الشيخ شيبان حارس القيم الذي جمع فرقاء السياسة وحارب التنصير

alarab
باب الريان 18 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - إسماعيل طلاي
قليلون جدا هم الرجال الذين وفقهم الله لأن يجمعوا في حياتهم وبعد مماتهم رجالا من مختلف الأطياف والمشارب الفكرية والميولات السياسية، مع اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، تلك نعمة حبا الله بها فقيد الجزائر والأمة الإسلامية الشيخ عبدالرحمن شيبان الذي وافته المنية في يوم مبارك، وشهر مبارك، يوم الجمعة 12 رمضان الحالي، عن عمر يناهز 93 عاما. الرجل الذي عاش طيلة حياته مقتديا بنهج قدوته ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبدالحميد بن باديس، استلم المشعل، وحافظ طيلة حياته على رسالة الجمعية، ولم يتخل عنها إلا بعد أن انطفأت روحه وعادت إلى خالقها، تاركا من حوله أعمالا صالحة ومواقف تاريخية سيذكرها له التاريخ، وهو الذي نجح في حياته أن يجمع بين الفرقاء السياسيين الجزائريين في أكثر من مناسبة طيلة حياته، وها هو يجمعهم مجددا بعد وفاته، بعد أن تدفق الآلاف لتوديع المرحوم في جنازة مهيبة بمسقط رأسه، بمنطقة البويرة في الجزائر. علي بلحاج، عبدالعزيز بلخادم، أو جرة سلطاني، علي بن فليس، وسياسيون آخرون، إلى جانب مجاهدين سابقين، وجزائريين من مختلف الأطياف الاجتماعية، فقراء وأغنياء، حضروا لدفن الفقيد إلى مثواه الأخير، وهم يذكرون له جهاده في سبيل المحافظة على القيم الإسلامية ووحدة الجزائر، ناهيك من دفاع عن قضية فلسطين، وقضايا الأمة العربية والإسلامية. وفي برقية تعزية إلى أسرته، نوه الرئيس الجزائري السيد عبدالعزيز بوتفليقة بمناقب المرحوم الشيخ عبدالرحمن شيبان، قائلا: «لقد جبل الفقيد على التقى ونشأ على تحصيل العلم والمعرفة، وجاهد في سبيل عقيدته ووطنه حق جهاده، وتأدب فدانت له العربية بيانا فتعمق فيما درس ودارس. وبرز أكثر ما برز حين تولى وزارة الشؤون الدينية التي أعطاها من وقته وروحه ومن إصلاحاته وتوجيهاته الكثير الكثير مما جعله محل إكبار وتقدير من كل الذين عملوا معه وزاملوه أو احتكوا به». بدوره، قال عبدالقادر بن صالح رئيس مجلس الأمة الجزائري: «إن مناقب المرحوم فضيلة الشيخ عبدالرحمن شيبان عديدة ومشرفة. لقد فقدنا فيه فقيها موثقا وعالما وإماما من أعلام وأئمة عصرنا هذا في الجزائر والعالم العربي والإسلامي» مضيفا: «فالمرحوم من رجالات الجزائر الذين وهبوا حياتهم لخدمتها في مراحل ومواقع عديدة، في مرحلة الجهاد والذود عن حياض الأمة في رحاب المدرسة الباديسية من المسخ الروحي والثقافي المدبر في ليل الاستعمار، وبعد ذلك في موقع المسؤولية وزيرا للشؤون الدينية ومن مكانته رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وريثة فكر الأسلاف من العلماء الجزائريين». وأكد بن صالح أن المرحوم «دافع بحزم وثبات دون تعصب عن هوية الأمة دينا ولغة وثقافة من خلال نشاطات الجمعية مع رفقائه من جيله ومن جيل الشباب، فظل دائما داعيا إلى التمسك بمقومات هويتنا الوطنية مع التفتح على العالم وثقافته وحضاراته». في حين قال الوزير الأول أحمد أويحيى: «إن الجزائر تكون قد فقدت برحيل الشيخ شيبان أحد أعلامها الأجلاء الذين سجلوا أسماءهم بأحرف من ذهب في سجل تاريخ بلادنا المعاصر، وأسهموا أيما إسهام في الجهاد من أجل تحرير الجزائر من براثن الاستعمار والتخلف قبل أن يساهم بعد الاستقلال في بناء الفرد الجزائري معلما ومربيا ومرشدا ووزيرا وعالما وفقيها». نجله: والدي طلب جواز حج لمواطنين دقائق قبل وفاته وبمناسبة التأبينية التي نظمتها جريدة «الشروق اليومي» للمرحوم، قدم عبدالحميد أكبر أبناء الشيخ عبدالرحمن شيبان شهادة عن والده، قائلا: «كان شديد التأثر بالعلامة عبدالحميد بن باديس، وقد سماني وأنا ابنه الأكبر عبدالحميد، وكانت حياته على نهجه. فقد كان محبا للعلم وكان يحثنا على طلبه بصفة دائمة، وكان يحثنا أيضا على تعلم اللغة العربية والوحدة والتمسك بالأخلاق الفاضلة. وصايا والدي لم تكن للعائلة الصغيرة فقط، بل كان قصده دائما الجزائر والأمة العربية والأمة الإسلامية جمعاء». وبين أن المرحوم له يد طولى في فعل الخير «كان نعم الأب ونعم العم ونعم الخال ونعم المربي ونعم الجد ونعم الابن، بل إنه كان يحترم ويقدس والده وعلمنا الشيء نفسه. فكل أبناؤه يرون فيه الأسوة الحسنة، فقد كان يرأف بنا ولم يتخلى يوما عنا، بل أنه عندما قصد تونس أصر على اصطحاب شقيقيه لنهل العلم، أين ادخلهما المدرسة الابتدائية. كرم الشيخ شيبان وطيبته وخصاله الحميدة كثيرة جدا». وعن آخر ما عهده بوالده، تحدث عبدالحميد، وهو رئيس محافظة قسنطينة (شمال الجزائر) قائلا: «بحكم مسؤولياتي الكثيرة، كنت مجبرا على ترأس اجتماع مهم يوم الخميس الماضي. استأذنت الوالي الذي تفهم الوضع واستجاب الله لدعائي، حيث وصلت على الساعة الخامسة مساء وبقيت إلى جنبه إلى أن وافته المنية وخلال جلوسي إليه قال لي «هل يمكن أن توفر لي جوازين للحج». لم ينس وهو على فراش الموت من طلب مساعدته على أداء مناسك الحج. دعم الفلسطينيين وفي تصريح لذات الصحيفة، بمناسبة قافلة الحرية التي زارت غزة شهر يونيو الماضي، أثنى المرحوم على المبادرة، ووجه رسالة لنصرف الفلسطينيين بقوله: «إن هذا العدوان هو فرصة للولايات المتحدة الأميركية إذا أرادت أن تراجع موقفها وتنظر إلى الأمور بصورة واقعية وتقف مع القضايا العادلة»، مطالبا الحكام العرب بأن لا يفرطوا في الدماء التي سالت على البحر المتوسط نصرة لقضية عربية، ودعاهم إلى سحب مبادرة السلام العربية التي لم تعد لها أي أهمية بعد الجريمة التي قامت بها إسرائيل، كما وجه رحمة الله عليه تحية إلى الشعب التركي وقيادته ودعاهم إلى عدم التوقف عن مناصرة القضية الفلسطينية، وأن يكون استشهاد أفراد من المتضامنين الأتراك حافزا لمواصلة الدعم لا سببا لتوقفه. وقال الشيخ شيبان: «وصلنا إلى محطة بارزة وحاسمة.. بالصبر والتضحية سنحقق النصر». آخر صلاة له مع أبنائه بدوره، تحدث نجله محمد الأمين عن الأيام الأخيرة للمرحوم، قائلا: «خلال الأيام الأخيرة، كان والدي رحمه الله أحرص ما يكون على الصلاة، كنت آتي لأساعده على التيمم للصلاة، وكان حريصا في كل شيء، في كل مرة يعيد تعليمي كيفية التيمم، يطلب مني أن أساعده على التيمم بطريقة صحيحة رغم أنه كان يعاني من صعوبة في التنفس، لقد كان تحت أجهزة التنفس الصناعي، ورغم أني أعرف جيدا كيفية التيمم ولقنني ذلك مرارا بيد أنه كان حريصا على أن أفعل ذلك له بطريقة صحيحة، حيث ساعدته على التيمم أمس لصلوات العصر والمغرب والعشاء. وكنا نصلي معه جماعة أمس في صلاة العشاء وهو الذي أقام لنا الصلاة». جمعية العلماء.. معجزة إلهية لما سئل عن إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، قال رحمه الله: «إنها معجزة إلهية مصداقا لقول الرسول أن الله يبعث في هذه الأمة من يجدد لها دينها كل مئة سنة، فبعد قرن من احتلال فرنسا للجزائر نشأت الجمعية موازاة مع مهرجان المئوية الذي أقامته فرنسا بمناسبة دخولها إلى الجزائر الذي دام شهورا ردا على القائلين بفرنسة الجزائر، فكان الجواب على هذه المزاعم أن الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا». سعى للإصلاح بين ابن بلة والإبراهيمي في مقال له بجريدة «البصائر»، قال الأستاذ عبدالحميد عبدوس عن أبرز المواقف التاريخية للمرحوم إنه يشهد له «سعيه لإصلاح ذات البين بين الإمام محمد البشير الإبراهيمي والرئيس الأسبق أحمد بن بلة الذي استشاط غضبا من بيان الشيخ البشير الإبراهيمي المنشور يوم 16 إبريل 1964 والمتزامن مع انعقاد المؤتمر الثالث لحزب جبهة التحرير الوطني وحلول الذكرى الرابعة والعشرين لرحيل رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبدالحميد بن باديس، وقد اعترف الرئيس أحمد بن بلة بالدور الذي قام به الشيخ عبدالرحمن شيبان في الجمع بين الرئيس بن بلة والشيخ الإبراهيمي في حلقة (شاهد على العصر) التي بثتها قناة الجزيرة». وأضاف الكاتب: «وقام كذلك بإقناع الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد بتمكين رئيس الحكومة المؤقتة الزعيم فرحات عباس -رحمه الله- من استعادة جواز سفره وصيدليته اللذين صودرا منه بسبب مواقفه المعارضة للنظام في ذلك الوقت». حارب «التنصير» أطلقت مجلة «آنديغو بوبليكتسيون» الفرنسية في مقال لها تحت عنوان «الجزائر.. رجال الحكم»، وصف «حارس القيم الإسلامية» على المرحوم شيبان، وجاء في المقال: «عبدالرحمن شيبان يقف كحصن منيع لحماية القيم الإسلامية في المجتمع الجزائري من يد التغريب، خاصة في بلاد القبائل التي ينشئ فيها باستمرار مدارس للجمعية. إنه استغل علاقاته الواسعة التي شكلها عندما كان وزيرا للشؤون الدينية، ومن خلال منصبه كرئيس لجمعية العلماء لخدمة الدين الإسلامي وإيصال رسائل جمعيته لكل الفئات بطريقة حضارية معتدلة خالية من التعصب والرجعية». * سطور في سيرة المرحوم - من مواليد 23 فبراير 1918م في قرية الشرفة دائرة مشدالة ولاية البويرة، من عائلة عريقة محافظة أرستقراطية. - ختم القرءان وتلقى مبادئ اللغة العربية والتوحيد والفقه في مسقط رأسه وبالزاوية السحنونية وفي بني وغليس على الضفة الشمالية لوادي الصومام ببجاية. - سنة 1928 حظي بمرافقة والده الشيخ محمد البشير شيبان إلى بيت الله الحرام وكان عمره لا يتجاوز العاشرة، وأمام الملتزم بالكعبة الشريفة، دعا الوالد والإمام المعلم للابن عبدالرحمن أن ينجح في دراسته، ويصبح عالما من العلماء وينجح كل من يتعلم عليه. - سنة 1938 التحق بجامع الزيتونة بتونس، وهناك أظهر نشاطا دؤوبا جعله يتبوأ مهمة رئيس لجمعية الطلبة الجزائريين بتونس. وكللت فترة تمدرسه بحصوله على شهادة الأهلية ثم حاز شهادة التحصيل في العلوم سنة 1947م. - غداة عودته إلى أرض الوطن عينه الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله سنة 1948م أستاذا للبلاغة والأدب العربي بمعهد عبدالحميد بن باديس بقسنطينة. ونظرا لإمكاناته التعليمية، صنف من أساتذة الطبقة الأولى «مستوى شهادة العالمية» بقرار اتخذه المجلس الإداري لجمعية العلماء المنعقد في الفترة ما بين 25 و29 سبتمبر 1954م. - شغل بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عدة مهام منها عضو عامل، وعضو في لجنة التعليم العليا المكلفة بإعداد مناهج التربية والتعليم والكتب المدرسية بمدارس جمعية العلماء المنتشرة في أرجاء القطر الجزائري، كما كان من الكتاب الدائمين في جريدة البصائر بتكليف من الشيخ الإبراهيمي، كما كتب في عدة جرائد جزائرية كانت تصدر في تلك الفترة منها «النجاح، المنار، الشعلة». - شارك في الثورة التحريرية في صفوف جبهة التحرير الوطني في مجال الإعلام والاتصال والدبلوماسية. - تعرض بسبب نشاطه الدائم للاعتقال رفقة زوجته في سبتمبر 1956م. ولما أطلق سراحه شغل مهمة عضو في لجنة الإعلام لجبهة التحرير الوطني، واستمر نضاله بالقلم من خلال الكتابة في جريدة «المقاومة الجزائرية» لسان حال جبهة التحرير الوطني، ثم تولى منصب رئيس تحرير مجلة «الشاب الجزائري» التي كانت تصدرها اللجنة الثقافية لرئيس بعثة الثورة الجزائرية بليبيا سنة 1960م. - بعد الاستقلال انتخب نائبا في المجلس الوطني التأسيسي عن ولاية سطيف حيث كان مقررا للجنة التربية الوطنية. - وجه نداء للشعب الجزائري نشر في الصحافة الوطنية في 22 أغسطس 1962، دعاه إلى المحافظة على دينه، ردا على دعوة لجعل الجزائر دولة لائكية نشرت في الصحافة الجزائرية بتاريخ 9 أغسطس 1962. - سنة 1962 انتخب في المجلس التأسيسي مقررا للجنة التربية الوطنية، كما كان من أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد دستور الجزائر الأول، فساهم مساهمة فعالة في جعل «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغة رسمية ولغة الشعب». - سنة 1964م التحق بوزارة التربية الوطنية مفتشا عاما للغة العربية والتربية الإسلامية، ورئيسا للجنة الوطنية المكلفة بالبحث التربوي التطبيقي، والتأليف المدرسي للمرحلتين المتوسطة والثانوية. - بتاريخ 19 مارس 1964، صنف المرحوم في درجة حملة شهادة الليسانس، وكان إلى جانب الشيخ الإبراهيمي في رئاسة اللجنة الوزارية المكلفة بتسوية الوضعية العلمية لتلاميذ مدارس ومعاهد جمعية العلماء. - تولى منصب رئاسة اللجنة الوطنية للبحث التربوي التطبيقي والتأليف المدرسي ورئاسة لجان امتحان البكالوريا، ثم زاول وظيفة أستاذ في المركز الوطني لإعداد المفتشين وشارك في ندوات التربية والتعليم في منظمة اليونسكو خاصة في دورتها التي تقررت فيها اللغة العربية اللغة الخامسة الدولية الرسمية. - سنة 1980 عين وزيرا للشؤون الدينية، لمدة 6 سنوات، حيث أشرف على تنظيم 6 ملتقيات سنوية للفكر الإسلامي: ملتقى القرآن والسنة، والاجتهاد، والصحوة الإسلامية، الإسلام والغزو الثقافي، الإسلام والعلوم الإنسانية. وترأس بعثات الحج خلال فترة تقلده منصب الوزير. - شارك في عدة ندوات دولية عقدتها اليونسكو. - واظب على تقديم دروس الوعظ والإرشاد في المساجد. - عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي. - عضو المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر. - من مؤسسي العديد من الملتقيات الدينية، بالإضافة إلى تأسيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومساهمته في تأسيس جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية، وعين الإمام محمد الغزالي رحمه الله رئيسا لمجلسها العلمي، ومكنه من إلقاء دروسه المشهورة في التلفزة الجزائرية. - قام بطبع آثار إمام النهضة الشيخ عبدالحميد بن باديس، وأعاد تقليد قراءة صحيح البخاري رواية ودراية بمساجد العاصمة وأرجاء الجزائر الأخرى، كما ترأس بعثات الحج الجزائرية سنوات استوزاره. - سنة 1991 ومع صدور الإذن بتكوين مختلف هيئات المجتمع المدني، تم تجديد نشاط جمعية العلماء المسلمين، فانتخب نائبا أول لرئيس الجمعية ورئيس تحرير للبصائر، وواصل دروسه كواعظ ومرشد في المساجد حتى انتخب رئيسا للجمعية ومديرا للبصائر سنة 1999م. - استرجع في 27 يناير 2002 (نادي الترقي) التاريخي الذي ولدت في أحضانه جمعية العلماء بالعاصمة سنة 1931 فاستأنف نشاطاته بمحاضرات أسبوعية. - بعث تراث جمعية العلماء المتمثل في جرائدها: الشريعة، السنة، الصراط، الشهاب، والبصائر كاملة (12 مجلدا). - أسس وأشرف على شعب جمعية العلماء في مختلف الولايات. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه. إنا لله وإنا إليه راجعون.