محاربة الديون السلبية تنقية للأجواء المالية والاقتصادية بالدولة

alarab
اقتصاد 18 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - محمد أفزاز
أشاد رجال أعمال واقتصاديون بحملة «الدين شين» التي أطلقتها مؤسسة «راف» الخيرية لمحاربة الديون السلبية، واعتبروها خطوة نحو تطويق واحدة من الظواهر التي تهدد النسيج المجتمعي، وتقوض دينامية البنوك والمؤسسات المالية، وتكسر من سرعة التنمية والنمو بالبلد. وشدد هؤلاء في تصريحات لـ «العرب» على أهمية تكاتف الجهود بين أجهزة الدولة والبنوك من جهة ومؤسسات المجتمع المدني من جهة لتصفية الأجواء الاجتماعية والمالية والاقتصادية من شوائب الديون غير المنتجة، والقروض المتعثرة. يأتي ذلك فيما بلغ حجم الديون الاستهلاكية الموجهة من قبل البنوك القطرية نحو 62.5 مليار ريال حاليا مقتطعة خُمس الائتمان المحلي. أثنى محمد بن طوار الكواري، نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر، على حملة محاربة الديون السلبية «الدين شين» التي أطلقتها مؤسسة «راف» الخيرية بداية شهر رمضان المبارك. وقال محمد بن طوار إن مثل هذه المبادرات تعكس انخراط المؤسسات الخيرية والاجتماعية في أداء واجبها الإنساني والاجتماعي تجاه المجتمع، خاصة الفئات المعسرة منها. وأضاف أن حملة «الدين شين» تعبر عن وجه آخر من التعاون بين المؤسسات والجهات المختصة لمواجهة واحدة من الإشكاليات الإنسانية والمالية الضاغطة التي يعرفها ليس المجتمع القطري فحسب بل كافة المجتمعات. وشدد محمد بن طوار على ضرورة تكثيف الجهود بين مكونات النسيج المجتمعي لمحاصرة هذه الظاهرة، ورفع مستوى وعي الناس بحجم تأثيراتها السلبية ليس على تماسك الأسر والعائلات ومصائر الأفراد فقط بل وعلى النسيج الاقتصادي وأداء الجهاز المصرفي المحلي بشكل عام. ورأى بن طوار أن عملية ضبط الديون وتوجيهها الوجهة الصحيحة، يسهم بشكل مباشر في ضمان أوضاع هادئة داخل الأسر بل واستقرار الأوضاع الاقتصادية، والمالية بالبلد. واعتبر محمد بن طوار الكواري أن أية حملة أو تحرك غايتهما تثقيف الناس بضرورة التعامل بحذر مع مسألة الاستدانة للاستهلاك، إنما هي خطوة على الطريق الصحيح نحو تماسك الأسر من جهة، ودعم أداء المؤسسات المصرفية والمالية من جهة ثانية، في إشارة إلى تأثير حجم الديون المتعثرة على النتائج المالية للبنوك. وتقول مؤسسة «راف» للأعمال الخيرية إن الحملة تنطلق في المجال التوعوي لمحاربة الديون السلبية وستمر بالعديد من المراحل: الأولى بدأت في أول أغسطس وتستمر حتى أول أكتوبر المقبل يتم خلالها توعية عموم الجمهور من خلال مختلف الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة وكذا المحاضرات والدروس وغيرها، والثانية تبدأ من 2/10/2011 إلى 30/12/2011، تثقيفية، يستفيد أثناءها الشباب في المدارس والجامعات والنوادي الثقافية والرياضية من مجموعة من الدورات المجانية ذات العلاقة بمهارات الثقافة الاستهلاكية وإدارة الميزانية. وتشير المؤسسة إلى أنه بالموازاة مع هذه المراحل تم إطلاق حملة تسويقية لصالح صندوق الغارمين، مع بداية رمضان المبارك، تم من خلالها التواصل مع جميع الفاعلين الاقتصاديين في البلد، من مؤسسات وأفراد، ليكون للجميع دور في خدمة المجتمع وتحمل المسؤولية الاجتماعية. رقابة من جهته أشاد عبدالعزيز العمادي، رجل الأعمال المعروف ونائب الرئيس غرفة تجارة وصناعة قطر سابقا، بحملة «الدين شين»، معتبرا إياها خطوة جيدة لتوعية الناس بخطورة الإفراط في الاستدانة لغرض الاستهلاك فقط. وأكد عبدالعزيز العمادي على أهمية مثل هذه الحملات في توعية الناس وتثقيفهم بمساوئ الاستدانة المفرطة، مع التركيز على الدور الرقابي لمصرف قطر المركزي على عملية الإقراض لدى البنوك والمؤسسات المالية. وأوضح عبدالعزيز العمادي أن مقاربة مثل هذه الظواهر تبدأ بإدراك المشكلة وأسبابها قبل الحديث عن طرق علاجها. وقال في هذا الصدد: «المخطئ الأول في حقيقة الأمر هو المستدين نفسه الذي يُفرِط في الاستدانة دون إدراك العواقب المستقبلية عليه وعلى أسرته أو عائلته». وأضاف: «أما المخطئ الثاني فهي البنوك التي كانت تمنح قروضا للأشخاص دون تقدير لملاءتهم المالية، بحثا عن الأرباح فقط، قبل أن تصبح (هذه البنوك) ملزمة بسقوف قانونية تحددها قرارات مصرف قطر المركزي». وعبر عبدالعزيز العمادي عن استغرابه لما كان يحصل في فترة سابقة عندما كان يستدين الشخص من أكثر من بنك وبمبالغ كبيرة موجهة للاستهلاك دون أن يسأله أي بنك عن قدرته على السداد، وقال: «كان هناك تعدد للديون بالنسبة للشخص الواحد وبمبالغ كبيرة بيد أن أجره الشهري لا يفي حسابيا لأداء ما في ذمته لكافة هذه الجهات.. من هنا بالذات بدأت المشكلة». ولفت العمادي إلى ما قال إنها ضغوط كبيرة تمارسها الإعلانات المغرية للبنوك التي تدفع الناس إلى الاستدانة تحت طائلة انخفاض الفوائد أو الأرباح على القروض إلى حد الحديث عن الفوائد الصفرية «وكأننا إزاء جمعيات خيرية وليست مؤسسات مالية ربحية». وشدد العمادي في هذا الإطار على ضرورة أن تتحمل البنوك مسؤوليتها في درء التأثيرات السلبية للديون السلبية، من خلال البحث في مستوى ملاءة الأشخاص وقدراتهم على أداء الديون قبل منحهم أية قروض شخصية. وقال العمادي: «هذه ليست دعوة إلى تشديد الشروط على الإقراض بقدر ماهي دعوة إلى التحلي بأكبر قدر ممكن من المسؤولية عند منح القروض بشكل لا يؤثر على الأفراد والبنوك في الآن ذاته»، مضيفا بالقول: «لا بد للبنك المقرض أن ينظر في قدرة الأفراد على السداد قبل اتخاذ أية خطوة جديدة». تدريب وإدارة بدوره توجه هاشم العوضي، نائب الرئيس التنفيذي لشركة رتاج، بالشكر لمؤسسة راف الخيرية على مبادرتها بشأن حملة محاربة الديون السلبية «الدين شين»، مؤكداً أن مثل هذه الحملات تفرج الكرب عل المعسرين وتحمي النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلد من المخاطر المحدقة به. وقال: «نشكر الإخوة في مؤسسة راف على حملتهم ونتمنى لهم التوفيق في مبادراتهم الجيدة لخدمة المجتمع». وأضاف العوضي أن مثل هذه الحملات يتعدى تأثيرها الإيجابي الأفراد المعسرين إلى الأسر والعائلات والاقتصاد القطري بشكل عام. وحذر العوضي من أن تستمر البنوك في منح القروض الشخصية دون القيام بدراسات لمستوى ملاءة الأفراد وقدرتهم على السداد، معتبرا أن أحد أسباب تعثر الناس في أداء ديونهم هو عدم مساعدتهم من قبل البنوك في تحديد قدرتهم على الأداء. وقال: «كيف تمنح ديون بملايين لأشخاص أجورهم متوسطة إلى ضعيفة»، مطالبا البنوك بالبحث في الحالة المالية للأشخاص قبل اتخاذ قرارات بمنحهم قروضا من عدمها. وتمنّى هاشم العوضي على مؤسسة راف ألا تركز في حملتها هذه على سداد ديون المعسرين أو الغارمين فقط بل مساعدة الناس وتثقيفهم وتدريبهم على إدارة ميزانياتهم وتقدير حجم قدراتهم المالية ومستويات إنفاقهم تجاوزا للوقوع في أية ضائقة قد تهدد كيان الأسرة والعائلة. واقترح على المشرفين على حملة «الجين شين» أن يوسعوا من نطاق عملهم، لينسقوا مع بيوت خبرة ومصرف قطر المركزي وجهات مالية أخرى من أجل القيام بدورات تكوينية وبرامج تأهيلية لأرباب ومعيلي الأسر والشباب، للتعاطي مع محافظهم المالية وتحذيرهم من الإفراط في الاستدانة. وقال إن الحملة يفضل أن تشمل أيضا برامج تثقيفية حول الحياة المالية للأفراد والأسر ومساعدة الناس على إدارة ميزانياتهم بشكل يجنبهم الوقوع في آفات مالية خطرة». تنمية على الجانب الآخر قال المحلل المالي نضال الخولي إن حملة راف لمحاربة الديون السلبية مهمة جدا لتوعيتهم بخطورة الإفراط في الاستدانة للغايات الاستهلاكية، مضيفا أن مثل هذه الحملات تهدف إلى تغيير السلوك الاجتماعي إزاء واحدة من أخطر الآفات الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية. ولفت نضال الخولي إلى أن الإفراط في الاستدانة دون القدرة على السداد يهدد عمل البنوك والمؤسسات المالية ويرفع من نسب الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها إلى إجمالي الديون. وقال الخولي: «كلما ارتفع مستوى الديون المتعثرة أثر ذلك سلبا على أداء الجهاز المصرفي الذي يعد المحرك الأساس للاقتصاد». وتشير معطيات مصرف قطر المركزي إلى أن نسبة الديون المتعثرة إلى رأس المال الأساسي انتقلت من %06 عام 2007 إلى %1.3 العام الماضي. أما المحلل المالي أسامة عبدالعزيز فقال إن الإفراط في الاستدانة من جانب الأفراد والإفراط في الإقراض من جانب البنوك دون اعتبار للسقوف القانونية التي يضعها مصرف قطر المركزي يعرض الأشخاص والبنوك لتعثرات مالية تمتد آثارها السلبية لتشمل الأسر والمجتمع والاقتصاد ككل. وأشاد أسامة عبدالعزيز بحملة راف الخيرية، ورأى فيها مبادرة نحو تطويق واحدة من الظواهر التي باتت تهدد العالم بأسره. وأكد أنها خطوة باتجاه توعية الناس بضرورة الاستدانة وفق خطط وبرامج واضحة، وبانسجام تام مع القدرات المالية للأفراد والأسر. وبيَّن أسامة عبدالعزيز أن هذه الحملة ذات طابع اجتماعي وإنساني، لكن لها فوائد اقتصادية كثيرة، وقال: «الدور الاجتماعي دائما ما يسند الدور الاقتصادي فأحدهما مكمل للآخر». وفضل أسامة عبدالعزيز ألا تقتصر حملات التوعية بخطورة الديون السلبية على رمضان فقط بل على مدار السنة كاملة بتنسيق مع كافة الجهات المعنية لتحقيق غرض محاصرة الظاهرة وتوجيه عملية الإقراض والاقتراض الوجهة الصحيحة التي تسهم في تنمية المجتمع ككل. ولفت أسامة عبدالعزيز إلى أن المشهد الاقتصادي لأي مجتمع يشهد على العديد من التناقضات، من بينها ذلك التناقض بين دور المؤسسات الاجتماعية والتثقيفية التي تقوم بتوعية الناس بالاقتصاد في الاستهلاك والاستدانة وفق القدرات المالية، وبين المؤسسات الربحية التي تدفع الناس وفق نظام الإعلانات إلى مزيد من الاستهلاك. وقال في هذا الإطار في الوقت الذي لا تستطيع فيه الدول في الاقتصادات الحرة أن تمنع المعلنين من إطلاق حملاتهم الإعلانية المغرية، لأن ذلك جزء من العملية التجارية ككل، فإنها في المقابل (أي الدولة) تتحمل مسؤوليتها على صعيد الرقابة.. بيد أن المجتمع المدني بمؤسساته الخيرية والاجتماعية يتولى دور التثقيف والتوعية. ديون كبيرة وتشير إحصاءات حديثة لمصرف قطر المركزي إلى أن حجم القروض الموجهة من البنوك القطرية لغرض الاستهلاك (ديون استهلاكية) نمت بواقع %61.3 خلال الفترة من 2006 إلى 2010 منتقلة منها إلى 35.17 مليار ريال 2006 إلى 56.73 مليار ريال العام الماضي، بيد أن المعطيات نفسها تفيد أن حجم هذا النوع من القروض بلغ 62.5 مليار ريال بنهاية يونيو الماضي. وتشكل الديون الاستهلاكية ما نسبته %19.67 من إجمالي الائتمان المحلي الموجه للاقتصاد بشكل عام، متبوئة بذلك المركز الأول تليها القروض الموجهة للعقارات (61.2 مليار ريال) والتجارة العامة (32.7 مليار ريال). وانخفضت نسبة الديون الاستهلاكية إلى إجمالي الائتمان المحلي من %37.1 سنة 2006 إلى %20.3 ثم إلى %19.68 متأثرة فيما يبدو بمفعول سلسلة من القرارات التي اتخذها مصرف قطر المركزي لضبط سقوف الديون الموجهة للأفراد، كان آخرها تعميم رقم 36 لعام 2011، والخاص بـ «الائتمان الممنوح مقابل الراتب»، والتعميم رقم 32 لعام 2011، والذي يهم «إدارة مخاطر الائتمان». ومن أبرز مقتضيات التعميم رقم 36 خفض مدة الإقراض أو التمويل القصوى بالنسبة للمقيمين إلى 4 سنوات بدلا عن 6 سنوات فيما سبق، وجعل الحد الأقصى للفائدة أو العائد على هذه القروض والتمويلات في (سعر المصرف زائد %1.5) للمواطنين والمقيمين، وعدم تجاوز قيمة القرض أو التمويل لشراء السيارات متضمنا الفائدة أو العائد عليه عن %80 من قيمة السيارة مع رهنها لصالح البنك بالنسبة للمقيمين، فضلا عن أن إجمالي الالتزامات الشهرية مقابل الراتب قد حددها التعميم في %75 من مجموع الراتب الأساسي والعلاوة الاجتماعية فقط بالنسبة للمواطنين القطريين، و%50 من إجمالي الراتب للمقيمين. ويضاف إلى دور مصرف قطر المركزي ذلك الدور المتوقع لمركز قطر للمعلومات الائتمانية الذي تم افتتاحه في الفترة الأخيرة، والذي سيضطلع بدور كبير في تزويد البنوك والمؤسسات بتقارير مفصلة عن مستويات الملاءة المالية والمراكز الائتمانية للأفراد والمؤسسات للارتكاز عليها عند إجراء آية عملية للإقراض في المستقبل، تحاشيا للوقوع في مشاكل مماثلة لتلك التي خلفتها أزمة الائتمان العالمية لعام 2008، والتي ما تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن.