

الدرس العشرون
التحليل والتحريم هو حقُّ الله وحده
من سورة الأنعام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأزكى صلوات الله وتسليماته على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، البشير النذير، والسراج المنير، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين.
أما بعد:
سبب تسمية السورة
فيا أيها الإخوة فرغنا الليلة من الاستماع لسورة الأنعام، وسورة الأنعام من السُّور المكية، التي تُعنى بترسيخ أصول العقيدة، وأصول الفضائل ومكارم الأخلاق، وقد نزلت - كما يقول علماء القرآن - جملة واحدة، لم تنزل مُفرَّقة.
لماذا سمِّيتْ سورة الأنعام بهذا الاسم؟ والأنعام كما هو معلوم هي: الإبل والبقر والغنم، وهي التي تُهدَى إلى الكعبة في الحج، وهي كذلك التي يضحي بها الناس في عيد الأضحى، هذه هي الأنعام فلماذا سميتْ بها هذه السورة؟
سميتْ بهذا الاسم؛ لأن هذا يرمز إلى معنى مهم اشتملت عليه السورة، وهو: أن الوثنيين المشركين في الجاهلية قد حرَّموا كثيراً من الأنعام على أنفسهم، حرَّموا بعضها وأحلُّوا بعضها، وقال: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام:139].
وبعضهم جعلوا بعضها لله وبعضها لشركائهم، {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136]، ولهم في ذلك تخريفات كثيرة جدّاً، وهذا التحريم لِمَا أَحَلَّ الله تطاولٌ على سلطان الألوهية؛ لأن الذي يملك حق التحليل والتحريم هو الله وحده؛ لأن هذا من حاكميته لهذا الكون.
سورة التوحيد
سورة الأنعام اشتملت على عناصر التوحيد الأساسية الثلاثة، أن لا تبغي غير الله ربّاً، ولا تتخذ غير الله وليّاً، ولا تبتغي غير الله حَكَماً، هكذا أكدت ذلك سورة الأنعام، وهي سورة التوحيد بالفعل، قال الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، وقال:{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} [الأنعام: 14]، وقال أيضا: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} [الأنعام: 114]، فهذه المقومات الأساسية للتوحيد، ومنها توحيد الحاكمية هذا، أن لا يبتغي غير الله حَكَماً.
التشريع المطلق لله وحده
بعض الناس ينسب إلى الأستاذ أبي الأعلى المودودي والأستاذ سيد قطب أنهم هم الذين اخترعوا مسألة الحاكمية، ولكن مسألة الحاكمية في القرآن والسنة، وفي أصول الفقه الإسلامي: أنه لا حَكَم إلا الله.
ما معنى لا حَكَم إلا الله؟ يعني لا يُشرع ولا يملك سلطة التشريع المطلق إلا الله، قد يكون عند بعض الناس تشريع ولكن فيما أَذِن به الله، إنما ما لم يأذن به الله لا يحق للبشر أن يُشَرِّعُوا فيه،
ولا أن يحلوا أو يحرموا، لذلك يقول الله تعالى عن المشركين: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ} [الشورى:21].
هناك أشياء أذن بها الله، وأشياء لم يأذن بها الله، هناك أشياء تركها التشريع دون نص، منطقة عفو، ليس فيها أمر ملزم، ولا نهي ملزم، كما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64].
الله تعالى لا ينسى شيئا، كما قال على لسان سيدنا موسى عليه السلام: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52]، وقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}، فإذا ترك الله شيئا ولم ينص عليه، فهذا دليل على أن الله يريد هذا الأمر عفواً سماحاً، منطقة سعة ومرونة، وهذه يملؤها الفقهاء عن طريق القياس على المنصوص عليه، عن طريق الاستصلاح والعمل بالمصلحة المرسلة، عن طريق الاستحسان، عن طريق مراعاة العرف، عن طريق الاستصحاب، كما يبحث ذلك علم أصول الفقه.
القرآن يشدِّد في مسألة تحريم الحلال
المهم أن القرآن يشدِّد في مسألة تحريم الحلال، لا يجوز لأحد أن يحرم الحلال ويضيق على الناس ما وسَّع الله عز وجل، على غرار ما فعل المشركون في الجاهلية، وهذا من إغراء الشيطان، كما قال الله حكاية عنه: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء:119]، يقطعون آذان الأنعام، ويقولون: هذه سائبة، وهذه وصيلة، وهذه كذا، وهذه كذا، ولهم خرافات كثيرة في هذا الأمر، فيحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله، أحلوا ما حرم الله مثل قتل أولادهم، كما في قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} [الأنعام: 137]، شركاؤهم وشياطينهم زينوا لهم قتل أولادهم.
فانظروا كيف قتلوا أولاهم من أجل الإملاق، من أجل الفقر الواقع، أو خشية الإملاق، أي: خشية الفقر المتوقع، كأن الأولاد ينقصون الرزق، ولذلك ربنا يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، ويقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} [الإسراء: 31].
ولذلك سيدنا عبدالله بن عباس يقول: من أراد أن يعرف ضلالة العرب في الجاهلية فليقرأ قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140]،أي: من أراد أن يعرف جهالة العرب وضلالة العرب، فلينظر كيف قتلوا الأولاد وحرموا الأنعام، حرموا الحلال، وأحلوا الحرام.
القرآن يناقش المشركين فيما حرموه
ولذلك ظل القرآن يناقشهم فيما حرموه هذا مناقشة تفصيلية، يقول: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، ثمانية أصناف،{مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ}، هل ربنا حرم الذكور من الضأن أو من المعز، أي من الخراف، أو من الماعز،{قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ}، هل هو حرم الأجنة في بطون أمهاتها؟ {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} [الأنعام: 142-143]، هاتوا لنا كلاما علميّاً، لا كلاما عن هوى أو ظن فإن الظن لا يغني من الحق شيئا.
ثم يقول تعالى: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}، وهذه بقية الأنعام، الضأن والمعز، ثم الإبل والبقر،{وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}، اثنين يعني: ذكور وإناث،{قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144].
وبعد ذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلى مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، هذه هي الأربعة أطعمة التي حرمها الله: الميتة، والدم المسفوح، والخنزير، وما أُهلَّ به لغير الله، وهو الذي ذكر عليه اسم غير اسم الله، اسم الأصنام وهذه الأشياء، وما ذبح على النصب، هذا هو الحرام، فلم تحرمون على الناس ما أحل الله لهم؟ من أين جئتم بهذا التحريم؟
تحريم الحلال أمر خطير
القرآن اعتبر تحريم الحلال أمراً خطيراً، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، وهو حديث قدسي، يقول الله عز وجل: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً».
الشياطين هم مَن بعُد بهم عن الفطرة، فطرة التوحيد، وهم من حرموا عليهم ما أحل الله لهم، عسروا ما يسر الله، وضيقوا ما وسع الله، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله برسالته كان من ضمن رسالته كما يقول القرآن أنه: {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].