القرضاوي: من أغراض «المدّثّر» التوحيد والتطهر الحسي والمعنوي
الصفحات المتخصصة
18 يونيو 2016 , 12:01ص
حرصاً من جريدة العرب على استكمال الفائدة ومواصلة ما بدأته العام الماضي مع تفسير جزء تبارك للشيخ يوسف القرضاوي فإنها تواصل في أيام رمضان هذا العام نشر ما تبقى من تفسير الشيخ لجزء تبارك، علماَ أن الشيخ قال: صاحبت القرآن أكثر من سبعين عاماً، وكان محور دروسي ومحاضراتي وكتبي وخطبي وفتاواي التي نشرتُ بعضاً منها في أربعة مجلدات كبيرة، ولقد ألَّفْت في مختلف فنون الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، في العقيدة والتفسير والحديث والتصوف والتاريخ والدراسات الإسلامية المعاصرة، وهي كثيرة..
سورة المدّثّر مكيَّة بإجماع أهل التأويل، وعلماء القرآن، والغالب أنها نزلت - أي الجزء الأول منها - قبل المُزَّمِّل، كما يلحظ القارئ المتأمِّل، ونزلت بعد المزمِّل سورة (القلم)، أي الجزء الأول منها، وفيه يقسم الله جل جلاله بالقلم وما يسطرون.
ومن قرأ السيرة النبوية وتأمَّل صحاح السنن، وقارن بينها، ترجَّح لديه أن سورة المدثِّر ثانية السور نُزُولًا، وأنه لم ينزل قبلها إلا سورة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق: 1].
وهو الذي جاء في حديث عائشة في (الصحيحين) في صفة بدء الوحي: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]. ثم قالت: ثم فَتَر الوحيُ. فلم تذكر نزولَ وحيٍ بعد آيات {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.، وكذلك حديثُ جابر بن عبدالله من رواية أبي سلمة بن عبدالرحمن، من طرق كثيرة، وبألفاظ يزيد بعضها على بعض، وحاصل ما يجتمع من طُرُقه: قال جابر بن عبدالله وهو يحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فنُودِيتُ، فنظرتُ أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، فلم أرَ شيئًا، فرفعتُ رأسي، فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراءٍ جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فجُئثْتُ منه رُعْبًا (أي رُعِبْتُ وفَزِعْتُ)، فأتيتُ خديجةَ، فقلت: «دثِّروني. فدثَّروني». زاد غيرُ ابن شهاب من روايته: «وَصَبُّوا عليَّ ماءً باردًا. فدثَّروني، وصبُّوا علي ماءً باردًا» - قال النووي: صب الماء لتسكين الفزع - فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} إلى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1-5] ثم حَمِيَ الوَحْيُ وتتابعَ.
ووقع في «صحيح مسلم» عن جابر: أنها أول القرآن، سورة المدثر. وهو الذي يقول في حديثه: أن رسول الله، يحدث عن فترة الوحي، وإنما تقع الفترة بين شيئين فتقتضي وحيًا نزل قبلَ سورة المدثر وهو ما بُيِّن في حديث عائشة.
أغراض السورة
جاء فيها من الأغراض ما ذكره العلامة ابن عاشور: تكريم النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والأمر بإبلاغ دعوة الرسالة. وإعلان وحدانيَّة الله بالإلهيَّة. والأمر بالتَّطَهُّر الحسيِّ والمعنويِّ. ونبذ الأصنام (والرجز- كما سيأتي - تشمل الشرك والمعاصي). والإكثار من الصدقات، والأمر بالصبر، وإنذار المشركين بهَوْل البعث، وتهديد من تصدَّى للطعن في القرآن، وزعم أنه قول البشر، وكفر الطاعن نعمةَ الله عليه، فأقدم على الطعن في آياته مع علمه بأنها حق، ووصف أهوال جهنم، والرد على المشركين الذين استخفُّوا بها وزعموا قِلِّة عدد حَفَظَتها، وتحدِّي أهل الكتاب بأنهم جهلوا عدد حفظتها، وتأييسهم من التخلُّص من العذاب، وتمثيل ضلالهم في الدنيا.
ومقابلة حالهم بحال المؤمنين أهل الصلاة والزكاة والتصديق بيوم الجزاء.
الخطاب الثاني الموجّه للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)، الأكثرون من علماء الأمة على أنَّ هذا هو الخطاب الثاني الموَجَّه إلى النبيِّ محمد، بعد الخطاب الأول الذي وُجِّهَ إليه في جبل حراء {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} وما بعده من الآيات الأربع.
و{الْمُدَّثِّرُ} أصلها المتدثِّر، وهو لابس الدثار، وهو: ما يُلبس فوق الشعار الذي يلي الجسد. وهذا خطاب تكليف للنبي محمد بالمبادئ الستة التي تتعلق بالرسالة.
وخطابه بالمُدَّثِّر خطاب ملاطفة ومؤانسة ومقاربة، ليبتسم ثغرُه، ويطمئن قلبُه، ويدخل دورته الجديدة بصدر مُنشرح، وقلب مشتاق، لأن معنى (المُدَّثِّر) المتغطِّي بثيابه، والدِّثَار: ما يتغطَّى به الإنسان من الثياب، ففي النداء بها ملاطفة من الكريم إلى الحبيب، إذ ناداه بحاله، وعبَّر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمد، ليشعره باللِّين والعطف من ربِّه.
المبدأ الأول: {قُمْ فَأَنْذِرْ}:
أي: يا أيُّها المُتغطِّي بثيابه، المُسْتَدفىءُ بها.
{قُمْ} أمر من الله تعالى لنبيِّه محمدٍ، بالقيام من المَضْجع، أو أن يقوم قيام العزم والتَّصميم.
والقيام هنا يعني الأمرين: اليقظة من النوم، فقد انتهى عهد النوم، وجاء عهد التَّفَتُّح والاستبْصار.
والثاني: التَّشمير والنهوض، فلم يعد هناك مجال للتكاسل أو التباطؤ، وإنما وراءه دعوة مُوَجَّهة إلى العالم كلِّه، طوالَ الزمن كلِّه.
والقرآن هنا يفترض القيام لله تعالى بالدعوة إليه، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46]. وفي سورة البقرة يخاطب المسلمين بقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
{فَأَنْذِرْ} أي: افعَل الإنذار وأَحْدِثْه، بادئًا بأقْرب الناس إليك، كما قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]. وقال: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ}[إبراهيم: 44]. أنذر جميع الناس، فهذا هو الأصل في رسالته، العموم والشمول، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 34].
ومعنى {أَنْذِرْ} أي: خوِّفْ أهلَ مكَّة والمشركين عامَّة، وحذِّرْهم من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، إذا لم يسارعوا إلى الإسلام. وهذا الإنذار هو أحد وجْهَي الرسالة، فإنما هي تبشير وإنذار، قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [النساء: 165]. ولكن يحسن إبراز الإنذار عندما يكون العِناد والإباء هو الموقف العام من المرسَل إليهم، عند ذلك يكون موقف الداعية العام هو الإنذار.
وقد ذكر الإنذار كثيرًا في القرآن، مثل قوله تعالى: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر: 23]. {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ} [غافر: 18]. {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 5]. {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].
المبدأ الثاني: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}
أي: خُصَّ ربَّك وحده بالتكبير والتعظيم، ببيان عظيم صفاته وأسمائه الحسنى، وتوحيده في ربوبيَّته وإلهيَّته، وذكره بالقلب واللسان. وقيل: عظمه بالعبادة وبَثِّ شَرْعِه.
ومعنى {وَرَبَّكَ} أي: سيِّدك ومالكك، ومُصلح أمرِك، ومُرَقِّيك في مدارج الكمال، والتعبير بلفظ (ربك) أولى هنا من التعبير بلفظ الجلالة (الله)، لأنَّ الكلام كله مُوجَّه بلغة الخطاب المباشر.
ومعنى {فَكَبِّرْ} أي: فعظم هذا الربَّ، وصِفْه بما يستحقُّ من الإجلال الذي هو أهله. {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 78]. أي: صِفْه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد، بل هو أكبر من كل كبير يُعظمُه الناس في الدنيا، بما يملك من مال أو ولد أو سلاح، أو قوة ماديَّة أو دينيَّة، فهذه كلُّها بعضُ فضل الله تعالى عليه، وكلُّ ما في هذا العالم مِلك الله تعالى.
وقد شُرعَت الصَّلاة لأهل الإسلام بعد نزول هذه الآية، وكان التكبير شيئًا أساسيًّا منها، حتى قيل: إنها تُفتَح بالتكبير، وتُختَم بالتَّسليم. وتكبير الصلاة جزء ممَّا يراد بالتكبير في هذه الآية،
ولا شك أنه من التكبير الذي يدخل في عموم هذا اللفظ (فكبِّر)، الذي هو تكبير التقديس والتنزيه، نخلع الأصنام والأنداد من دونه، ولا نتخذ وليًّا غيره، ولا نعبد إلهًا سواه، ولا نرى لغيره فِعلًا إلَّا له، ولا نعمة إلَّا منه.
ولفظ (الله أكبر) هو المتعبد به في الأذان والإقامة والصلوات والجُمَع والأعياد، والمنقول عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ومنه تعلمتْه الأمة كلها.