رمضان في سنغافورة.. مناسبة تغيّر حياة الجميع

alarab
الصفحات المتخصصة 18 يونيو 2016 , 12:01ص
عبد الغني عبد الرازق
يحتل شهر رمضان في سنغافورة مكانة، خاصة أنه يوجد هناك الآن عدد كبير من المسلمين حيث تبلغ نسبة المسلمين في دولة سنغافورة قرابة 15% من إجمالي سكانها، البالغ عددهم قرابة 5 ملايين ونصف، وتشمل الجاليات المسلمة الملايويين والصينيين والحضارمة اليمنيين والهنود والآسيويين والقوقازيين. تضم سنغافورة 78 مسجداً، منها 23 افتتحت أخيراً، يتسع أحد المساجد الجديدة لنحو 5 آلاف مصل، ويشعر بقية المجتمع بأن هناك تغييرا سيحدث في هذا الشهر، حيث يمارس المجتمع المسلم روح النشاط المجتمعي، ومنها تناول الطعام على شكل مجموعات، ولا تقتصر على المسلمين وحدهم، إذ يشارك كذلك غير المسلمين أصدقاءهم المسلمين، كما تجمع التبرعات لإعداد وجبات الإفطار في المساجد.
وقد أعلن أحد وزراء الحكومة السنغافورية أن رمضان يوحد الجميع، قائلا: (إن رمضان هنا ليس مجرد احتفال أو مناسبة دينية، إنه أمر أصيل وعميق في ثقافتنا، وهو فرصة لمشاركة الطعام مع الأصدقاء والجيران، فغير المسلمين في سنغافورة يحترمون ويتفهمون ديانة المواطنين الآخرين، حتى أنهم يتحاشون الأكل علناً أمام أصدقائهم المسلمين، كما يتم تدريس الأطفال في المدارس احترام التنوع الديني في سنغافورة، والعيش بسلام تحت مظلة مجتمع متنوع الديانات، كذلك يتم تعريفهم بتراث المجتمع الملايوي وقيمه وثقافته).
كيف وصل الإسلام إلى سنغافورة؟
كان التجار العرب أول من نقل الإسلام إلى سنغافورة، وذلك عندما انتشر الإسلام في الملايو والهند وإندونيسيا، وانتقل الإسلام مع هذه البلاد في هجرتها إلى سنغافورة، واتسع انتشار الإسلام في القرن التاسع الهجري، ووصلت سنغافورة جماعات عدة من البلدان المجاورة لها.
ويتلقى أبناء المسلمين تعليما إسلاميا في بعض المدارس الإسلامية، ويتلقى ثلث أبناء المسلمين قواعد الدين عن آبائهم، ويدرس الدين في المساجد لبعض الشباب المسلم، ويوجد حوالي 90 مدرسة تعاني من نقص الكفاءات، كما تواجهها صعوبات مالية، وبسنغافورة دار للعلوم كمدرسة عليا لتخريج رجال الدين، ويعاني المسلمون بسنغافورة من قلة الحفظة للقرآن الكريم، وتحفيظ القرآن قاصر على جهود المجلس الإسلامي بسنغافورة، وتوجد 6 مدارس عربية بسنغافورة، ويتلقى بعض علماء الدين دراستهم بإندونيسيا والبلاد العربية.
الاستعداد لاستقبال الشهر الكريم
يستعد مسلمو سنغافورة لاستقبال الشهر الكريم قبل قدومه بعد أيام، حيث تتخذ الأحياء السنغافورية الإسلامية زينتها من أفرع الزينات الكهربائية الملونة والتي تتخذ رسم المساجد والمآذن والقباب شعارا بديعا لها، بطول شوارع الحي الماليزي وشارع العرب، والشيء اللافت للانتباه أن سنغافورة دولة علمانية، وساعات العمل في سنغافورة خلال شهر رمضان لا تتغير، هي نفسها كما في غيره من الأشهر، ولكن يواصل المسلمون عملهم اليومي إلى جانب الوفاء بالتزاماتهم الدينية خلال شهر رمضان، ويشعر المسلمون بالفرح وهم في رمضان بين عائلاتهم أو حتى بين زملائهم في العمل.
رؤية الهلال
تعتمد سنغافورة على رؤية هلال شهر رمضان بالحساب الفلكي وذلك منذ القدم، ومفتي الإسلام في سنغافورة هو من يعلن رؤية الهلال لتحديد بداية شهر رمضان المعظم عن طريق وسائل الإعلام المختلفة.
حياة مختلفة
بمجرد انطلاق شهر رمضان يتغير كل شيء في حياة مسلمي سنغافورة، حيث يقبلون على المساجد وتعقد حلقات الذكر وتدارس القرآن وتفسيره حتى أذان صلاة المغرب، وبعض الناس يتناولون الإفطار في المسجد بعد أداء صلاة المغرب، ومن ثم يتناولون الإفطار في المسجد.
موائد الإفطار
تكثر موائد الإفطار في سنغافورة بصورة لافتة للنظر، فقبل الإفطار يتبرع الكثيرون بوجبات طعام، أما الطريف أحيانا فهو اعتذار المسجد عن قبول وجبات الطعام نظرا لكثرة المتبرعين، لدرجة أنه ينبغي الحجز مسبقا في المسجد لمن يريد التبرع، لتحديد اليوم وعدد وجبات الطعام وعدد العلب البلاستيكية التي سيتبرع بها.
طعام خاص
الشيء اللافت للانتباه أن سنغافورة لا تمتلك طعامها الخاص، فكل أكلاتها المتبلة بالكثير من البهارات مأخوذة من دول أخرى مجاورة أو بعيدة كإندونيسيا وماليزيا وبروناي وتايلاند والصين والهند، كما أنها لم تعرف الخبز العربي إلا منذ عدة سنوات على يد مهاجر لبناني، حيث كان يشيع فيها، ولا يزال خبز يسمى فرانسيش أي الخبز الفرنسي هو المنتشر.
لكن يحرص مسلمو سنغافورة خلال هذا الشهر على تناول طعام خاص في هذا الشهر، حيث أصبحت لديهم خيارات كثيرة من قوائم الطعام العربي، بعد أن ضاقوا ذرعا بأكلاتها الحارة المليئة بالبهارات. فهناك مطاعم تقدم الأطباق اللبنانية، ومختلف المشاوي من اللحوم الحلال، وغيرهما من المطاعم التي تقدم أطباق اللحم والأرز إلى جانب المقاهي التي تقدم شتى أنواع المشروبات كالزنجبيل والقهوة والشاي والكاكاو والعصائر والفول المسلوق.
وبجانب ذلك فهناك المطاعم الكبرى ومطاعم الفنادق الفاخرة التي تنبهت لأهمية شهر رمضان بالنسبة للمسلمين فأصبحت تتنافس على جلب أمهر الطهاة العرب والمسلمين من مصر ولبنان وتركيا، وغيرها من الدول الإسلامية، وهكذا صار المسلم يجد أمامه اليوم حتى تلك الأشياء التي لا يمكن تخيل وجودها في سنغافورة كشراب العرق سوس والكنافة وقمر الدين! أضف إلى ذلك جهود هيئة السياحة السنغافورية، فقد أخذت بتجديد وبعث روح الحيوية من جديد لمناطق وجود المسلمين بهدف استقطاب السياح العرب، وهو الأمر الذي جعل هذه المنطقة الواقعة في قلب سنغافورة أخاذة بحق.
صلاه التراويح
وبعد تناول الإفطار يحرص مسلمو سنغافورة على التوجه إلى المساجد لأداء صلاه التراويح، وبعد التراويح والوتر تعقد حلقات الدرس ويفسَّر القرآن بواسطة شيخ المسجد أو أي شيخ آخر، ويترجم القرآن من اللغة العربية إلى اللغة الملاوية.
السحور
يتم الاستيقاظ في الساعة الرابعة صباحا، ويتناول المسلمون هناك ما بقي من الطعام مضافا إليه الأرز والسمك، وبعد ذلك يتناولون القهوة أو الكاكاو أو الشاي بالحليب حتى يسمعوا نداء الصلاة فيذهبوا إلى المسجد، كي يؤدوا صلاة الفجر في جماعة.
تبادل الزيارات
يحرص مسلمو سنغافورة على تبادل الزيارات خلال الشهر الكريم، ففي النهار يمكن للصائم التنزه في هذه الشوارع وشراء ما يبتغيه من أغراض الطعام أو الملابس الماليزية أو المفروشات وخلافه، لكنه في الليل لن يجد له موطئ قدم، حيث يزدحم السنغافوريون المسلمون مع أشقائهم من الجاليات الإسلامية بعد صلاة التراويح.
العشر الأواخر والعيد
كل الأسر تذهب إلى المسجد كبيرها وصغيرها، وتقام السرادقات حول المسجد لتنام فيها هذه الأسر ويحدث ذلك يومياً في العشر الأواخر من رمضان، بحيث تؤدى الفرائض في المسجد والسرادقات ينام فيها الناس.
أما بالنسبة لليلة العيد هناك طعام خاص تعده الأسر في سنغافورة ويسمى كتوبات، وهو عبارة عن أرز يلف بعروق شجرة النارجيل على شكل مربع، ويوضع على شبكة تعلو إناء كبيراً [حلة]، بها ثقوب كثيرة، ويملأ هذا الإناء بالماء ويوضع على النار ويتم نضج الـ(كتوبات) على البخار المنبعث من الماء المغلي داخل الإناء حتى ينضج تماماً، ويؤكل يوم العيد مع اللحم المطبوخ والدجاج المقلي.