من أنظر معسراً أو وضع عنه

alarab
باب الريان 18 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
ومن أعظم مستحقي الاستظلال بظل العرش ذلك المسلم الدائن الرحيم، الذي يجد مدينه معسرا عاجزا عن السداد، فيعذره، ويؤجل الدفع، أو ينقص من الدين تخفيفا، أو يلغي الدين كله لوجه الله تعالى.. في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه). وروى مسلم وغيره عن أبي اليسر رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله). وروى مسلم أن أبا قتادة طلب غريما له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني معسر، فقال: الله؟ قال: الله. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر، أو يضع عنه). وفي السلسلة الصحيحة، وصحيح الترغيب، وسنن الترمذي، وغيرها، عن أبي اليسر، كعب بن عمرو، رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم: (إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسرا حتى يجد شيئا، أو تصدق عليه بما يطلبه، يقول: ما لي عليك صدقة؛ ابتغاء وجه الله، ويخرق صحيفته). وفي شرح السنة عن أبي قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي عنه صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة). وفي صحيح ابن ماجة: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينظر معسرا، أو ليضع عنه). (من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة، قبل أن يحل الدين؛ فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة). وهنا وقفة ضرورية لتحرير هذه الخصلة الكريمة: المعسرون قسمان: القسم الأول: أ - هناك معسرون فقراء، يكدون من أجل لقمة العيش، وكثيرا ما لا يجدون ما لا يكفيهم، فيضطرون للاقتراض، وإراقة ماء وجوههم، وهم بين الحياء من الله تعالى والحياء من الناس، ويودون من قلوبهن أن لو لم يستدينوا، وينوون السداد بصدق، فهؤلاء أهلٌ لأن يرحمهم الدائن، ويرفق بهم في السداد، وهو مخير بين ثلاثة أمور كلها خير: 1. بين أن ينظرهم/ يؤجل لهم السداد إذا عسر عليهم. 2. وبين أن يضع عنهم/ يتنازل لهم عن بعض الدَّين تيسيرا عليهم. 3. أو أن يمحو عنهم الدين كله، ويتنازل ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى. وهو في هذه الأمور الثلاثة في خير كثير، أعطاه الله إياه، فاقرأ واسعد: - من يتجاوز يتجاوز الله عن سيئاته، ويغفر له: في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم: (كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه). - ينفس الله كربه، وييسر أمره، ويستره في الدنيا: ففي مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلم، ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه..). - ينجو من كُرب القيامة، ويستظل بظل العرش: وفي صحيح الترغيب عن أبي قتادة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، وأن يظله تحت عرشه، فليُنظر معسرا)! - من تنازل عن بعض الدين كان في ظل العرش يوم القيامة: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الترغيب: (من أنظر معسرا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله)! - من تنازل عن الدين كله كان في ظل العرش يوم القيامة: وعن أبي قتادة رضي الله عنه في صحيح الجامع، وشرح السنة، والزواجر، بسند صحيح: (من نفّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة). - من أجّل استيفاء الدين فكأنه كلَّ يوم يتصدق بمثل قيمته، أو بمثليها: وفي صحيح الوادعي عنه صلى الله عليه وسلم عن بريدة رضي الله عنه: (من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة)، قال ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا له بكل يوم مثليه صدقة). قلت سمعتك يا رسول الله تقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة)! قال: (له بكل يوم صدقة، قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره، فله بكل يوم مثليه صدقة). فانظر فضل إنظار المدين المعسر، وكرامة من يفعل ذلك عند الله تعالى، وانظر بعض أفعالنا في واقعنا الكنود، فتجدنا نرفع لافتات خالية من التسامح والمروءة: (الدَّين ممنوع/ الشكك ممنوع والزعَل عنه صلى الله عليه وسلم/ اليوم بفلوس وبكرة شكك! وإذا جاءنا المدين معتذرا هددناه: الدفع أو الحبس/ الشيك معايا/ الكمبيالة الصبح في المحكمة! وربما فضحناه، وشهرنا به، وأسأنا إليه! وربما اضطررناه ليبيع شيئا غاليا عليه سدادا للدين، وربما استخدمناه وانتفعنا به – من خلال هذا الدين – وكسرنا عينه ليعمل لنا، مع أنه صلى الله عليه وسلم قالها لنا واضحة في أحاديث يشهد بعضها لبعض (على ضعفها): (كل قرض جر منفعة فهو ربا). القسم الثاني من المعسرين: الغني المماطل أو المتعاسر: وهناك أغنياء يستدينون ويماطلون، ويسوفون ويعتذرون، مع أن عندهم ما يسدون به الدين، من المال والعقار والأثمان الأخرى.. وغيرهم يستدينون في كماليات واستهلاكيات تَرَفِية، كالسفر، والحفلات، وتغيير السيارات، وما شابه.. ثم يزعم أحدهم العسر والعجز.. سواء لأفراد أو لمؤسسات! وهؤلاء مماطلون آثمون، يجوز الكلام عنهم وعن مطلهم، وتجوز مقاضاتهم ومحاسبتهم، ففي البخاري وغيره عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم، ومن أتبع على ملي فليتبع)! وعن الشريد بن سويد في صحيح أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم، بسند حسن: (ليُّ الواجدِ يحل عرضه وعقوبته. قال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له، وعقوبته: يحبسه). وهذا يمكن أن يرفع له شعار: الدين ممنوع/ الدفع أو الحبس.... ولا كرامة!