

التراث القطري ذاكرة حية.. وطموحي أن تتجاوز الزخرفة حدود اللوحة
أستلهم من التاريخ وأقدم الزخرفة الإسلامية بروح قطرية معاصرة
الهوية لا تحد من إبداع الفنان.. بل تمنحه جذوراً ونقطة انطلاق
أكدت الفنانة شيخة سالم الحمود أن فن التذهيب والزخرفة الإسلامية أصبح جزءًا أساسيًا من هويتها الفنية، مشيرة إلى أنها تسعى من خلال أعمالها إلى إعادة تقديم هذا الفن التراثي بلغة معاصرة تجمع بين الأصالة والتجديد، مع استحضار عناصر البيئة والتراث القطري ضمن رؤيتها الفنية.
وأوضحت، في حوار خاص مع «العرب»، بمناسبة مشاركتها في معرض الصيف، الذي تنظمه حاليا الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، في كتارا، أن تجربتها تقوم على دراسة مدارس الزخرفة الإسلامية المختلفة، ولا سيما الفارسية والعثمانية والأندلسية المغربية، إلى جانب توظيف الذهب والخط العربي والزخارف النباتية والهندسية في أعمالها.
وأضافت الحمود أن التراث القطري بالنسبة إليها ليس مجرد موضوع جمالي، وإنما جزء من ذاكرة المجتمع وهويته، لافتة إلى تطلعها إلى دمج عناصره بصورة أعمق داخل البناء الزخرفي الإسلامي، بما يتيح تقديم لغة فنية تجمع بين الإرث الإسلامي والهوية القطرية برؤية معاصرة. وإلى التفاصيل:
بدايةً.. ماذا تمثل لكِ المشاركة في معرض الصيف الذي تنظمه الجمعية القطرية للفنون التشكيلية؟ وما الذي حرصتِ على تقديمه من خلال هذه المشاركة؟
تمثل لي المشاركة في معرض الصيف مساحة مهمة للقاء مع مختلف الجمهور والفنانين، وفرصة لعرض تجربتي الفنية ضمن مشهد الفن التشكيلي القطري. وأنا أعتز بعضويتي بجمعية الفنون التشكيلية ومشاركتي في المعارض التي تنظمها الجمعية.
وفي هذه المشاركة حرصت على أن أقدم عملاً يمثل جانباً أساسياً من هويتي الفنية، وهو فن التذهيب (Tezhip)، وهو أحد فنون الزخرفة الإسلامية، وأن أظهر جمال ودقة هذا الفن التراثي العريق بين مختلف الفنون المعاصرة من خلال تخاطب بصري الذي يجمع بين التاريخ، والأصالة، والجمال، والدقة والعمل لوحة «بسم الله» لأنه يمثل المرحلة التي وصلت إليها في تجربتي مع التذهيب الفارسي، بما يتميز به من ثراء في الزخارف النباتية وتنوع في أشكال الورود والأوراق المستخدمة. العمل كبير مقارنة بعدد من أعمالي السابقة، بمقاس 60 × 70 سم، ويتضمن زخارف نباتية وهندسية، يتوسطها الخط العربي في وسط اللوحة، مع حضور واضح لألوان الذهب وألوان قواش، واستغرق تنفيذها نحو ستة أشهر، بإجمالي يقارب 915 ساعة عمل.

بداية العلاقة بالفن
تخصصت في الرسم والزخرفة.. كيف بدأت علاقتكِ بالفن؟ ومتى أدركتِ أن الزخرفة الإسلامية ستكون جزءاً أساسياً من تجربتكِ؟
منذ الطفولة، كان الرسم هوايتي، وكنت دائمًا شغوفة بالألوان والتفاصيل. ومع مرور الوقت واستمرار التجربة والتعلم، وجدت نفسي أنجذب بصورة أكبر إلى الفنون التي تحتاج إلى الصبر والدقة.
وكنت أستمتع كثيرًا بالاطلاع على المخطوطات الإسلامية والزخارف الدقيقة والمنمنمات عند زيارتي لمتحف الفن الإسلامي ومتحف قطر الوطني، وكذلك المتاحف الأخرى في الدول التي أزورها. وكنت أقضي وقتًا طويلًا في تأملها، وأتساءل كيف استطاع أجدادنا الوصول إلى هذه الدقة المتناهية في الخطوط والتفاصيل، وكيف احتفظت كثير من هذه الأعمال بجمال ألوانها رغم مرور الزمن. كما كانت تستوقفني الأدوات الهندسية والفنية التي استُخدمت قديمًا في تصميم هذه الأعمال وتنفيذها، ومن هنا بدأ فضولي يتحول إلى رغبة حقيقية في التعلم والتجربة.
لاحقًا التحقت بدورات تدريبية متنوعة في موضوعات وخامات فنية مختلفة، لكنني وجدت نفسي بصورة أكبر في الدورات المرتبطة بالزخارف النباتية ومن هناك بدأت رحلتي في البحث والتعمق في عالم الزخرفة الإسلامية وفن التذهيب.
ورغم التحديات ازددت تمسكًا بهذا الفن ورغبة في التعمق فيه؛ فكلما تعلمت عنه أكثر شعرت أنني لم أكتشف تقنية فنية جديدة فحسب، بل اكتشفت العالم الفني الذي وجدت نفسي فيه. فالزخرفة الإسلامية بالنسبة لي عالم يجمع بين الرسم واللون والدقة والتاريخ والتراث والتأمل، ومع الوقت أصبح التذهيب والزخرفة الإسلامية جزءًا أساسيًا من هويتي الفنية، مع استمراري في الرسم وتجربة خامات وأساليب فنية مختلفة.
ما الذي يجذبكِ تحديداً إلى فنون التذهيب والزخرفة الإسلامية، خصوصاً المدارس الفارسية والعثمانية والأندلسية المغربية؟
أكثر ما جذبني إلى الزخرفة الإسلامية كونها فناً يحمل تاريخاً طويلاً، وفي الوقت نفسه ما زال يمتلك قدرة كبيرة على التطور، وفي ظل الاتجاهات الفنية المعاصرة أشعر أن هناك أهمية للمحافظة على الفنون التي تمثل جزءاً من تاريخنا وذاكرتنا الحضارية، ولكن ليس من خلال تكرارها كما كانت، وإنما بإعادة تقديمها بصورة قادرة على التواصل مع المتلقي اليوم.
وأحرص على دراسة أكثر من مدرسة، حيث لكل مدرسة مفرداتها وخصائصها الجمالية؛ فالزخرفة الفارسية غنية بالتفاصيل النباتية والتنوع اللوني، والعثمانية تتميز بالنسبة لي بالأناقة والدقة والتوازن، بينما تحمل المدرسة الأندلسية المغربية بناءً زخرفياً مختلفاً وإيقاعاً هندسياً واضحاً.
ودراسة هذه المدارس تمنحني معرفة أوسع بتاريخ الزخرفة الإسلامية، وفي الوقت نفسه تساعدني على اكتشاف العناصر الأقرب إلى رؤيتي، وبناء تجربتي الفنية الخاصة تدريجياً.
كيف تحاولين تحقيق التوازن بين المحافظة على القواعد والجماليات الأصيلة للزخرفة الإسلامية وبين تقديم رؤية فنية تحمل بصمتكِ الخاصة؟
التجديد الحقيقي يبدأ من فهم الأصل واحترامه، لذلك أحرص على دراسة القواعد الأساسية لكل مدرسة زخرفية، من حيث بناء العنصر والتكرار والتوازن وتوزيع المساحات والعلاقات اللونية، بعد ذلك تأتي مساحتي الخاصة كفنانة في اختيار التكوين والألوان وطريقة الجمع بين العناصر وتوظيف الخط أو العبارة في لوحة العمل الفني لتصل أصالة العمل إلى المتلقي؛ لكنه يتعرف على بصمتي الفنية أيضا.
الذهب حاضر بقوة في عدد من أعمالك.. ماذا يضيف الذهب إلى العمل فنياً وجمالياً؟ وهل يحمل بالنسبة لكِ دلالة رمزية إلى جانب قيمته البصرية؟
الذهب بالنسبة لي ليس مجرد لون، الضوء يتفاعل معه بطريقة مختلفة، ولذلك يمنح العمل حياة تتغير بحسب زاوية الرؤية والإضاءة، ويبرز بعض التفاصيل ويخلق توازناً بين المساحات اللونية.
إلى جانب الزخرفة والتذهيب تقدمين أعمالاً متنوعة.. ماذا يمنحكِ هذا التنوع في الخامات والتقنيات؟
تنوع أعمالي الفنية وعدم اقتصارها على الزخرفة الإسلامية يمنحني حرية أكبر في التعبير؛ لأنني لا أعتقد أن كل فكرة يمكن التعبير عنها بالخامة نفسها.
وأرى أن هذا التنوع لا يتعارض مع وجود هوية فنية، بل يثريها. فالفنان يحتاج إلى التجربة المستمرة، وكل خامة تعلمه شيئاً مختلفاً عن اللون، والمساحة والضوء والملمس.
التراث القطري والزخرفة
في أعمال مثل «الروض القطرية» و«الفنر» و«مبنى شعبي» يظهر حضور واضح للمكان والذاكرة المحلية.. ماذا يعني لكِ استحضار البيئة والتراث القطري في العمل التشكيلي؟
عندما أرسم الفنر أو المباني الشعبية أو الروض القطرية فأنا أستعيد مشاهد تعكس البيئة القطرية والتي نرتبط بها عاطفياً. ولذلك لا تعتبر عناصر تراثية للزينة فقط، بل باعتبارها جزءاً من الذاكرة وهوية المجتمع القطري
وقدمت بالفعل أكثر من عمل عن «الروض القطرية»، إضافة إلى «مبنى شعبي» وغيرها من الموضوعات المرتبطة بالبيئة المحلية.
في بعض أعمالي أطمح إلى ألا يكون التراث القطري مجرد موضوع للوحة، بل أن أبحث عن طرق لدمجه بصورة أعمق داخل البناء الزخرفي الإسلامي نفسه، بحيث تتشكل لغة فنية تجمع بين الإرث الإسلامي والهوية القطرية وتعيد تقديمهما للأجيال القادمة، كما في لوحة «قطر يا تاج فوق الراس».
في رؤيتكِ الفنية تتحدثين عن الفن بوصفه جسراً يربط الماضي بالحاضر ويحافظ على الهوية والتقاليد عبر الأجيال.. كيف تتحول هذه الرؤية إلى ممارسة داخل أعمالك؟
تتحول من خلال اختياراتي نفسها: الموضوع، والخامة، والزخرفة، واللون، والعناصر التي أضعها داخل العمل. أعود إلى الزخارف الإسلامية والمدارس التاريخية، وأستحضر في الوقت نفسه البيئة القطرية والتراث المحلي، ثم أحاول تقديم ذلك من خلال رؤيتي المعاصرة.
وأؤمن بأن الحفاظ على التراث لا يعني أن نضعه في الماضي، بل أن نجعله حياً وقادراً على التواصل مع الحاضر. وهذه الفكرة هي بالفعل جوهر الرؤية الفنية التي صغتها لأعمالي.
هل تنظرين إلى الزخرفة الإسلامية باعتبارها عناصر جمالية فقط، أم أنها تحمل فلسفة وقيماً مرتبطة بالتوازن والدقة والتأمل؟
الزخرفة الإسلامية ليست مجرد عناصر جمالية فحسب، بل أراها نظاما بصريا متكاملا يقوم على العلاقات والتوازن. فالعنصر الواحد قد يتكرر مرات عديدة، كما أن التماثل والإيقاع والتكرار وتوزيع الفراغات كلها عناصر تمنح العمل انسجاما، وتجعل عين المتلقي تتحرك بين تفاصيله بهدوء وتناغم.
وعلى المستوى الشخصي، أجد في تنفيذ الزخرفة حالة من التركيز والتأمل؛ فهي تعلمني الصبر والدقة، وأرى أن جمال الزخرفة الإسلامية لا يكمن فقط فيما نراه في صورتها النهائية، بل أيضا في الفكرة وفلسفة تقوم على التوازن والدقة التأمل التي بنيت عليها.
من خلال أعمالكِ نلاحظ انتقالك بين المناظر الطبيعية، والطبيعة الصامتة، والتراث، والزخرفة.. أي هذه الموضوعات تشعرين بأنها الأقرب إلى شخصيتكِ الفنية؟
أحب جميع هذه التجارب لأنها تمثل مراحل مختلفة من مسيرتي الفنية، لكنني أشعر أن الزخرفة الإسلامية والتذهيب هما الأقرب إلى هويتي الفنية في هذه المرحلة.
وجدت فيهما مساحة تجمع أشياء كثيرة أحبها: الرسم، واللون، والدقة، والتاريخ، والتراث. وفي الوقت نفسه لا أريد التخلي عن بقية المجالات؛ فالمناظر والتراث القطري والألوان المائية كلها تغذي تجربتي وتمنحني مصادر جديدة للإلهام.
قدمتِ أيضاً أعمالاً تتناول فلسطين مثل «فلسطين الله حاميها» و«فلسطين وغصن الزيتون».. ما الذي يدفع الفنان إلى التعبير عن القضايا الإنسانية والوطنية من خلال الفن؟
الفنان يتفاعل مع ما يحدث حوله، وهناك قضايا لا يستطيع الإنسان أن يقف أمامها دون أن يشعر بالحاجة إلى التعبير. والفن بالنسبة لي لغة، مثل الكلمة والشعر والكتابة، يستطيع الفنان من خلالها أن يوثق مشاعره وموقفه الإنساني.
هل هناك عمل من أعمالكِ تعتبرينه الأقرب إلى شخصيتك الفنية أو الأكثر تعبيراً عن التحول الذي وصلتِ إليه حتى الآن؟ ولماذا؟
أعتقد أن لوحتي «بسم الله» و»قطر يا تاج فوق الراس» من الأعمال الأقرب إلى شخصيتي الفنية والأكثر تعبيرًا عن المرحلة التي وصلت إليها»