القرآن كتاب مبينٌ يفهمه الخاص والعام كل منهم يأخذ منه على قَدْر سعَة واديه
باب الريان
18 أغسطس 2011 , 12:00ص
مقدمة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتقين، وأزكى صلوات الله وتسليماته على مَنْ أرسله رحمةً للعالمين، ونعمةً للمؤمنين، وحُجَّة على الناس أجمعين، سيِّدِنا وإمامِنا وأسوتِنا وحبيبنا ومعلِّمنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سُورَة الحِجْر، سورة مكيَّة، نزلت كلُّها بمكة المكرمة قبل هجرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وعددُ آياتها تسعة وتسعون آية.
الدرس الأول
{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر:1-15].
ذوات (الر):
وهي سورة تبدأ بالحروف المقطَّعة ككثير من سُور القرآن، وهي من ذوات {الر}، وقد افْتُتحت بها ستُّ سور من القرآن الكريم، وهي: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، وخُتمت بسورة الحجر.
وتميَّزت كلُّها بأنها تتحدَّث عن قَصَص الأنبياء، وسُمِّيت بأسمائهم، إلا سورة الرعد فلم تتحدَّث عن أحدٍ من الأنبياء، كما تميَّزت بشيءٍ آخر أنها بُدئت بـ {المر}.
وهذه السورة بدأت بـ {الر}، وهي سورة الحِجْر.
والمقصود بالحِجر: (حِجْر ثمود)، لأنها تتحدَّث عن نبيِّ الله صالح وقصَّته المذكورة في أواخر السورة: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} [الحجر:80].
هذه السورة بدأت بقوله تعالى: {الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}.
نقول في اللغة العربية: (تلك) اسم إشارة إلى المؤنَّث البعيد، و(ذلك) اسم إشارة للمُذكَّر البعيد، كما في سورة البقرة: {المَ * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1، 2]، (ذلك) إشارةٌ إلى القرآن، الكتاب البعيد في المنزلة العالية، عُلُوّاً يُعتبر بعيد المرام، رفيع المقام، {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:2]، الذي يُشار إليه بالبنان، وهنا إشارة إلى الآيات، ولذلك جاءت بهذه الصيغة: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} أي: آيات هذا القرآن المعجز العجيب الرائع.
الكتاب المسطور والقرآن المتلو:
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}
كما ذُكر في سورة البقرة: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:1، 2].
وفي سورة يونس: {الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس:1].
وفي سورة يوسُف: {الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [يوسف:1].
وفي سورة الرعد: {المرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد:1].
وفي سورة الشعراء: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء:1، 2].
وفي سورة القصص: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:1، 2].
وفي سورة لقمان: {الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [لقمان:1، 2]، وكلُّ هذه أوْصَاف للقرآن، فهو كتابٌ مبين، وكتابٌ حكيم، وكتابٌ لا ريب فيه.
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}، إذا ذُكر الكتاب فلا كتاب غيره، هو الكتابُ الكامل الذي اجتمعت فيه كلُّ الخصائص، وكلُّ المميِّزات في كلِّ الكتب السماويَّة، فإذا ذُكر هو لم يُذكر غيره.
الله أكبر إن دين محمد أهدى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتبَ السَّوالف عنده طلع الصباح فأطفئ القنديلا
السِّرُّ في تعريف الكتاب وتنكير قرآن:
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}، هذا الكتاب هو القرآن المبين.
عُرِّف الكتاب ونُكِّر القرآن، والتنكير هنا -كما يقول النَّحويون- للتفخيم والتعظيم، أي: قرآنٌ مُبينٌ يتميَّز بالإبانة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً} [النساء:174]، فهو كتابٌ مُبينٌ، أي: معناه بيِّنٌ في نفسه، مُبيِّنٌ للحقائق، كاشفٌ للأباطيل.
الإبانة من خصائص القرآن الكريم:
من خصائص القرآن: الإبانة، فهو كتاب مبينٌ، ومنْ إبانته أنه يفهمه الخاصُّ والعامُّ، كلٌّ منهم يأخذ منه على قَدْر سَعَة واديه، حتى الطفل الذي يقرأ القرآن الكريم.
قرأتُ القرآنَ الكريم وأنا طفل، فكنتُ أفهم منه، أقرأ: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3]، فأعرف معناها الإجمالي، ولكن قد لا أعرف ماذا تعني {قَلَى}؟ ومعناها إجمالا: أنَّ ربَّنا ما تركك ولا هَجَرك، {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى:8، 4]، كلمة: {عَائِلاً} لا أفهم ما معناها، ولكن أفهمها بالسياق: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}، أي: فقيراً فأغناك. وهكذا، فهو قرآن مبين.
القرآنُ والكتاب شيءٌ واحد:
{تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}، بعضهم يريد أن يجعل الكتاب شيئا والقرآن شيئا، وهذا خَلَل وتحريفٌ وتزييف؛ لأنه شيءٌ واحد، يُسمَّى كتاباً؛ لأنَّ الله جعله كتاباً، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابته، يجب أن يُكتب، ولذلك كان هناك كُتَّاب للوحي، يكتبون كلَّ ما ينزل من القرآن الكريم، وكان الكُتَّاب قليلين في ذلك الوقت.
(كان عثمان بن عفان وعلي يكتبان الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن غلب كتب أُبي بن كعب وزيد بن ثابت).
وكان أُبي بن كعب ممن كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة الوحي، وكان أُبي إذا لم يحضر دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت، وكان أُبي وزيد يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونحوه في العقد الفريد لابن عبد ربه، قال القضاعي: (فإن لم يحضر أحد منهما كتب الوحي مَن حضر من الكتّاب، وهم: معاوية وجابر بن سعيد بن العاصي وإبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي وحنظلة بن الربيع).
وكانت أدوات الكتابة في غاية الصُّعوبة والعُسْر، يكتبون على العظام، و»العسب والرقاع واللخاف»، يكتبون على ما يتيسَّر من الأشياء. فهو كتاب.
وهو قرآنٌ؛ لأنه يُقرأ، اجتمع فيه أنه يُقرأ ويُتلى بالألسنة، ويتناقله الناس مشافهةً، ومع هذا يُكتب كتابةً ليكون هذا أوثق، وفي هذه السورة قال الله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ}.
وفي سورة النمل يقول الله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، الشيء نفسه الكتاب هو القرآن، والقرآن هو الكتاب، {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: 1-2].
تذكير الكفار بمصيرهم في الآخرة:
{ربَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}
هذا الكتاب الذي خُتمت السورة السابقة -سورة إبراهيم- بالإشارة إليه، آخر آية فسَّرناها في سورة إبراهيم قول الله تعالى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم:52]، هذا الكتاب جاء يُنْذر، {وَلِيُنْذَرُوا بِهِ}، جاء نذيراً للكافرين، جاء يُذكِّرهم بمَصَايرهم، يُذكِّرهُم بعاقبة أمرهم، يذكِّرهم بآخرتهم، وأنه سيأتي يومٌ يندمون فيه غايةَ الندم، ويتحسَّرون فيه غاية التَّحسُّر على موقفهم من هذا الدين العظيم، على موقفهم من الإسلام، سيأتي يوم يودُّون لو كانوا مسلمين، ولكن هذا سيكون بعد فوات الأوان، يندمون حيث لا ينفع الندم، ويَتَحسَّرون حيث لا يُجْدي التَّحسُّر، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أعطاهم مُهْلة: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37]، لم يستفيدوا من هذا العمر المديد، ولم يستجيبوا للنذير.
متى يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين؟
قد قرأنا في سورة إبراهيم: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم:14]، حينما يلاقون ما وعدهم الله به من العذاب، حينما يدخلون النار جزاءَ ما كفروا، وجزاءَ ما كسبت أيديهم، وما قدَّمت أيديهم في الدنيا، حينما يَلْقَون هذا العذاب الأليم في ذلك الوقت، يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
تحسُّر أهل النار وتمنّيهم أن يكونوا مسلمين:
جاء في حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، فيما رواه الحاكم وصحَّحه ووافقه الذهبي: «إذا اجتمع أهلُ النار في النار، ومعهم من أهل القبلة مَنْ شاء الله، قالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صِرْتُم معنا في النار؟
قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخِذْنا بها.
فسمع الله ما قالوا، قال: فأُمر بمَن كان في النار من أهل القِبْلة فأُخْرِجوا.
فيقول الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما أُخرجوا».
قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ * رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}.
كما صحَّت بذلك الأحاديث: أنَّ أهل التوحيد جميعاً يخرجون من النار، ففي الحديث: «فيخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله. وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله. وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة، ثم يخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله. وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». ولا يبقى فيها إلا مَن كفر كفراً صريحاً، وليس في قلبه شيءٌ من الإيمان، هنا يودُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين.
معنى (رُبَما):
{رُبَمَا} هذه تخفيف (رُبَّ)، هي لغة من اللغات، فالعرب قالوا: (رُبَّ)، وقالوا: (رُبَ)، {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} {رُبَمَا} تأتي للتقليل، وتأتي للتكثير أحياناً، يعني في أحيانٍ، يشغلهم العذاب حتى عن هذا التمنِّي، ولكن في بعض الأحيان يتذكَّرون ويقولون: يا ليتنا كُنَّا مسلمين.
معنى (ودَّ) في القرآن:
مادة (وَدَّ) لها معنيان: معنى الحب، ومعنى التَّمنِّي، تقول: (فلان يودُّ فلاناً) أي: يُحبُّه.
ونقول: (يودُّ الشيء) يعني يتمنَّاه، والودادة هنا بمعنى التَّمنِّي، خاصة جاءت بعدها {لَوْ}، التي تفيد التمنِّي، لأنَّ (لو) تأتي للشرط أحياناً، وتأتي للتَّمنِّي أحياناً، فهم يتمنَّون لو كانوا مسلمين، لو استجابوا لدعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم، لو كانوا آمنوا بالقرآن، لو دخلوا فيما دخل فيه بلال وعمار وغيرهم، من الذين كانوا يسخرون منهم، ويستهزئون بهم.
تمنِّي الكفار لو كانوا مسلمين:
{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}، أي: لو استسلموا في الدنيا لأمر الله، وآمنوا به وبرسوله.
الأصل في (رُبَّ) أنها تدخل على الأسماء، ولكن إذا دخلت عليها (ما) كفَّتها عن العمل، وجاز أن تدخل على الفعل، ويكون ماضيا، أو منزَّلاً منزلته في تحقيق وقوعه: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}، كما قال الله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام:27]، يا ليتنا نُردُّ إلى الدنيا مرةً أخرى، فنُصدِّقَ بآياتِ الله، ونكونَ من المؤمنين بالقرآن وبمحمد، والله تعالى يقول: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام:28]، ستغلبهم طبيعتهم التي ترى الحقَّ أمامها وتُعرض عنه وتُكذِّب به على الكفر.
أكل الكفار وتمتّعهم في شهواتهم ولذائذهم:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}
اتركهم -يا محمد- في دنياهم التي اسْتَعبدتهم، والتي صَرَفتهم عن الإيمان، وصدَّتهم عن سبيل الله، دعهم مع الشَّهوات واللذائذ، {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا} التمتُّع هو التَّلذُّذ بالحياة والتنعُّم بما فيها من أعراض، وما فيها من مَتَاع.
سمَّاه القرآن (متاع الغرور)، فقال: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185، والحديد:20].
ووصفه بالقلَّة فقال: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء:77]، وقال: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة:38].
وقال بعد أن ذكر أصناف المحبوبات إلى الإنسان، من الشهوات والنساء والبنين والأموال والخيل والنعام والحرث: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران:14].
وإنما هو {مَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة:36].
التمتُّع في الحياة الدنيا ونسيان الآخرة من شأن الكفار:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا} التمتُّع إذا ذُكر في القرآن غالباً ما يذكر بالذمِّ، فقد قرأنا في سورة إبراهيم: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم:30].
وفي سورة الزمر: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر:8].
وفي سورة المرسلات: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} [المرسلات:46]، هكذا التمتُّع شأن الكفَّار الذين تشغلهم المتعة، وتشغلهم شهوات الدنيا، يشغلهم إشباع الغرائز، نسُوا عقولهم، ونسوا ضمائرهم وقلوبهم، ونسوا ربَّهم، ونسوا آخرتهم، وشُغلوا بهذا المتاع الأدنى.
وعيدٌ شديدٌ من الله عزَّ وجلَّ:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا}، كما جاء في القرآن في آيات أخرى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:54]، {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف:83]، {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور:45]، وكل هذا وعيدٌ.
{ذَرْهُمْ}، هذا وعيدٌ شديد من الله سبحانه وتعالى، إنه لا يُبالي بهم، اتركهم سَيُلاقون مصيرهم حتماً: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا}، كما قال تعالى عن أهل الكفر: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12].
الأنعام تأكل أكثر ممَّا يأكل الكافرون:
إذا كانت المسألة مسألة أكل وتمتُّع، فالأنعام تأكل كما يأكلون أو أكثر ممَّا يأكلون؛ لأنَّ بطون الأنعام أكبر من بطون بني آدم، بطن البقر أو الجاموس أو الجمل أكبر من بطن الإنسان، ماذا يأكل الإنسان؟! البهائم والأنعام تأكل وتتمتَّع بأكلها، لأنها لا تُفكِّر في شيءٍ آخر: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12].
الأمل بين الذمِّ والمدح:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، أي: يشغلهم الأمل. والأمل يعني الرجاء في الحياة، والأمل في ذاته ليس مذموماً، بل هو ضرورة من ضرورات الحياة، كما قال الشاعر:
أعَلِّلَ النفسَ بالآمال أَرْقبها ما أضيقَ العيش لولا فُسحة الأمل
لولا أمل الإنسان في النجاح: أمل الطالب في التفوُّق في آخر العام، وأمل الغارس أن يجد في النهاية ثمراً لغرسه، أمل الزارع أن يجد حصاد زرعه، هذا الأمل هو ما يدفع عَجَلَة الحياة إلى الأمام، ولذلك قال أحد الحكماء: لولا الأمل ما غرس غارسٌ غرساً، ولا زَرَعَ زارعٌ شجراً، ولا بنى بانٍ بنياناً.
الأمل هو الذي دفع العلماء إلى التقدُّم بالعلم، حتى رأينا الثورات العلمية، فأمل العلماء هو الذي دفعهم إلى التفكير، وإلى الدراسة، وإلى متابعة الأمر، حتى وصلوا إلى هذه المخترعات والمكتشفات الهائلة.
طول الأمل مذموم:
فالأمل مطلوب، ولكن طول الأمل هو المذموم، وهو المقصود بقوله تعالى: {يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ}، الأمل المُلهي هو الأمل الطويل، الذي يجعل صاحبه وكأنه مُخَلَّدٌ في الدنيا، كأنَّه لا يموت، كأنَّ الإنسان خُلق ليخلد، وهو يرى مَنْ حوله يسقطون واحداً بعد الآخر -الأقارب والجيران والزملاء والأصدقاء والأحباب- يختطفهم الموت مِنْ حوله، ولكنه ينسى هذا ويقول: في العمر مُتَّسع، وفي الزمن بقية.
ابن العشرين أو ابن الثلاثين يقول: سيصلح حالي وأتوب عند الأربعين. وابن الأربعين أيضاً يقول: عندما أبلغ الستين. وابن الستين يقول: عندما أبلغ الثمانين. وهكذا.
هذا هو طول الأمل، الذي يقول فيه الحسن البصري رحمه الله: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل، يقول الإمام القرطبي: (وصدق رضي الله عنه! فالأمل يكسل عن العمل، ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى. وهذا أمر قد شوهد بالعيان، فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطلب صاحبه ببرهان.
كما أن قصر الأمل يبعث على العمل، ويحيل على المبادرة، ويحثُّ على المسابقة).
ويقول: (وطول الأمل داءٌ عضال ومرض مُزْمِن، ومتى تمكَّن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داء، ولا نجح فيه دواء، بل أعيا الأطباء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا والانكباب عليها، والحب لها والإعراض عن الآخرة).
وجاء في الحديث: «يهرَم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر».
طول الأمل هذا هو الذي يجعل الإنسان ينسى الموت، ينسى الآخرة، ينسى أنَّ كلَّ حيٍّ سيموت، وكلَّ ميت سيُبعث، وكلَّ مبعوثٍ سيُحاسب، وكلَّ محاسب سيدخل إما جنةً وإما ناراً.
ولو أنَّا إذا مِتْنا تُرِكْنا
لكانَ الموتُ راحةَ كلِّ حيّ
ولكنَّا إذا متنا بُعثنا
فنسأل بعدها عن كلِّ شيّ
نسيان مصاير المكذبين:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ}، طول الأمل هو الذي أنساهم مصاير المُكذِّبين والعصاة من قبلهم، الأمم التي كفرت بالله وكذَّبت رسله ماذا أصابهم؟ هم يمرُّون عليهم، يمرون على قُرى لوط، ويمرُّون على حِجْر ثمود، ومدائن صالح، ويَرَوْنَ آثار الظالمين، ومع هذا لا يعتبرون.
تحذير وإنذار ووعيد:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، كلمة: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، هذا تحذيرٌ وإنذارٌ ووعيد. سوف يعلمون إذا جاء أجلهم، حينما تحقُّ عليهم كلمة العذاب، سوف يعلمون ماذا ينتظرهم، وماذا يدَّخر الله لهم من عقوبةٍ في الدنيا قبل الآخرة.
{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وبال صنيعهم إذا عاينوا جزاءه، هذا وعيدُ الله تعالى لهؤلاء.
دعوى القرطبي بنسخ هذه الآية بآية السيف:
ومِنْ أعجب ما قرأتُ حول هذه الآية، ما قاله الإمام القرطبي في تفسيره قال: (هذه الآية منسوخة بالسيف).
يا عجباً ما الذي يعارض آية السيف في هذه الآية؟! وهذه الآية تكرَّر معناها: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:91]، {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:54]، {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} [الزخرف:83، المعارج:42]، {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور:45]، أيُّ شيء يعارض آية السيف حتى تنسخ آية السيف هذه الآية وما في معناها، ولكن وَلَعُ هؤلاء المفسِّرين بقصَّة النسخ، والتوسُّع فيها، والمبالغة في دعاوى النَّسخ، جعل إماماً كبيراً مثل الإمام القرطبي المفسِّر العظيم يقول هذا: (هذه الآية منسوخة بالسيف). يعني أُلغيت هذه الآية وما عاد لها فائدة، لأنَّ آية السيف نسختها؟! ألغت مفهومها، هذه الآية ملغاة!!
هذا الكلام لا يُقبل، لأنَّ الله أنزل كتابه ليُعمل به، وليُحكم به: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} [النساء:105]، {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة:49].
ولذلك أكَّد المحقِّقون من العلماء أن النسخ لا يكون إلا بأمر محقق.
قال ابن حجر: (النسخ لا يصار إليه بالاحتمال).
وقال ابن حزم: (لا ننكر نسخ الأمر كلِّه بدليل يقوم على ذلك، وإنما ننكر دعوى النسخ بلا دليل)، وقال في المحلى: (ولا يصح دعوى النسخ إلا بنصٍّ مسند إلى رسول الله صلى الله وسلم).
لا يجوز ادِّعاء نسخ الآية إلا بيقين، لأنَّ ربنا أنزلها في كتابه، فتقول: هذه الآية ملغاة وبطل مفعولها. لا بدَّ أن يكون عندك يقين عندما تدَّعي ذلك، وإلا فقد افْتَرَيْتَ على كتابِ الله، وافْتأتَّ على هذا القرآن العظيم، وليس معنا يقين، ولا شبه يقين، ولا ظنّ بأنَّ هذه الآية نُسِخَت، لأنَّ معناها بيِّنٌ، وعيد للكفَّار المُكذِّبين، الذين اغْترُّوا بأنفسهم وأموالهم وبدنياهم، وأعرضوا عن الإيما