العدل والعادل من أسماء الله الحسنى
باب الريان
18 يوليو 2013 , 12:00ص
? د. علي محيي الدين القرة داغي
روى الترمذي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً: مئة غير واحدة، من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم... الحَكَم، العَدْل، اللطيف، الخبير...) قال شراح الحديث: (العدل هو: الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمى به، فوضع موضع العادل وهو أبلغ منه، لأنه جعل المسمى نفسه عدلاً).
هذا ما يتعلق بسرد أسماء الله الحسنى، أما أصلها فثابت في القرآن الكريم في عدة آيات منها قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى .....) وقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) وقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
يقول القاضي أبوبكر في تفسير الآية الأولى: (هذه آية عظيمة من الآي التي جمعت العقائد والأعمال....) ثم قال: (حقيقة الاسم: كل لفظ جعل للدلالة على المعنى إن لم يكن مشتقاً، فإن كان مشتقاً فليس باسم، وإنما هو صفة، هذا قول النحاة) ثم عقب على ذلك بأننا في الشريعة لا نحتاج إلى هذه التفرقة (وأن الصحابة وعلماء الإسلام حيث عددوا الأسماء ذكروا المشتق، والمضاف، والمطلق في مساق واحد، إجراءً على الأصل ونبذاً للقاعدة النحوية).
وقد ذكر المفسرون الخلاف في هذه الأسماء على ثلاثة أقوال:
حيث ذهب جماعة منهم إلى أنها أسماؤه التي فيها التعظيم والإكبار.
وذهب القول الثاني إلى أنها الأسماء التسعة والتسعون التي ورد فيها الحديث الصحيح.
وذهب القول الثالث إلى أنها الأسماء التي دلت عليها أدلة الوحدانية، وهي سبعة تترتب على الوجود، وهي القادر العالم المريد الحي المتكلم السميع البصير، حيث إن بقية الأسماء والصفات ترجع إلى هذه الأصول السبعة.
وقد رجح معظم العلماء المحققين القول الثاني، قال ابن العربي: (لكن الصحيح عندي: أن المراد بها التسعة والتسعون التي عددها صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح) ثم قال: (فإن قيل: هل إلى معرفتها سبيل؟ قلنا: حلّق العلماء عليها، وساروا إليها، فمن جائر، وقاصد، فأما من وقف على الأمر فما عرفته إلاّ الإسفرايني، فأسند طريقه، ووضع تحقيقه...) ثم ذكر بأنه من خلال النظر في القرآن الكريم والسنة النبوية تصل أسماء الله تعالى إلى مئة وستة وأربعين اسماً، ذكرها مع شرح موجز لكل اسم، وأضاف إليها ثلاثين اسماً آخر ذكره في كتابه (الأمد) ولكنه قال: إن أسماء الله الحسنى التي طلب الدعاء بها تسعة وتسعون اسماً كما في الحديث الصحيح، حيث إن على الداعي أن يدعو بكل هذه الأسماء والصفات رجاء أن يصيب تلك الأسماء حيث قال: (فإنها -أي أسماء الله الحسنى- مخبوءة فيهما -أي القرآن والسنة- كما خبئت ساعة الجمعة في اليوم، وليلة القدر في الشهر... وكذلك أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فتصيب العدد الموعود به فيها...).
العدل من أهم مقاصد القرآن
إن العدل من أهم مقاصد الشريعة، والغايات التي نزلت لتحقيقها، فقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فمقصد «العدل» يحقق مقصد الاستخلاف والاستعمار -أي طلب تعمير الأرض- الذي جعله الله رسالة هذا الإنسان، تلكم الرسالة التي كلفها الله تعالى بأدائها، وذلك لأن العدل يشمل كل جوانب الحياة، وهذا هو الأساس في التعمير والبناء، وهذا ما شرحه الشيخ سعيد النورسي في الحقيقة الثالثة حيث ربط بين العدل والحكمة، وأن قاعدة الثواب للمحسن، والعقاب للمسيء تمثل قمة العدل، كما ربط بين العدل، والميزان الذي يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، كما أنه ذكر: (فمن مقتضى العدل والحكمة أن تُرسل أيضاً الذرات الأرضية التي رافقت تلك الثمرات والمعاني وخَدَمَتها مع أنقاض هذه الدنيا التي ستدمّر إلى العالم الأخروي وتستعمل في بنائه، وذلك بعد تكاملها تكاملاً يخصّها من حيث الوظيفة، أي بعد أن نالت نور الحياة كثيراً وخدمَتها، وأصبحت وسيلة لتسبيحات حياتية من هذه الحقيقة ينكشف طرف من قانون عظيم هو: (قانون العدل).
فإذا شئت -في ضوء هذا المثال- أن ترى تجلي اسم الله «الحق» و «الرحمن» و «الرحيم» ضمن نطاق العدل والحكمة، فسرّح نظرك في الربيع إلى تلك الخيام المنصوبة على بساط الأرض لأربعمئة ألف من الأمم المتنوعة الذين يمثلون جيش النباتات والحيوانات، أنعم النظر فيها تجد أن جميع تلك الأمم والطوائف مع أنها متداخلة، وألسنتهم مختلفة، وأرزاقهم متفاوتة، وأسلحتهم متنوعة، وطرق معيشتهم متباينة، وتدريباتهم وتعليماتهم متغايرة... مع كل هذا فإن كلاً منه اتدار، وتربى وتراعى باسم «الحق» و «الرحمن» و «الرزاق» و «الرحيم» و «الكريم» دون التباس، ولا نسيان ضمن نطاق «الحكمة» و «العدل» بميزان دقيق وانتظام فائق، فشاهد هذا التجلي وتأمل فيه: فهل يمكن أن يتدخل أحد غير الله سبحانه وتعالى في هذا العمل الذي يدار بمثل هذا النظام البديع والميزان الدقيق؟!).