الإطالة في دعاء القنوت في التراويح (2)

alarab
باب الريان 18 يوليو 2013 , 12:00ص
عبدالسلام البسيوني
أواصل عرض بحث ضافٍ من موقع الإسلام سؤال وجواب، يحوي مقولات السلف رضوان الله عليهم، عن حكم ترتيل دعاء القنوت وتطويله لأكثر من 20 دقيقة، مع ما يتخلله من دعاء أشبه ما يكون بالكلام؟ ثانيا: يجب مراعاة الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم -ثم أصحابه من بعده- أولى، وأفضل، وأعظم بركة من اختراع الأدعية المسجوعة، والأوراد المتكلفة، التي لا يؤمن أن يكون فيها خطأ في المعنى، أو مخالفة لمقتضى الأدب مع الله تعالى في دعائه، وأسلمُ لصاحبها من الرياء والسمعة. قال القاضي عياض رحمه الله: أذن الله تعالى في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة؛ فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه صلى الله عليه وسلم. وقال الماوردي -رحمه الله- في الحاوي الكبير [2/200]: والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من غيره، وأي شيء قنت من الدعاء المأثور وغيره أجزأه عن قنوته. [نقل النصين الشيخ محمد إسماعيل المقدم وفقه الله في رسالته: عودوا إلى خير الهدي، ص (45-46)]. وقد أشار ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله- أن الدعاء المأثور ينبغي أن يكون هو الهدي والورد الراتب، وأن الزيادة عليه هي من باب الرخصة، قال: والمستحب عندنا: ما رواه الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهدني.. الحديث مشهور، قال: فإن ضم إليه ما روي عن عمر رضي الله عنه: اللهم إنا نستعينك، إلخ، فلا بأس. اهـ، نقله ابن مفلح في نكته على المحرر (1/89). بل إن بعض أهل العلم شدد في أمر الزيادة على الدعاء المأثور، حتى قال العز ابن عبدالسلام -رحمه الله- كما في فتاواه (87): ولا ينبغي أن يزاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في القنوت شيء ولا ينقص [نقلا عن: عودوا إلى خير الهدي، ص: 45ـ هـ 2)]. ثالثا: لا بأس بالزيادة على اللفظ المأثور في القنوت بما يناسب الحال، فإن المقام مقام دعاء، والدعاء أمره واسع، والزيادة فيه مشروعة، يقول النووي رحمه الله «المجموع» (3/477-478): قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قول من قال يتعين (أي الدعاء الوارد) شاذ مردود، مخالف لجمهور الأصحاب، بل مخالف لجماهير العلماء، فقد حكى القاضي عياض اتفاقهم على أنه لا يتعين في القنوت دعاء. وقال صاحب الحاوي: يحصل بالدعاء المأثور وغير المأثور. انتهى. وجاء في «الموسوعة الفقهية» (34/63): وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة. وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله «الشرح الممتع» (4/52): ولو زاد على ذلك فلا بأس؛ لأن المقام مقام دعاء. رابعا: ينبغي الانتباه إلى أن الزيادة على الدعاء المأثور -وإن كانت سائغة عند جمهور العلماء- فلا يجوز أن تتخذ هديا لازما، ووردا ثابتا، تهجر لأجله السنة المأثورة، وتفوت لأجله بركة اتباع الهدي، بل ولا ينبغي أن يجمع بينهما دائما، ويجعلا بمنزلة واحدة، بل يفعل المصلي ذلك أحيانا ويتركه أحيانا، بحسب مقتضى الحال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع؛ فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان! وما سواها من الأذكار قد يكون محرما، وقد يكون مكروها، وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس؛ وهي جملة يطول تفصيلها. وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنونة، ويجعلها عبادة راتبة، يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس، بل هذا ابتداعُ دينٍ لم يأذن الله به، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله للناس سنة؛ فهذا إذا لم يُعْلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه، لكن قد يكون فيه ذلك، والإنسان لا يشعر به. وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت، فهذا وأمثاله قريب. وأما اتخاذ ورد غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي: فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلية، ولا يعدِل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد. مجموع الفتاوى (22/511). خامسا: ما هو مقدار القنوت؟ وهل يشرع التطويل فيه أم لا؟ إذا تأملنا في حديث الحسن بن علي السابق، نجد أن الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم له دعاء مختصر موجز، لا يكاد يستغرق الدقائق المعدودات، ما يدل على أن الأوْلى في دعاء القنوت هو الاختصار، والاقتصار على جوامع الدعاء. والأحسن في هذا كله والله أعلم هو الاعتدال، فإن خير الأمور الوسط، وقد نهت الشريعة أن نشق على الناس، خاصة إذا اعتاد ذلك في كل ليلة.