القيروان حاضرة الإسلام في شمال إفريقيا
باب الريان
18 أغسطس 2012 , 12:00ص
تونس - العرب
القيروان مدينة تونسية، تبعد حوالي 160 كيلومترا عن تونس العاصمة ويعود سبب أهميتها إلى دورها الاستراتيجي في الفتح الإسلامي فمنها انطلقت حملات الفتح نحو الجزائر والمغرب وإسبانيا وإفريقيا بالإضافة إلى أنها مثوى لعدد من صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام.
يعود تاريخ القيروان إلى عام 50هـ/670م، عندما قام بإنشائها عقبة بن نافع، وكان هدفه من هذا البناء أن يستقر بها المسلمون، إذ كان يخشى إن رجع المسلمون عن أهل إفريقية أن يعودوا إلى دينهم.
وتعتبر القيروان من أقدم وأهم المدن الإسلامية، بل هي المدينة الإسلامية الأولى في منطقة المغرب ويعتبر إنشاء مدينة القيروان بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي، فلقد كانت تلعب دورين هامين في آن واحد، هما: الجهاد والدعوة، فبينما كانت الجيوش تخرج منها للغزو والتوسعات، كان الفقهاء يخرجون منها لينتشروا بين البلاد يعلمون العربية وينشرون الإسلام. فهي بذلك تحمل في كل شبر من أرضها عطر مجد شامخ وإرثا عريقا يؤكده تاريخها الزاهر ومعالمها الباقية التي تمثل مراحل هامة من التاريخ العربي الإسلامي. لقد بقيت القيروان حوالي أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لإفريقية والأندلس ومركزا حربيا للجيوش الإسلامية ونقطة ارتكاز رئيسة لإشاعة اللغة العربية.
وعندما تذكر القيروان يذكر القائد العربي الكبير عقبة بن نافع وقولته المشهورة عندما بلغ في توسعاته المحيط الأطلسي وهو يرفع يده إلى السماء ويصرخ بأعلى صوته: «اللهم اشهد أني بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك».
وكلمة «القيروان» كلمة فارسية دخلت إلى العربية، وتعني مكان السلاح ومحط الجيش أو استراحة القافلة وموضع اجتماع الناس في الحرب. جمع عقبة بن نافع بعد انتهائه من بناء مدينة القيروان وجوه أصحابه وأهل العسكر فدار بهم حول مدينة القيروان، وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه: اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام. وتسمية القيروان تستجيب للغرض الأصلي من تأسيسها فهي كلمة معرَّبة عن اللغة الفارسية وتعني المعسكر أو القافلة أو محط أثقال الجيش. كانت القيروان أولى المراكز العلمية في المغرب العربي تليها قرطبة في الأندلس ثم فاس في المغرب الأقصى ولقد قصدها أبناء المغرب وغيرها من البلاد المجاورة. وكان مسجد عقبة الجامع ومعه بقية مساجد القيروان تعقد فيه حلقات للتدريس وأنشئت مدارس جامعة أطلقوا عليها (دور الحكمة). عندما عزم عقبة بن نافع ومن معه على وضع محراب المسجد الجامع فكروا كثيرا في متجه القبلة، وراقبوا طلوع الشمس وغروبها عدة أيام. وقال له أصحابه: إن أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمه، واجتهد عقبة بن نافع وكان موفقا في اجتهاده وأصبح محراب القيروان أسوة وقدوة لبقية مساجد المغرب الإسلامي.
أنشئت في القيروان المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس والزوايا وكانت مفتوحة للدارسين وتضم نفائس أمهات الكتب. ومن أشهر مكتبات القيروان بيت الحكمة الذي أنشأه إبراهيم الثاني الأغلبي 261-289هـ/875-902م، في رقادة بالقيروان محاكاة لبيت الحكمة الذي أسسه هارون الرشيد في بغداد حيث كان هذا البيت نواة لمدرسة الطب القيروانية التي أثرت في الحركة العلمية في المغرب لزمن طويل. يعد مسجد القيروان الذي بناه عقبة بن نافع عند إنشاء المدينة من أهم معالمها عبر التاريخ. ولقد بدأ المسجد صغير المساحة، بسيط البناء، ولقد سارت التوسعات في العصور المختلفة حتى أصبح يشغل اليوم مساحة مستطيلة تتراوح أضلاعها ما بين (70و122) مترا. ويعتبر جامع القيروان من أقدم مساجد المغرب الإسلامي والمصدر الأول الذي اقتبست منه العمارة المغربية والأندلسية عناصرها الزخرفية والمعمارية. كما كان هذا المسجد ميدانا للحلقات الدينية والعلمية واللغوية التي ضمت نخبة من أكبر علماء ذلك العصر. يذكر أن مسجد عقبة بني قبل جامع الأزهر بـ300 سنة وقبل الزيتونة بـ29 سنة. من أعلام القيروان الإمام سحنون وابن رشيق القيرواني وابن شرف وأسد بن الفرات وابن الجزار، لكن المهتمين بالتاريخ يذكرون خصوصا اسم المعز بن باديس الصنهاجي كأكبر رمز لما بلغته القيروان من حضارة في عهد الصنهاجيين وعبدالله بن الأغلب الذي جعل من القيروان اسما ملأ الدنيا، أما عقبة بن نافع فإنه يظل الفاتح والمؤسس.
لعبت مدينة القيروان دورا رئيسا في القرون الإسلامية الأولى، فكانت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي ومركز الثقل فيه منذ ابتداء الفتح إلى آخر دولة الأمويين بدمشق. تعتبر القيروان حاليا إحدى أهم المدن التونسية ومقر الولاية (117.903 ألف نسمة، عام 2004). تتكون المدينة الحديثة، كسائر مدن المغرب العربي، من القصبة حيث المركز الإداري ومنازل الأعيان والأسواق. يتكون وسط المدينة من شارع الجمهورية وشارع ثورة 14 جانفي 2011 في المدينة العتيقة وساحة الشهداء عند باب الجلادين حيث يوجد في هذه الشوارع كافة المرافق من مدارس ومعاهد عليا ومقاهٍ ومحلات الملابس الفاخرة والإدارات العمومية والمكاتب والبنوك والنزل ومحلات المأكولات السريعة والتقليدية خاصة أكلة الكفتاجي الشهيرة.