الخميس 13 رجب / 25 فبراير 2021
 / 
01:07 م بتوقيت الدوحة

العينان الخضراوان

شهرزاد المصرية ?

السبت 18 يونيو 2011
ركبنا معاً على الأرجوحة التي أخذتُ على عاتقي تحريكها باعتباري الأكبر سنا، تحركت الأرجوحة بعنف من الخلف إلى الأمام وبالعكس، مدت كل منا يدا محاولة أن تلمس السحاب وقد تعالت صيحاتنا الجذلى، نزلنا عن الأرجوحة، تلاحمت أيدينا ندور وندور وقد رفعنا رأسينا الصغيرين نراقب أغصان الأشجار وهي تشاركنا الدوران حتى فقدنا التوازن وسقطنا معا، تلوث ثوب صديقتي الصغيرة بالرمال فقامت تزيلها بيديها وهي تبكي ثم انصرفت غاضبة من دون أن تستجيب لرجائي بالبقاء. عدت إلى أمي آسفة أقص عليها ما حدث فطمأنتني بقولها أنني لم أرتكب أي خطأ، أبديت حزني لفراق صديقتي التي لم أكن قد سألتها عن اسمها بعد فطلبت أمي أن أصفها حتى تستطيع البحث عنها داخل النادي، بدأت الوصف بالطول، الحجم، لون البشرة، لون الشعر، الثوب والحذاء حتى سألت أمي عن لون العينين فأصابتني الحيرة، تلفتُّ حولي أتفحص الأشجار والنباتات حتى وجدتها، شجرة قصيرة هرمية الشكل ذات أوراق تتكون من أجزاء مستطيلة متعرجة، أشرت بإصبعي إلى ورقة حديثة النمو وقلت لأمي: مثل هذا اللون.. عرفت فيما بعد أن الشجرة القصيرة هي شجرة السرو، وأنها تنمو لارتفاعات كبيرة إذا ترك لها المجال، كما عرفت أن عيني صديقتي -التي لم أرها بعد ذلك أبدا- خضراوان، وهو لون كنت قد رأيته كثيرا وإن لم أرَ تلك الدرجة، التي تشبه أوراق السرو حديثة النمو من قبل. مضى بي الزمن فامتلكت قطة بيضاء طويلة الشعر، كان لها عينان خضراوان جميلتان، قرأت وأحببت قصيدة أمل دنقل التي تحمل عنوان «العينان الخضراوان»، رأيت عديداً من العيون بكل الألوان والدرجات، لكنني أبداً لم أرَ عينين في خضار ورقة السرو حديثة النمو، هل كانت عينا صديقتي بلا نظير حقا أم أنها دهشة اكتشاف الأشياء لأول مرة؟ بعد سنوات، وجدت في حديقتي شجرتي سرو ترك لهما المجال لتنموا فعَلَت قامتاهما وتشعبت أوراقهما لتتلامس مع جيرانهما من الجهنمية والياسمين، لم أزرعهما ولم أشرف على ذلك فكان اكتشافي لهما بمثابة هدية من الزمن الجميل، قامتاهما الباسقتان لم تمنعا ظهور الأوراق المستطيلة المتعرجة حديثة النمو، لتأخذني إلى الأرجوحة والدوران مع رفع الرأس للأعلى، إلى عبث الهواء المجنون بشعري، إلى ضحكة الطفولة التي تشق عنان السماء من دون أن تخشى الرقباء، أستعيد ملمس يدي صديقتي الصغيرة وأنا أجلس على أقرب كرسي خشية أن يصيبني الدوار فأقع. خرجت يوما إلى الحديقة فلم أجد عيني صديقتي، أقصد شجرتي السرو، سألت زوجي فقال إن البستاني اقتلعهما بلا استئذان لأن جذورهما هددت الأشجار حولهما، وأنه أنَّب الرجل على ذلك، ثم ذكرني بوجود شجرة سرو أخرى بجوار مدخل المنزل، ذهبت لمعاينتها، وجدتها صفراء وكأنها تستعد للرحيل فانقبض قلبي، ولكنني لم أستسلم، أمرت البستاني بزراعة الكثير من أشجار السرو وبألا يغير أي شيء من دون استئذان، صرت أتفحص أشجاري كل يوم وأراقب الأوراق الجديدة وهي تنمو، أطمئن على قوة كل شجرة وقدرتها على البقاء لتأخذني إلى الزمان الجميل، استعرت عيني صديقتي المجهولة لبطل إحدى قصصي، وبقي أن أسأل أمي لأعرف إن كانت تحتفظ بهذه الحكاية القديمة في ذاكرتها.

_
_
  • العصر

    3:06 م
...