الدراما التاريخية تفجر أزمة في الوسط الفني

alarab
ثقافة وفنون 18 يوليو 2014 , 02:00ص
القاهرة- عبدالغني عبدالرازق

منذ عدة أعوام أثار مسلسل «الظاهر بيبرس» الذي قام ببطولته الفنان ياسر جلال عاصفة من الجدل، حيث كان من المفترض أن يناقش المسلسل فترة هامة من تاريخ مصر في عصر المماليك، وهي فترة حكم الظاهر بيبرس، ولكن خرج المسلسل بصورة سيئة، حيث كان من المفترض أن يتكلم أبطال المسلسل بالفصحى، ولكنهم تكلموا بالعامية، ووصل الأمر إلى حد اتهام صناع الدراما المصرية بعدم قدرتهم على إنتاج الدراما التاريخية، وأن الأفضل لهم أن ينتجوا الدراما الاجتماعية والرومانسية فقط. هذا العام تجدد الهجوم مرة أخرى على الدراما التاريخية بمجرد بدء عرض حلقات مسلسل «صديق العمر» وكذلك مسلسل «سرايا عابدين» وهو ما توضحه السطور التالية.

البداية كانت مع مسلسل صديق العمر الذي يتناول جزءا من حياة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وعلاقته بالمشير عبدالحكيم عامر، فقد خرج العمل بشكل سيئ، وأبعد ما يكون عن حقيقة شخصية جمال عبدالناصر سواء في لغته أو لكنته أو طريقة مشيته أو وقفته، بالإضافة لمواقف الضعف الإنساني التي لم تكن موجودة في الحقيقة، وقدمها العمل على أنها تخللت حياة جمال عبدالناصر، وقد أعلن المهندس عبدالحكيم عبدالناصر، نجل الزعيم جمال عبدالناصر عدم رضاه عن المسلسل، خاصة أن الممثل الذي يؤدي دور والده سوري، وهو الفنان جمال سليمان، وبالتالي ضاعت اللهجة منه، فأحس أنه يجسد دور شخص آخر غير جمال عبدالناصر، حيث لم يشعر بروح والده. ولم يكن هذا هو رأي أسرة عبدالناصر فقط، بل رأي كل من تابع المسلسل.

وبسبب هذا الهجوم فقد أصدر مخرج العمل عثمان أبو لبن بياناً صحافياً باسم فريق عمل المسلسل، مدافعاً عن الانتقادات التي تعرض لها جمال سليمان، مؤكداً على أنه لم يخشَ من تجسيد شخصية جمال عبدالناصر، بينما تراجع عدد كبير من النجوم في البداية وخافوا من دخولهم في مقارنات، مشيراً إلى أن سليمان بمجرد عرض سيناريو صديق العمر عليه اعتبر نفسه في مهمة وطنية، لأن الهدف الأسمى من المسلسل هو أن يتعرف الجمهور العربي على تاريخ سنوات غاية في الحساسية ليس فقط في عمر الأمة المصرية، ولكن الأمة العربية كلها.

وأضاف أبو لبن أن فريق عمل المسلسل يدرك أن جمال سليمان لن يقترب من طريقة كلام الزعيم عبدالناصر لأن المهم ليس تقليد الشخصيات وإنما الفائدة التي يقدمها العمل، لكونه أول عمل درامي يدفع بالجمهور لمعرفة كيف حدثت نكسة 1967، ولماذا حدث الانفصال بين مصر وسوريا، مشيراً إلى أن هناك من الجمهور من ركز فعلاً مع كل هذه الأمور ولم يقف طويلاً أمام طريقة أداء جمال سليمان.

أخطاء سرايا عابدين

أما مسلسل سرايا عابدين فقد وقع في عدة أخطاء تاريخية حيث لم تعتمد أسرة المسلسل على مراجعة تاريخية جادة قبل الشروع في كتابة السيناريو، أو أن المراجعة لم تكن على قدر مسؤولية المشروع، فقد بدأت أحداث المسلسل بتجهيز القصر لعيد ميلاد الخديوي إسماعيل الـ30 بقصر عابدين، وهو ما يعني أن هذا الاحتفال كان في عام 1860، أي قبل إنشاء قصر عابدين الذي اكتمل بناؤه في عام 1872، وأصبح مركزا للحكم. الخطأ الثاني، هو إطلاق لقب الخديوي على إسماعيل رغم أنه لم يكن قد حصل على هذا اللقب بعد، فكان وقتها واليا، حصل على لقب الخديوي في عام 1877، وأيضا كلام (جلالة الخديوي) حيث كان يقال عظمة الخديوي.

أما الخطأ الثالث، فهو اللهجة، فاللكنة المستخدمة في المسلسل هي أرشيفية سبق استخدامها في الكثير من الأعمال التي تناقش تلك الفترة، فما زالت نفس الكلمات التركية تتردد في معظم تلك الأعمال، فنجد السيدة التركية المتعجرفة تستخدم كلمات مثل خرسيس وتشكرات، كذلك تحويل حرف الواو إلى فاء، وهي نفس الألفاظ التي تتلفظ بها يسرا والتي تجسد والدة الخديوي إسماعيل.

نتيجة هذا الهجوم خرجت مؤلفة العمل هبة مشاري لتعلن أن مسلسل سرايا عابدين لا يرصد التاريخ، ولكن يقوم بتوظيف بعض الأحداث التاريخية وفقاً للسياق الدرامي، أما الانتقادات لما وصفه البعض بالأخطاء التاريخية للمسلسل فيمكن الرد عليها باختصار بأن العمل لا يتناول سيرة ذاتية لأي من الشخصيات الموجودة فيه، فليس مطلوباً من المسلسل توثيق الأحداث تاريخياً، فكان التاريخ بمثابة الجغرافيا التي بنيت عليها الأحداث، لذا استعنا بعبارة دراما مستوحاة من أحداث واقعية، التي وردت في بداية المسلسل للتأكيد على أنه لا يرصد سوى قصص تاريخية تم معالجة ما يصلح منها على المستوى الدرامي وإبرازه مع الاستعانة بشخصيات بعضها كان موجوداً والآخر لم يكن موجوداً.

كتابة الدراما التاريخية

اختلف صناع الدراما حول كيفية كتابة المسلسل التاريخي، ففي البداية يقول المؤلف محفوظ عبدالرحمن: العمل التاريخي، لا بد أن تكون كل أحداثه وتفاصيله موثقة ومدروسة جيداً، بدءاً من الأحداث مروراً بالملابس، وباقي التفاصيل، وهذه عملية مرهقة، وتتطلب الرجوع للوثائق والحكايات والكتابات عن كل عصر تتصدى له في الكتابة، فما هو موجود في التاريخ ومتفق عليه لا يجب أن يتغير، بما في ذلك التواريخ التي تتطلب تحري الدقة، فكتابة العمل التاريخي مهمة صعبة جداً والاستسهال فيها ضرر بالعقل والثقافة، ولذلك أرفض من يقول إن من حق أي شخص تغيير التاريخ ليقدم إبداعا، وهذا الأمر لا أسميه إلا فشلا وعدم قدرة على التوثيق، فما الحاجة إلى تغيير التاريخ ووقائعه وهو أقوى دراما عرفها البشر، ولا يحتاج أي عبث فيكفي تقديمه كما هو لينبهر الجمهور.

وتتفق معه في الرأي المخرجة الكبيرة إنعام محمد علي، حيث تقول: ليس من حق أي كاتب إضافة شخصيات ووقائع وأشياء لم تكن موجودة، ويقدم أخطاء في التواريخ والوثائق، فهذا تشويه للتاريخ، ولذلك في مسلسل سرايا عابدين كان يجب على المؤلفة أن تنطلق من جميع الوقائع التاريخية الحقيقية وعدم تغييرها.

أما الكاتب يسري الجندي فيقول: التعامل مع التاريخ من خلال الدراما، ينبغي أن يلتزم بما هو جوهري، مع وجود مساحة من التصرف، خاصة أن التاريخ في بعض الأحيان لا يأتي بكل التفاصيل، حيث يغفل بعض التفاصيل التي تسمح بالتصرف، ولكن هذا التصرف يكون بالقياس على ما هو معلوم من الأحداث التاريخية، حتى يتسق معها.

أما الناقدة ماجدة موريس فتقول: يجب تحري الدقة عند كتابة أي مسلسل تاريخي، ففي الماضي كانت الأعمال التاريخية تعرض على الجمعية التاريخية، وأساتذة التاريخ، ولذلك فمسلسل سرايا عابدين يعتبر كما لو كان مسلسلا خياليا في شكل تاريخي، فالقصة من وحي خيال المؤلف، فهو ليس تاريخًا بأحداث حقيقية، إنما الشخصيات والديكورات فقط، وقد استغل فريق العمل كلمة تاريخي ليحظى بإعجاب المشاهد، أما كلمة مستوحى من أحداث حقيقية فذلك يجعل المؤلف يفلت من المحاسبة، فالمسلسل يلبس ثوب التاريخ، لكنه غير تاريخي، فهو يركز فقط على حريم الخديوي وكيفية تعاملهم معه.

أما الناقد عصام زكريا فيقول: المصداقية في العمل هي المعيار والمقياس الأساسي الذي يتم عليه تحديد جودة العمل الفني، سواء كان تاريخياً أو مستوحى من أحداث تاريخية، وهذه هي المشكلة الحقيقية في سرايا عابدين، فالدراما غير مقنعة، وكذلك الشخصيات والتمثيل، وأيضاً حالة الأبهة والفخامة تثير الضحك في كثير من الأحيان، وبالتالي افتقد العمل من وجهة نظري المصداقية بعيداً عن أي تفاصيل تتعلق بالتاريخ.