النساء يكسبن علاقات جديدة ممتدة في التراويح
تحقيقات
18 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - رانيا غانم
بعلبة من التمور الفاخرة تدور عائشة بين الحاضرات في مصلى النساء خلال صلاة القيام التي تحرص الفتاة -طالبة الإعدادية- على حضورها مع والدتها وشقيقتها الكبرى وزوجة أخيها. واعتادت الأم على حمل بعض الحلوى والتمور مرة كل عدة أيام لتقديمها للحاضرات كنوع من المظاهر الطيبة للشهر «الكريم». وتسعد عائشة كثيرا بالدور الذي تقوم به في توزيع الضيافة على الحاضرات، رغم أنها كانت ترفض هذا في البداية.
في العام قبل الماضي طلبت مني أمي تقديم الحلوى للمصليات، لكنني رفضت لأنني أخجل من فعل هذا، وكنت أقول لها نحن في بيت الله وليس بيتنا لنقدم الضيافة للحاضرات، لكن وجدت فيما بعد أن هذا الأمر عادي جدا وتفعله الكثيرات، وطلبت أنا من أمي القيام بهذا الدور بدلا من شقيقتي الكبرى، والآن أصبحت أسعد بذلك كثيرا، خصوصا وأنا أقدم الحلوى للفتيات الصغيرات اللاتي يحضرن بصحبة والداتهن إلى الصلاة، حيث يعد هذا نوعا من التشجيع لهن على القدوم إلى المسجد وأداء صلاة القيام، فهو يصبح جوا احتفاليا جميل يمكن أن يجذبهن للصلاة والمساجد. وتتابع: «الآن أصبحت أعد بنفسي بعض أنواع الحلوى التي نقدمها في المسجد، ولا يهم أن تكون الكمية كبيرة؛ لأن هناك أخريات يحضرن أنواعا أخرى من الحلوى أو المخبوزات الصغيرة والتمور وأحيانا العصائر والقهوة، كل شيء وبأي كمية ممكن حمله إلى المسجد وتوزيعه على الحاضرات».
تمور وأشياء أخرى
التمور بأنواعها وأصنافها المختلفة هي أكثر ما يتم إحضاره لتوزيعه وتناوله في الاستراحات خلال صلاة القيام، أحيانا تكون العلبة كبيرة جدا وأحيانا من الأحجام الوسط أو الصغيرة، حسب استطاعة كل سيدة ورغبتها، وتختلف الأنواع بين التي تحتوي على تمور بالنوى أو المخلاة، وأخرى محشوة بالمكسرات المختلفة، وحتى التمور المغطاة بالشكولاتة تكون حاضرة لتوزيعها على الصغار بشكل خاص، بينما تحمل بعض السيدات والفتيات الأكبر سنا لهن السكاكر وأنواع الشيكولاتة الصغيرة وغيرها من الحلويات الملونة لتوزيعها عليهم بين الركعات.
الماء.. ثواب
زجاجات المياه المعبأة الصغيرة هي الأخرى من أهم من يتم تداوله داخل المسجد، وذلك لارتفاع حرارة الجو الآن التي تتطلب شرب المزيد من الماء، وبرغم أن كثير من المصليات يحضرن حاملات زجاجات خاصة بهن فإن أخريات يكن في أمسّ الحاجة إلى شربة ماء تقدمها لهن أخريات من الحاضرات أو البنات الصغيرة التي توكل لهن غالبا مهمة التوزيع داخل المسجد لسهولة مرورهن بين الموجودات، وهي مهمة تقبل عليها الفتيات بحب كبير، رغبة في الحصول على أكبر قدر من «الثواب» والحسنات في هذه الأيام الرمضانية المباركة.
سوالف حريم
السوالف والحكايات أمور لا تخلو منها مجالس «الحريم»، حتى ولو كانت خلال الصلوات، فالدقائق التي تفصل بين صلاة العشاء والتراويح والأخرى التي تكون في منتصف ركعات صلاة القيام للراحة تكون فرصة مواتية للنساء لتبادل أطراف الأحاديث المختلفة الموضوعات، وقد تكون البداية من الحلوى المقدمة إليهن خاصة إذا كانت منزلية الصنع، فبعد كلمات الشكر وغيرها يبدأ السؤال عن كيفية عملها، وأفضل طريقة تخرج بها، ومن أي شيف أو برنامج تلفزيوني لنجوم الطهاة أخذت الوصفة، لتدلو أخرى بدلوها وتقدم طريقة مختلفة تقول إنها مجربة وأثبتت نجاحها، وهكذا تمر الدقائق سريعا ولا يتوقف الحديث إلا مع تكبيرة الإمام لاستئناف الصلاة مجددا. تقول أم سالم: «لا أجد حرجا في الحديث خلال فترة الاستراحة، فنحن في المسجد نجد الكثير من الصديقات والجارات، وتكون فرصة طيبة للحديث معهن، فأيام رمضان قصيرة ما بين إعداد موائد الإفطار والصلاة وقراءة القرآن، ثم السهر لإعداد السحور وبالتالي النوم ثم الاستيقاظ متأخرا، ولا توجد فرصة للذهاب إلى الصديقات والجارات أو حتى محادثتهن هاتفيا خلال هذا اليوم المكتظ، ويكون تجمعنا في صلاة القيام فرصة طيبة للحديث والسؤال عن أحوال بعضنا البعض، لكن لا يكون هذا هو الحال في كل الأوقات فأحيانا نفضل الاستماع إلى خطبة الإمام أو الخطيب، خاصة إذا كان من الشيوخ الذين يحبهم الجميع، أو كان موضوع الخطبة مشوقا، وفي كل الأحوال نحن نتحدث بصوت منخفض جدا حتى لا نؤثر على الأخوات الأخريات الراغبات في الاستماع إلى الخطبة». وتتدخل إحدى صديقاتها قائلة: «من المعروف أن التعارف وتوطيد العلاقات بين الناس هو من أهم أهداف صلاة الجماعة لدى المسلمين ويزيد هذا في شهر رمضان الفضيل، وطالما لا يؤثر على صلاة الآخرين فلا مشكلة فيه». سألت السيدة عن الموضوعات التي تغلب على أحاديثهن في فترة الاستراحة فقالت: «لا شيء محدد، لكن بما أنه رمضان فالحديث غالبا يكون عن أنواع الطعام التي أعددناها، والأطفال الصغار الذين يصومون للمرة الأولى في بيوتنا، أو حتى عن مشكلات عامة، فمنذ أيام فتحت إحدى الحاضرات موضوع مأساة الصومال في حديثنا، وكانت النتيجة هي عزم كل واحدة منا على التبرع بمبلغ كبير للإخوة في الصومال فور خروجنا من المسجد، وتطوعت إحدانا فجمعت الأموال منا وقدمتها إلى إحدى الجمعيات الخيرية، وأحضرت لنا الإيصالات في اليوم التالي، فالحديث خلال الصلاة يمكن أيضا أن يكون نوعا من فعل الخير ومن العبادة والتكاتف بين المسلمين في أرجاء الأرض». سألتها: وماذا عن المسلسلات ألا يكون لها جانب من أحاديثكن، فأجابت مستنكرة: «بالطبع لا، فهذا ليس المكان المناسب لأحاديث كهذه، ألا يكفي أنها تضيّع وقت الكثيرين طوال نهار وليل رمضان، لنحضرها معنا إلى المساجد وتفسد صلاتنا، بالفعل لم أجد ولا واحدة تحدثت عن المسلسلات في المسجد، على الأقل لم يحدث هذا أمامي!».
صداقة للأبد
ولا يقتصر الحديث بين الصديقات فقط، فهنا صداقات جديدة يتم تكوينها، «وهل هناك أفضل من صداقات المساجد» كما تقول أم أسعد التي أكدت لـ «العرب» أنها حصلت على أفضل صديقات عمرها من المسجد «قبل ثلاث سنوات وفي نفس هذا المسجد تقابلت مع سيدة فاضلة، كنا متجاورتين في الصلاة، وخلال الصلاة وجدت أنها لا تقوم بإحدى حركات الصلاة على الوجه الصحيح، كنت متحرجة أن أقول لها هذا، لكن وجدت أنه من واجبي وحقها على أن أدلها إلى الطريقة الصحيحة، فتوكلت على الله وقلت لها وأنا اخشي من رد فعلها كبعض الأخوات اللاتي ينظرن بضيق لمن يقدم لهن النصيحة، لكن على العكس وجدتاها تتقبل ما قلته لها بصدر رحب، بل وشكرتني عدة مرات ودعت لي بالأجر والثواب، وقتها عرفت أنها إنسانة طيبة ومعدنها جيد، ومن يومها صرنا صديقتين حميمتين، وهي تأتي معي للصلاة لكنها مسافرة الآن خارج البلاد».
من أول يوم
ويكثر التعارف بين الحاضرات الذي يتحول الكثير منه على نهاية الشهر إلى صداقة وطيدة، وإن كانت ربا ولمى الطالبتان بالجامعة لم ينتظران حتى نهاية الشهر، لكنهن أصبحتا صديقتين منذ اليوم الأول من رمضان، فهما طالبتان بالكلية نفسها، لكن بأقسام مختلفة، وبعد تعارفهن في اليوم الأول قررتا أن تصبحا صديقتين.
وأصبح مألوفا خلال «تراويح النساء» مشهد تبادل أرقام الهواتف تمهيدا لعقد صداقات طويلة بعد التعارف الذي تم خلال الصلاة.