خبراء: إعادة تدوير النفايات وإنشاء مصانع لمعالجتها يوفر مزايا بيئية واقتصادية

alarab
تحقيقات 18 مايو 2015 , 02:20ص
محمد سيد احمد
أكد خبراء ومهتمون بالبيئة أن إنشاء مصانع لتدوير النفايات والقيام بحملة وطنية لترشيد الاستهلاك وعدم الإسراف في الأطعمة التي تشكل بقاياها جزءا هاما من النفايات يمثل جزءا مهما من الحل بالنسبة لكثرة النفايات، أو مساهمة في التخلص من النفايات التي تنقلها أساطيل سيارات البلدية على مدار الساعة من المدن إلى المكبّات في المناطق المخصصة لذلك، وبينوا أن عدم تدوير النفايات يحرم الدولة من مزايا بيئية واقتصادية كبيرة أثبتت الدراسات جدوى تدوير النفايات للحصول عليها. ويزداد سكان قطر يوما بعد يوم بسبب الطفرة الاقتصادية الكبيرة والنهضة العمرانية الشاملة التي تحدث في البلاد مما يتسبب في زيادة الضغط على جميع الخدمات، ويضاعف كذلك الجهود المبذولة من طرف الجهات المعنية بحماية البيئة والحد من النفايات والمخلّفات، ويتساءل مواطنون كثر عن مصير النفايات والمخلفات الآخذ في الاتساع، وما إذا كانت هناك مصانع لتدويرها ومعالجتها. وفي الوقت الذي تستورد فيه الدول المتقدمة نفايات الدول الأخرى لإعادة تدويرها والاستفادة منها اقتصاديا، ما تزال دول عربية تدفن النفايات في باطن أرضها محدثة بذلك ضررا بيئيا كبيرا ستكون له عواقب وخيمة على التربة في حالة ما إذا حاولت تلك الدول الاستفادة من المساحات التي تطمر فيها أطنان النفايات يوميا، ناهيك عن حرمان هذه الدول من مكاسب اقتصادية جمة كان بالإمكان أن تجنيها من وراء إعادة تدوير النفايات. ورغم ضيق مساحتها الجغرافية وحاجتها لكل شبر من أرضها أقامت الجهات المعنية في قطر مصنعا لتدوير ومعالجة النفايات المنزلية، بينما يتم التخلص من النفايات الصلبة بالطرق التقليدية «الدفن في باطن الأرض» وهي خطوة يرى خبراء في مجال البيئة أنها تحتاج إلى وسائل وأساليب كثيرة لكي تكون آمنة.
وفي جولة لكاميرا «العرب» في منطقة أم الأفاعي التي يوجد بها مكب للنفايات اكتشفنا وجود أكوام كبيرة من هذه النفايات أبرزها إطارات السيارات التي أصبحت تشكل للناظر من بعيد ما يشبه المرتفعات لكثرتها، ناهيك عن أرتال شاحنات البلدية التي يعج بها المكان والتي تتخلص من أطنان هائلة من القمامة والنفايات في مكب مخصص، بينما تقوم الرافعات بنقله ووضعه في شاحنات أخرى لتنقله إلى المكب الرئيسي في منطقة «أمسيعيد»، حيث يدفن هناك في مكان خاص بحسب شهادة بعض سائقي الشاحنات المخصصة لنقل النفايات.
كما لا حظنا أثناء جولتنا وجود معمل أو مصنع لمعالجة النفايات في نفس المكان تبيّن لنا أنه يعالج النفايات المنزلية، نظرا للروائح الكريهة التي تعم المكان، دخلنا إلى معمل معالجة النفايات الواقع في أم الأفاعي، وصعدنا السلم وسط هبوب روائح كريهة تزكم الأنوف، وفوجئنا بمكتب زجاجي يقع فوق أكوام من النفايات وبأدوات متطورة تشفط النفايات من الحاويات في عملية نعتقد أنها لإعادة التدوير والمعالجة، لكن أفراد الطاقم المداوم في نفس المكان اعتذروا عن الحديث معنا بحجة الخشية من الإدارة التي لا تسمح عادة بمثل هذه الأحاديث، مما دفعنا إلى التوجه إلى المكب الرئيسي القريب والاستفسار من السائقين والعمال الذين يزاولون عملهم هناك.

دفن النفايات
ولمعرفة مصير النفايات التي تنقلها شاحنات البلدية أكد سائق إحدى الشاحنات وسيم خان نقل أن سيارات البلدية تقوم بجمع النفايات من الحاويات المنتشرة على الشوارع داخل المدن، ثم تتوجه بتلك النفايات إلى أماكن مخصصة لها، وبعد ذلك تأتي شاحنات أخرى لتحملها وتتوجه بها إلى المكب الرئيسي في منطقة مسيعيد، ولكونها منطقة صناعية عملاقة تبادر إلى أذهاننا أنه يوجد في مسيعيد مصانع لإعادة تدوير النفايات، والمفاجأة كانت كبيرة عندما أكد وسيم أن النفايات يتم دفنها في منطقة مخصصة لذلك، وهذا ما جعل البعض يشدد في مطالبته بسرعة إنشاء مصانع تدوير النفايات، وتطوير معامل المعالجة الموجودة وزيادة طاقتها الإنتاجية حتى تسهم في الحد من الضرر البيئي الناجم عن النفايات والمخلفات التي تعج بها أماكن عدة.
وهذا بالضبط ما قاله ناصر حسن «سائق آخر» والذي أكد صحة ما ذهب إليه وسيم من أن النفايات يتم دفنها في منطقة أمسيعيد بعد نقلها من طرف شاحنات إلى المكب الرئيسي، مبرزا دور معامل المعالجة التي توجد في بعض المناطق، فهي تساعد كثيرا في التخلص من العديد من القمامة.

سابقة في المنطقة
يقول مبارك محمد: لا أعتقد أن موضوع تدوير النفايات والاستفادة منها أمر صعب لا يمكن لدولة مثل دولة قطر القيام به، فالدولة في العقد الأخير قد أقامت مصانع عملاقة في مختلف مناطق البلاد الصناعية تبيّن للجميع حجم الفوائد التي جنتها من ورائها، وبالتالي سيدخل إنشاء مصنع لتدوير النفايات دولة قطر في عالم النظافة البيئية، وسيكون سابقة في المنقطة نتمنّى أن تكون قطر سباقة إليها مثل الأمور الهامة التي كان لها فيها قصب السبق، فالمتأمل لأساطيل شاحنات البلدية التي تجوب شوارعنا ليلا ونهارا لرفع مئات -بل آلاف- الأطنان من النفايات سيجد صعوبة بالغة في فهم ومعرفة الطريقة التي يتم بها التخلص من تلك النفايات، إذا ما أخذنا في الحسبان محدودية مساحة دولة قطر التي لا أعتقد أنها قادرة على استيعاب معظم هذه النفايات لفترات طويلة دون الانتقال بها من منطقة إلى أخرى، وتكلفة دفن النفايات في مناطق عدة أكبر وأخطر صحيا وبيئيا من تكلفة إنشاء مصنع وطني عملاق أو مصانع تكون قادرة على تدوير هذه النفايات، وهنا لا يسعني إلا أن أسجّل إعجابي بالجهود الجبّارة التي تبذلها وزارة البلدية ووزارة البيئة، من أجل نظافة مدننا وشواطئنا وساحاتنا، لكن على هاتين الوزارتين أن تلعبا دورا حيويا في إقناع الجهات المتخصصة بضرورة إنشاء مصانع تدوير للنفايات حتى تكتمل الدورة الاقتصادية في هذا المجال بشكل يحد من الأضرار البيئية المحتملة، ويعطينا فرصة لاستخراج ما تم دفنه من النفايات وإعادة معالجته، حتى لا يتسبب لنا في مشكلة بيئية نحن في غنى عنها.

علاقة أزلية
من جهته قال عبدالله عبدالعزيز الخليفي: إن علاقة الفرد بالبيئة علاقة أزلية، لكنها تطورت سلبا أو إيجابا بتطور الفرد وقدرته على التأثير، فقد ظل الإنسان يعيش بشكل طبيعي صديقا لبيئته دون الإضرار بها قبل أن يبدأ العصر الحديث الذي بلغ فيه الإنسان قمة العلم والمعرفة، ومع زيادة علم الإنسان واكتشافه للتكنولوجيا، ازداد الصراع بين الإنسان والبيئة، وبدأت الحكومات والدول والشركات الكبرى والمصانع تتجاهل طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة، مفضلة المصالح الآنية الضيقة على المصلحة العامة والنظرة للمستقبل، لذا أعتقد أننا في قطر –بل وفي كل دول العالم- نعاني من مشكلة كبيرة ناتجة عن معادلة فرضها الواقع الصناعي وحياة المدنية الحديثة، فكلما زاد الازدهار الاقتصادي، كلما ارتفع معدل مساهمة المواطن والمقيم في الإضرار بالبيئة عن طريق جمع عشرات الكيلوجرامات من النفايات يوميا، وفي المقابل تضاعف البلدية جهودها لتخليص المواطن والمقيم من السموم والنفايات التي يتسبب في خلقها كل ساعة، لكن علينا أن نسأل البلدية عن مصير هذه النفايات، وما إذا كان التخلص منها عبر دفنها في باطن الأرض حلّاً جذريا أم أنه حل مؤقت لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل، من هنا علينا مطالبة الحكومة، خصوصا وزارة الصناعة التي استثمرت مئات المليارات في بناء مصانع جديدة، -علينا مطالبتها- ببناء مصنع أو مصانع كبيرة لتدوير النفايات، فنحن نريد أن نرى دولة قطر تستورد نفايات الدول المجاورة لإعادة تدويرها، كما تفعل السويد مع الدول المجاورة لها، فقبل فترة قرأنا في وسائل الإعلام أن هذه الدولة قد أكملت تدوير نفاياتها، وباتت تستورد من دول مجاورة القمامة لإعادة تدويرها، فالأمر ليس صعبا، فالمال والمساحة موجدان، والذي ينقصنا في هذا المجال هو الإرادة والتصميم، ونتمنى على دولتنا أن تكون رائدة في هذا المجال الحيوي.
وطالب الخليفي من المواطنين والمقيمين عدم الإسراف في الاستهلاك الذي ينجم عنه جمع النفايات، مشيراً في هذا المجال إلى أن الجهات المعنية مطالبة بالقيام بحملة للترشيد، أسوة بحملة كهرماء لترشيد المياه والطاقة التي لاقت تجاوبا كبيرا من قبل المواطنين والمقيمين.

مال مهدور
وفي هذا السياق قال الدكتور سيف الحجري: إن النفايات عبارة عن مال مهدور في حالة عدم إعادة تدويرها والاستفادة منها، وتأخذ مساحة من أراضي الدولة يمكن استغلالها في أمور أخرى أكثر نفعا، فالمصانع ذات التقنيات الحديثة قادرة على معالجة وإعادة تدوير تلك النفايات بطرق حديثة لا تضر بالبيئة، بالإضافة إلى عائداتها الاقتصادية الضخمة التي تصل إلى مليارات الدولارات، بحسب الدراسات في هذا الشأن، مشيراً إلى أن دولة قطر لديها مصنع للتخلص من النفايات المنزلية، بينما يتم التخلص من النفايات الصلبة بطرق شتى، منها التصدير للخارج، ومنها دفن بعضها.
وأوضح أن التلوّث البيئي ينقسم إلى مقبول، وخطر، وقاتل، وهذا أخطر درجات التلوث، حيث تتعدى الملوثات الحد الخطر، وهو التلوث الذي يحدث فيه انهيار للبيئة والإنسان معاً ويقضي على كافة أشكال التوازن البيئي ويحتاج إصلاح هذا الخلل سنوات طويلة ونفقات باهظة، وأشار إلى أن أسباب التلوث كثيرة، والذي يعنينا هنا هو التلوث الناتج عن النفايات التي تنقسم إلى نفايات خطرة، مثل النفايات النووية والكيميائية، ونفايات الأدوية، وبعض النفايات التي لها تأثير كبير على التربة وعلى الهواء، إضافة إلى النفايات الصلبة التي يحتاج التخلص منها إلى وسائل تكنولوجية خاصة، علما بأن تلوث التربة يغير من خواصها الطبيعية أو الكيميائية أو الحيوية، أو يغير من تركيبها بشكل يجعلها تؤثر سلباً على من يعيش فوق سطحها من إنسان، وحيوان ونبات، وينتج هذا النوع من التلوث عن دفن المعادن الثقيلة، وسقوط الأمطار الحمضية، والغبار الذري، والمبيدات الزراعية التي تلحق أضرارا كبيرة بالتربة، وبالتالي ينعكس على الغذاء الذي يتناوله الإنسان.
وكشف الحجري عن أن النفايات الأكثر خطورة هي: النفايات الإلكترونية، والطبية والكيميائية، والنفايات المشعة، علما بأن النفايات الإلكترونية لا تسلم من مخاطرها دولة على الإطلاق، لأن مسبباتها توجد في كل بيت اليوم، فأجهزة الحاسب الآلي، والهواتف، والتلفزيونات، وهي تحتوي على عناصر خطرة، مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ، والكادميوم، والكروم، ومعوقات اللهب، بالتالي نحن بحاجة فعلا إلى إيجاد حلول لهذه المشاكل البيئية الناتجة عن مثل هذه النفايات، حيث يزداد حجم النفايات الإلكترونية مثل الحواسيب والهواتف النقالة وأجهزة التلفاز على نحو كبير في كل عام، ولقد ازدادت معدلات النفايات الإلكترونية وأضحت النفايات الأسرع والأكثر نموا حيث إن الأسعار الرخيصة لتلك المنتجات جعلت المستهلكين أمام واقع مفاده أن استبدال الإلكترونيات أفضل اقتصاديا من تصليحها، وفي المقابل فإن انخفاض أسعار تلك الإلكترونيات يعني بالضرورة انخفاض مستوى الجودة وبالتالي تقليص مدة صلاحيتها، وهذا ما يشكّل عبئا إضافيا على الجهات المعنية بحماية البيئة، والنظافة العامة في البلاد.
ولأن المخلفات الإلكترونية يمكن أن تكون من بين المشاكل الملحة للجهات المعنية في قطر، فقد أعدّ الدكتور سيف الحجري ورقة حول هذا الموضوع ننشر مقتطفات منها للفائدة ولتضعها الجهات المعنية كوزارة البيئة ووزارة البلدية نصب أعينهما، وهذه هي الدراسة: «تمثل المخلفات الإلكترونية في الوقت الراهن مشكلة أصبحت تؤرق العالم، بسبب المخاطر البيئية والصحية التي تحدث نتيجة تراكمها، وتقادمها، وصعوبة التخلص منها أو إعادة تدوير بعض موادها، وهو ما مثّل تحديا أمام الدول المتقدمة وإن كانت الدول النامية أشد تضرراً.
المخلفات الإلكترونية هي الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف النقالة والتلفزيونات والحواسيب والألعاب الإلكترونية والكاميرات الرقمية وأفران الميكروويف والبطاريات وغيرها من أجهزة إلكترونية، بسبب احتوائها على عناصر غير آمنة بيئيا مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ والكادميوم والكروم والنيكل والفضة والبريليوم والنحاس.
إن سيادة النزعة الاستهلاكية، وضعف ثقافة الشراء الرشيد، تجعل العديد من الأجهزة الإلكترونية تُستبدل قبل انتهاء عمرها الافتراضي، مما يفاقم من حجم ونوعية تلك المخلفات، حيث من المتوقع أن تتضاعف المخلفات الإلكترونية، وما لم تتخذ خطوات جادة لتدارك هذه المشكلة فإن العالم سيغرق في فوضى المخلفات الإلكترونية.
ولقد باتت تلك الأجهزة تحيط بالبشر من كل جانب وفي كل مكان وكل منزل، مصحوبة بأضرار، ليست على الصعيد المادي فحسب، بل إن لها انعكاساتها وآثارها السلبية على البنية النفسية للفرد والمجتمع إضافة إلى آثارها على البيئة الطبيعية، ناهيك عن ما ينجم من أضرار نتيجة التعامل غير الأخلاقي مع المنتجات الإلكترونية وتطبيقاتها.
وينبغي مواجهة الأساليب غير الأخلاقية التي تتبعها بعض الدول، بتصدير آلاف الأجهزة الإلكترونية المُستخدمة كل عام، من حواسيب وهواتف وأجهزة منزلية إلى البلدان الأقل نموا، بهدف ظاهر هو إعادة استخدامها، وهدف باطن جوهري، هو التخلص منها وتفادي مصاريف معالجتها، أو إعادة تدويرها.
وفي ختام حديثه طالب الحجري بالانتباه لمخاطر النفايات، خصوصا الخطرة منها، وضرورة التعامل معها بشكل آمن وناضج، كما أيد المطالبة بمزيد من المصانع المختصة في هذا المجال حفاظا على سلامة بيئة دولة قطر وسلامة صحة مواطنيها والمقيمين بها، مشيراً إلى أنه على ثقة من أن الحكومة القطرية لن تدّخر جهدا في هذا المجال.