سورتا التكاثر والعصر

alarab
باب الريان 18 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
حذر القرآن من الإنشغال بالأموال والأولاد عن الصلوات والعبادات تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. سورة التكاثر بسم الله الرحمن الرحيم {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)} السورة مكية، وموضوعها يدل عليها. {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } اللهو – كما قال الراغب- ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، يقال: لهوت بكذا، ولهيت عن كذا: اشتغلت عنه. قال تعالى: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد:36]، ويقال: الهاه كذا: أي شغله عما هو أهم إليه . قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}. فمعنى {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}: أي شغلكم عما يعنيكم ويهمكم، وعما هو أهم اليكم. وقد حذر القرآن من الهاء الأموال والأولاد، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون:9]، ووصف عمار مساجده، فقال: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور:37]، وليس ذلك نهيا عن التجارة وكراهية لها، بل هو نهي عن التهافت فيها، والاشتغال عن الصلوات والعبادات بها. إلا ترى إلى قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28]، وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، وقوله تعالى: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء:3]، أي: ساهية مشتغلة بما لا يعنيها. وفي الآية الكريمة يخاطب القرآن المشركين من قريش وأمثالهم، الذين نزل القرآن يخاطبهم ويحركهم، فقال: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} والتكاثر: تفاعل مشتق من الكثرة، فهم من كثرة ما أوتوا من المال والنعمة والولد، أصبحوا يكاثر بعضهم بعضا. كما هو شأن أهل الدنيا، كما قال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20]، فهذا التكاثر في الأموال والأولاد، ومتاع الحياة الدنيا، هو الذي الهى هؤلاء الذين خاطبهم النص القرآني، وشغلهم عن مصيرهم الذي ينتهون إليه ، وعن أصل حياتهم ووجودهم، وماذا نظروا فيه، وماذا أعدوا له. { حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ } وهكذا الهاهم وشغلهم وفتنهم عن طاعة الله، هذا التكاثر الدنيوي، الذي ينسى الإنسان فيه نفسه، وينسى ربه، وينسى إخوانه، وينسى مصيره، حتى يأتيه الموت فجأة، فينقله إلى رحلة جديدة، حينما يموت ويقبر، فحياته في قبره – وإن طالت- ما هي إلا زيارة توشك أن تنقضي. روى ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران، قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: { الهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ (2)} فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. وقال أبو محمد: يعني: أن يرجع إلى منزله – إلى جنة أو نار- وهكذا فهموا أن زائر المقابر سيرحل من مكانه ذاك إلى غيره. وروى الإمام أحمد في مسنده، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)} وعيد من الله بعد وعيد. تكرار الآية بلفظها، أو بزيادة حرف العطف عليها (ثم) وتكرار حرف (ثم)، وكرر الفعل المضارع مقترنا بسوف، وهو يفيد المستقبل البعيد، وتكرار الجملة الفعلية {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} بوضع الفعل المتعدي موضع الفعل اللازم، لتهويل ما يمكن أن يعلم، والتخويف منه، وهذا التكرار هو ما يسميه النحويون: التوكيد اللفظي، ولا يستعمل القرآن هذا التوكيد، إلا في أحيان قليلة، يريد بها أن يلين القلوب القاسية، وأن ينبه العقول الغافلة، وأن يوقظ الضمائر النائمة، لما يمكن أن يعلموه مما أخفاه الله عنهم، وهو يعلمه: فيا ترى ماذا سيكون حينما ينكشف الغطاء، ويبرح الخفاء. وهو أمر يزعج المشركين، ويخيف المؤمنين. وذكر الإمام الرازي في الجملة المكررة: أن الكلام يتصل بما قبله وبما بعده، أما الأول: فعلى وجه الرد والتكذيب أي ليس الأمر كما يتوهمه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأموال والأولاد، وأما اتصاله بما بعده ، فعلى معنى القسم: أي حقًّا سوف تعلمون، ولكن حين يصير الفاسق تائبًا، والكافر مسلمًا، والحريص زاهدًا. ومنه قول الحسن: لا يغرنك كثرة من ترى حولك، فإنك تموت وحدك، وتحاسب وحدك! وتقريره: {يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} [عبس:34-35]، {وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم:80]، {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94]، وهذا يمنعك عن التكاثر . { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ } جواب هذه الجملة محذوف، وهو من حسن الكلام، يقول الرجل للرجل: لو فعلت هذا! لأي: لكان كذا. كما قال تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الأنبياء:39]، والجواب محذوف، ومثله كثير في القرآن. وقال الأخفش: {لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ} ما الهاكم التكاثر. وقال بعضهم: لو علمتم لأي أمر خلقناكم لاشتغلتم به، وقال غيره: إنما حذف الجواب؛ ليذهب الوهم كل مذهب، فيكون التهويل أعظم. وكأنه قال: لو علمتم علم اليقين لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه، ولكنكم ضُلَّال وجهلة. وعلم اليقين هو العلم الذي وصل إلى مرتبة الجزم، بحيث لا يعتريه تردد ولا تحير، وهو المرتبة الأولى، ويرتقي بعدها إلى مرتبة (عين اليقين) ثم مرتبة أعلى وهي: (حق اليقين). { لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ } لترون: اللام – لقسم محذوف، دلت عليه اللام، والنون للتوكيد، و(الجحيم) اسم من أسماء جهنم، أعاذنا الله من نارها وشرها، وتسمي (الجحيم)، وتسمى (السعير)، وتسمى (لظى)، وتسمى (الهاوية). ولكن القرآن يبرز هذا القسم للناس، أنهم لا محالة سيرون في الآخرة الجحيم، التي أعدها للفجار من خلقه، كما أعد النعيم للأبرار من عباده، {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} [الانفطار:13-16}, { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ } تكرار لرؤية الجحيم، مؤكدة لها، وخصوصا أن رؤيتها أقوى من الرؤية التي قبلها، (عين اليقين)، لن يكون هناك أدنى شك ولا تردد في رؤية الجحيم. فأما المؤمنون فيوقنون بما أخبرهم به ربهم، ويزدادون إيمانا ويقينا بما أكده لهم القرآن. وأما الكافرون فيرونها رؤية من يلامسها ويلابسها ويتذوقها، وكل منهما عين اليقين. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } والراجح أن هذه الآية خطاب للجميع، للمؤمنين والكافرين، كلهم سيسألون عما أعطاهم الله من النعيم، وما منهم إلا منحه الله من نعيمه، ما يستحق أن يُسأل عنه، ويستوجب أن يشكر عليه، كما قال صلى الله عليه وسلم: أي لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما قابلتم به من نعمة من شكره وعبادته. سورة العصر بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } بين يدي السورة: إننا إذا نظرنا إلى الأمة في تعقد مشكلاتها، وتنوع همومها، وكثرة مآسيها وأحزانها فربما غرقنا في هذا البحر الخضم، وتهنا في هذه الصحراء، وهذه المفازة المهلكة الواسعة، ونريد أن نعرف: ماذا نفعل نحن أفرادا أمام هذه المآسي والكوارث والمصائب التي تتوزع أمتنا من هنا وهناك؟ وأريد أن أقول: إن أساس العودة إلى الإسلام التي ننادي بها دائما يبدأ من الفرد. ماذا نعني بالعودة إلى الإسلام؟ ونعني بالعودة إلى الإسلام: العودة إلى الإسلام الصحيح والإسلام المتكامل. لا نعني أننا قد ارتددنا عن الإسلام والعياذ بالله ونريد أن نرجع إليه ، فإن هذه الأمة لازالت مؤمنة بربها، وقرآنها ومحمدها، لازالت مستمسكة بهذه العروة الوثقى، ولكنها أساءت الفهم، وأساءت التطبيق للإسلام، وخصوصا فيما يتعلق بالذين يلون أمرها هنا وهناك، في بلاد شتى، يقربون أو يبعدون عن الإسلام، حتى إن منهم من يحارب الإسلام حربا ضروسا لا هوادة فيها في قلب بلاد العروبة والإسلام. لا أعني بالعودة إلى الإسلام: أن الامة قد ارتدت عن دينها، فمعاذ الله أن أؤمن بذلك، وإنما أعني أن الأمة قد انحرفت وتحتاج إلى أن تستقيم على أمر الله، وأن الامة قد تركت شريعة ربها وحكمت أنظمة وقوانين استوردتها من هنا وهناك، وأن الأمة ساءت مفاهيمها وتصوراتها، فجلبت مفاهيم وتصورات من شرق ومن غرب، وأن الأمة قد اختلطت تقاليدها وأعرافها، فجاءتها أعراف وتقاليد من هنا وهناك، فلابد أن تميز الأمة بين الطيب والخبيث، بين المستقيم والمعوج، بين الأصيل والمستورد، بين ما هو في دين الله وما ليس في دين الله. الفرد أساس الأمة الصالحة: وأول ما يتجلى هذا الرجوع هو في الفرد، فالفرد عندنا هو أساس الجماعة الصالحة، التي هي أساس الأمة الصالحة، لن يصلح حال هذه الأمة إلا بإصلاح أفرادها. إذا أردت أن تبني صرحا عظيما، فلابد أن يبدأ هذا البناء على أساس متين، وأساس هذا البناء كله: اللبنة السليمة، اللبنة الصالحة في بنيان المجتمع هو الفرد الصالح، هو الإنسان الصالح، هو المسلم الصالح، مسلم سورة العصر، المسلم الناجي في سورة العصر، الذي قال الله تعالى فيه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} الإيمان أولا: أول شروط النجاة قبل كل شيء هو الإيمان.. سلامة العقيدة. ظل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما في مكة لا هم له ولا شغل له إلا أن يغرس العقيدة في العقول والنفوس.. أن يبني التوحيد الصحيح.. أن يطرد عبادة الطاغوت، والإيمان بالطاغوت من القلوب. لابد من الكفر بالطواغيت، كل الطواغيت، والإيمان بالله وحده{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة:256]. وقد جاء الأنبياء جميعا ليحرروا الناس من عبادة الطواغيت{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]. {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرَى} [الزمر:17]. فالإيمان كان بداية النجاة من خسر الدنيا والآخرة، الإيمان القائم على التوحيد الذي بعث به الله كل الرسل، وأنزل به كل الكتب. إنما بعث الأنبياء وأنزلت كتب الله عامة من أجل هذه القضية الأولى.. القضية المصيرية.. قضية الوجود كله: أن يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا كان النداء الأول في كل رسالة: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ} [الأعراف:59]، قبل أن ينادي النبي بترك الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، قبل أن ينادي النبي بإصلاح أحوال الناس.. بإصلاح حالة الحياة والمجتمع.. بعدم بخس الأشياء، أو تطفيف المكاييل أو الموازين، أو غير ذلك، يناديهم بعبادة الله وحده: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ}. أول ما يطالب به الفرد أن يقوي إيمانه بالله، أن يصبح الإيمان قاعدة حياته كلها، يتعلم.. ينظر في آيات الله، في الأنفس وفي الآفاق حتى يتبين له أنه الحق: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:20-21]. يقرأ كتاب الله الصامت في هذا الكون، كما يقرأ كتاب الله الناطق. مصحفان لدى كل إنسان: مصحف صامت: هو هذا الكون، ومصحف ناطق: هو القرآن الكريم. لابد للإنسان أن يقوي إيمانه عن طريق التأمل والنظر في الكون، والنظر في النفس والنظر في التاريخ، عن طريق التفكر في خلق السماوات والأرض، عن طريق المعرفة والدراسة للقرآن وللسنة يزداد المؤمن إيمانا، يقوي إيمانه بربه، ويقوي إيمانه بلقائه وحسابه وجزائه، فإن هذه الحياة الدنيا أيام معدودة وأنفاس محدودة، ثم يطوى كتابها، وينتقل الإنسان إلى حياة أخرى، يخلد فيها في عمله، ويجزى بما كسبت يداه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة:7-8]. فلابد من الإيمان، لكن القرآن حين أشار إلى أن الإنسان في خسر واستثنى المؤمنين الناجين من الخسران، عبر عن الإنسان الناجي بصيغة الجمع فقال: { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } أي لا نجاة للفرد وحده، لابد أن يضع يده في يد إخوته المؤمنين. لا يوجد في الإسلام إنسان ينجو وحده، فـ»يد الله على الجماعة، ومن شذ، شذّ إلى النار»، و»إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، لهذا عبر القرآن عن النجاة بصيغة الجماعة فقال:{ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا }. لا يعيش المؤمن وحده، ولا يعمل وحده، وإنما يعمل مع الجماعة المؤمنة، يوادها وتواده، يرتبط بها وترتبط به، ينصح لها وتنصح له، يواليها وتواليه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71]. المسلم يقف بين يدي الله فيقرأ الفاتحة، ويتلو في هذه الفاتحة قول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ*اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:5-6] بصيغة الجمع، ولو أنه يصلي فردا، ولو كان في قعر بيته خاليا لا يراه أحد، فإنه ينادي ربه بهذه الصيغة: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وإذا دعا دعَا للجماعة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ}؛ ذلك لأن الإسلام يريد أن يغرس في نفس كل مسلم روح الجماعة، فإذا ناجى ربه فإنما يناجيه بلسان الجماعة، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، يتحدث بلسانهم، ويتمثلهم في ضميرهم، ويعبر عنهم بكلامه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ}. عمل الصالحات: أول خطوات النجاة للفرد الذي نريده أساسا للإصلاح هو: الإيمان. ولكن الإيمان الحقيقي هو الذي يثمر عملا، لا معنى للإيمان بلا عمل، ولا معنى للعلم بلا عمل. أسلافنا قالوا: علم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر، أو سحاب بلا مطر. ثمرة العلم: العمل، وثمرة الإيمان: العمل. لابد للإيمان من عمل: لابد أن يتجلى الإيمان في عمل، ولابد أن يتجلى العلم في عمل. كان اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرفون الإيمان إلا مقرونا بالعمل، كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإيمان هو الذي يثمر العمل، وأي عمل؟ عمل الصالحات. ولهذا قال: { إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [التين:6، العصر:3]. الصالحات تعبير قرآني يشمل كل ما يصلح به الفرد ويصلح به المجتمع، من الناحية المعنوية أو الناحية الحسية، من ناحية الروح أو من ناحية المادة. كان هؤلاء الصحابة أسرع الناس إلى العمل وإلى الجهاد وإلى البذل، لو نزلت آية كريمة كانوا أسرع الناس إلى تنفيذها. نزل قوله تعالى: { لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران:92]. فجاء الصحابة يبذلون أفضل ما عندهم، حتى إن أبا طلحة كان عنده حائط (بستان) من أفضل البساتين، يقدر بكذا وكذا، فجاء يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أشهدك أني جعلته في سبيل الله. لم يكن القرآن ينزل لمجرد أن يتلذذوا بتلاوته أو بسماعه، ولكن يجعلوه واقعا حيًّا في حياتهم ومسيرتهم. الإيمان وعمل الصالحات هو ما نريده من الإنسان الناجي، الإنسان الذي هو أساس المجتمع الصالح. التواصي بالحق: والشرط الثالث الذي دلت عليه سورة العصر: التواصي بالحق. والتواصي صيغة (تفاعل)، كما يقول علماء العربية، التواصي تفاعل من الجانبين، التواصي: أي توصي غيرك بالحق، وتقبل من غيرك الوصية بالحق، فليس هناك أحد أصغر من أن يوصِي، وليس هناك أحد أكبر من أن يوصَى، الحق فوق الجميع. التواصي بالحق يعني كل واحد يوصي غيره بالحق، وأقرب الناس إلى أن توصيهم بالحق من كانوا في ذمتك.. من كانوا في حضانتك.. من كانوا تحت رعايتك.. زوجتك.. أبناؤك.. بناتك.. إخوتك الذين يعيشون معك.. الذين يكونون تحت رئاستك وإدارتك.. كل من لك سلطان عليه ينبغي أن توصيه بالحق. التواصي بالحق: الاهتمام بأمر الآخرين، هذا هو شأن الإنسان المسلم. التواصي بالصبر: الشرط الرابع الذي أرشدتنا إليه هذه السورة – التي قال عنها الإمام الشافعي: لو عمل بها الناس لكفتهم! هذه السورة التي تكتب بأقل من سطرين في المصحف الشريف لو عمل بها الناس لكفتهم، لأنها رسمت منهجا كاملا للإنسان –هو: التواصي بالصبر. وذلك أنه لا يوجد حق بغير صبر، إذا تواصى الناس بالحق، فإن تكاليف الحق ثقيلة، وإن طعم الحق مر، وإن طريق الحق محفوف بالأشواك، بل مليء بالأشواك، مدرجة بالدماء. الإيمان يهون عليه كل المتاعب، ويسهل عليه كل المصاعب، ويستصغر من أجله كل ما يلقى في الله. هذا هو الصبر، هذه هي النفوس التي رباها الإسلام، هذا هو الفرد الذي نريده إذا كنا نريد تغيير مجتمعنا من حال إلى حال أحسن. اللهم اجعلنا من الذين يؤمنون فيعملون، فيتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر، اللهم آمين. بقية الحلقات في صفحة إسلاميات كل يوم الجمعة