الرسول يقابل الغلظة بالضحك

alarab
الصفحات المتخصصة 18 يونيو 2016 , 12:01ص
نعيم محمد عبد الغني
عن أنس بن مالك قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء) متفق عليه.
في هذا الحديث نرى ضحك النبي صلى الله عليه وسلم في موقف يجسد معاني الحسن التي أمر الله بها في قوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). ويجسد حال الرسول ورفقه بصاحبه وأمانة الرواية لأنس بن مالك، ويعطينا انطباعا عن طبيعة الأعراب وما يتصفون به من قسوة وغلظة، وهذه معان يمكن التركيز عليها في هذه البسمة من البسمات.
إن مقابلة الإساءة بالإحسان، والدفع بالتي هي أحسن مرتبة لا يلقاها إلا الذين صبروا، ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من روح التسامح، وقد كان صلى الله عليه وسلم يدفع بالتي هي أحسن، وأتى ذلك بثمار طيبة، فكم من الذين أسلموا كانوا يبغضون رسول الله، ويكرهونه، وبعد أن آذوه وتعاملوا معه أحبوه، وفدوه بدمائهم وأنفسهم، وقد مدح الله ذلك الخلق من رسول الله فقال له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).
ولقد كان يؤذي الصحابة أن يؤذى رسول الله وأن يخاطب بمثل هذه اللغة، فيستأذنون في أن يقتلوا أو يضربوا من يكلم رسول الله بهذه الطريقة فينهاهم رسول الله، ويذكر لهم سبب النهي، فعبدالله بن أُبي رغم أنه قال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) نهى النبي عن قتله؛ خشية أن يقال إن محمدا يقتل أصحابه؛ لأن الخبر لن ينتشر في الجزيرة العربية بتمامه، بل سيزيد فيه الرواة، خاصة من أعداء الإسلام الكثير، كي يصدوا الناس عن رسول الله، وهناك علل أخرى ذكرها النبي فمثلا عن أبي سعيد الخدري قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يقسم قسما فقال له ذو الخويصرة -رجل من بني تميم- يا رسول الله اعدل. قال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل. فقام عمر فقال يا رسول الله دعني -ائذن لي- فلأضرب عنقه فقال لا إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية) ثم ذكر أوصافا قال الراوي بعدها: أشهد أني كنت مع علي رضي الله عنه حين قتلهم فالتمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث ما يدل على صدق ما جاءنا من السنة، حيث يصف أنس ما يلبسه رسول الله، ويصف الموقف بدقة، فالرجل أعرابي عنده جفاء وغلظة، والصورة النمطية في الأعراب أنهم (أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ)، ولكن القرآن استثنى منهم أن من الأعراب (مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ)، ومن هؤلاء الأعراب كان المرتدون الذين كادوا يعصفون بالدولة الإسلامية الناشئة؛ حتى قاتلهم الصديق رضي الله عنه.
لقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت ضحكته بردا وسلاما على موقف ساخن كادت تراق فيه الدماء، وكسب قلب الرجل وألفه على الإيمان، وأسر قلوب من شاهدوا الموقف أو سمعوا عنه، وكثيرا في حياتنا ما تمتص البسمة الغضب، وتقهر العداوة، وتطفئ نار الفتنة.