تقرير المصير المرتبط مباشرة بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم، يشكّل في الاجتهاد الدولي «قاعدة آمرة» ومؤدى هذه القاعدة أنها مُلزمة لكل الدول بغض النظر عن موقف هذه الدول حيالها.. وبالتالي فإن أي اتفاق يخالف أي قاعدة آمرة جزئياً أو كلياً، يتعرض للإلغاء بموجب المادة «53» من قانون الاتفاقيات الدولية، وهذا يعني أيضاً أن أي اتفاق يمكن أن يُعقد بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ويخالف أو يعرقل أو يتعرض لمبدأ تقرير المصير يصبح لاغياً، وفقاً لأحكام هذه المادة.
لا بد من التأكيد من ناحية ثانية أن الدولة، لدى اكتمال عناصر تكوينها من الشعب الدائم «أي السكان الدائمين» والإقليم المحدد «أي بحدود واضحة وثابتة» كالتي وردت في القرار «181» لعام 1947، كما يطرحها الجانب الفلسطيني اليوم «حكومة ذات سيادة».. فإن هذه الدولة تصبح مستقلة.. وبالتالي فإن أي اتفاقية ثنائية من أجل التوصل إلى دولة مقيّدة باعتبارات وقيود تعاقدية أمر مخالف للقانون الدولي.
على كل حال، من المفيد تسجيل الملاحظتين التاليتين:
1- إن الضمانات الدولية المتمثلة بالقرارات الدولية الملزمة يجب أن تبقى المرجعية الأساسية للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.. والمعروف أن إسرائيل تحاول دائماً أن تتنصّل من هذه المرجعيات، لكن الجانب الفلسطيني مطالب دائماً بالتشبث بها، هذا مع العلم أن إسرائيل تسعى إلى تغييب هذه المرجعيات، ولكنها لن تستطيع إلغاءها.
2- إن الخطأ الذي تكرر مع المفاوض الفلسطيني خلال هذه العقود في إغفال الشواهد القانونية المتتالية حول النواة الدستورية للدولة الفلسطينية والمبين ذكرها.. لا يجوز أن تتكرر، ولذلك فإن مقتضيات الحد الأدنى تتطلب ألا يقبل الجانب الفلسطيني اليوم أي تقييد ولا أي عرقلة لتحقيق مبدأ تقرير المصير للشعب الفلسطيني.. وهو المبدأ الذي أكدته أحكام القانون الدولي وجميع القرارات ذات الصلة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في آن معاً.
يدخل الفلسطينيون الربع الأخير من عام 2014 مثخنين بجروح العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، لكن في داخلهم شعور بانتصار معمّد بالدم.. ويمكن القول إن عام 2014 كان بمثابة مفترق طرق، بين إعادة إنتاج المسار السابق، أو شق مسار سياسي وكفاحي جديد: إفشال أهداف العدوان الأخير على قطاع غزة.. والسعي الدبلوماسي المثير للجدل الداخلي أيضاً بترسيم «حدود الدولة الفلسطينية» ووضعها تحت الحماية الدولية وإمكانية تحقيق المصالحة الوطنية، وفق أفق جديد يمكّن من تحويل الهبّة الشعبية في الضفة إلى كفاح شعبي يومي يقترب من منسوب الانتفاضة السلمية الشاملة.
كل ذلك يبدو مشروع إنجازات قد يتحوّل صداها إلى ما يشبه كرنفال احتفالي، ما لم تجمعها استراتيجية وطنية شاملة تتوجه لأهداف وطنية محددة.
لقد قدمت الهبّة الشعبية التي تواصلت ضدّ قوات الاحتلال في الضفة على مدى أيام العدوان «51» مؤشرات إلى الاتجاه العام الذي يمكن أن تصل إليه حالة الاحتقان جراء سياسات الضم، وتوسيع الاستيطان، والخنق الاقتصادي، وتقطيع أوصال الضفة بالحواجز والطرق الالتفافية، إلى غضب شعبي عارم ضد الاحتلال في أرجاء الضفة، بينما كسر الشباب هذه المرة معادلة تحييد المدن، وحوّلوا نقاط التماس مع الاحتلال إلى ساحات اشتباك، مثل الخليل، نابلس، بيت لحم، طولكرم والقدس.
لقد وفّرت فصائل المقاومة الميدانية في غزة، والتعاطف الدولي المتنامي مع الشعب الفلسطيني، عناصر القوة التي يمكن أن تساند الموقف الرسمي الفلسطيني في مواجهة المساعي الإسرائيلية والأميركية لقطع الطريق على التوجّه للجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل ترسيم الحدود، كما عزّزت الموقف الفلسطيني الرافض للمساومة على مضمون مشروع القرار المقدم للجمعية العامة في دورتها التاسعة والستين، بطريقة تنتقص من الحقوق المكفولة لمكانة الدولة وترسيم حدودها. ولاسيَّما بشأن التعهد بعدم طلب الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو تأجيل ذلك، أو حتى التعهد بعدم ملاحقة قادة الاحتلال على الانتهاكات وجرائم الحرب بحق الشعب الفلسطيني في حال الانضمام للمحكمة، أو على الأقل عدم ملاحقتهم على هذه الجرائم بـ»أثر رجعي».. بينما تستعد حكومة الاحتلال لجولة جديدة من التصعيد الاستيطاني الرامي لسحب الجغرافيا من تحت بساط الدولة المزمع ترسيم حدودها، لكن أثرها لم ينته به، إذ إن التوقعات كلها تشير إلى احتمال هبّة أخرى. وفي هذا السياق كتب المعلق العسكري لصحيفة «معاريف» الإسرائيلية قائلاً: «سنوات الهدوء في الضفة وصلت إلى نهايتها، والجيش الإسرائيلي يستعد لمواجهات عنيفة في الربع الأخير من عام 2014»!