د. الزهراني: وحدة المسلمين سبيل لاستعادة مجدهم

alarab
قطر اليوم 18 مايو 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد عيادي
أكد الشيخ الدكتور راشد عثمان الزهراني أن الله بعث محمد صلى الله عليه وسلم هاديا ومبشرا ونذيرا، فأنار الله به القلوب وهدى به سبحانه وتعالى الأفئدة، فأرشد الناس إلى عبادة رب الناس ووحد القلوب لله علام الغيوب. وأشار خطيب جامع القاضي بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية أم في خطبة الجمعة بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صار بصحابته الكرام من نصر إلى نصر، ومن تمكين إلى تمكين، فمكن الله لتك الفئة المؤمنة، بأن عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة طريدا شريدا يبحث الأعداء عنه، عاد إليها بعد ثماني سنوات ويقوم في الناس خطيبا فينظر إليهم، فإذا بهذا قد شتمه، وهذا قد آذاه، وهذا قد أخرجه من أرضه فيقول لهم: «يا معشر أهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم»، فقالوا بلسان واحد: أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وقال الخطيب الحاصل على درجة الماجستير من كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية في تخصص العقيدة والمذاهب المعاصرة من جامعة الملك سعود: إنه الفرج من الله جل وعلا الذي سكب في تلك القلوب المؤمنة التي آمنت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. وأضاف أن الصحابة الكرام بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ما نالوا ما نالوه إلا بتمسكهم بدين الله وثباتهم على العقيدة الإسلامية التي بعث بها النبي الكريم، داعيا لتأمل مواقف إيمانية تدل على عمق الإيمان في قلوب الصحابة الكرام، وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير تلك الأفئدة والأرواح، فيأتي في غزوة بدر فيجد أنه أمام معركة غير متكافئة 317 رجلا من المسلمين لم يتهيئوا للقتال ولم يستعدوا للحرب لكنهم خرجوا يحملون الإيمان العميق في قلوبهم، وهم يقولون رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، خرجوا وهم يطيعون الله ورسوله، فيقف النبي الكريم وهو أمام خيارين، إما الدخول في المعركة منتصرا بالله تعالى وإما يعود أدراجه للمدينة ليستعين برجال آخرين، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يمتحن تلك العصبة المؤمنة وقلوبها وينظر لأثر التربية العظيمة التي غرسها فيهم، فخطب فيهم وأخبرهم بمنازلة العدو فقال أشيروا علي أيها الناس ماذا ترون عملا بقوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» فقام أبوبكر رضي الله عنه وأحسن القول، ثم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال وأحسن القول، ثم قام المقداد رضي الله عنه فقال قولا عظيما، حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه «والله تمنيت لو أني وقفت مقامه وأنني مت بعدها». وزاد الخطيب أن المقداد قال: «يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن والله معك، والله يا رسول الله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول يا رسول الله اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله يا رسول الله، لو استعرضت بنا برك الغماد لخضته وخضناه معك وما تخلف منا أحد» فسر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول، لكنه ما يزال يقول أشيروا علي أيها الناس. وتساءل الخطيب ما الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يكرر طلب المشورة؟ فيعلق بأن جميع من تحدث كانوا من المهاجرين وكانوا قلة في ذلك الجيش لا يتجاوزن 83 رجلا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأي الأنصار، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه وهو ممتلئ بالإيمان وحب الله ورسوله وعمره في الإسلام لم يتجاوز ست سنوات فقط، واهتز عرش الرحمن لموته. قام سعد بن معاذ يضيف الدكتور الزهراني وقال يا رسول الله: لعلك تعنينا معشر الأنصار قال نعم، قال يا رسول الله آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطينا على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت وسالم من شئت وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت ودع منها ما شئت، ووالله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا أحد، ووالله يا رسول الله إننا صدق عند اللقاء، وصبر عند الحروب، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك. أمام هذا الموقف المهيب يقول الخطيب: يقف النبي صلى الله عليه وسلم مبتسما لهذه التربية العظيمة، والمواقف الإيمانية التي نطقت بها الأفواه المباركة وصدقتها قلوب مؤمنة، فقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم «أبشروا فإن الله وعدني إحدى الحسنيين، إما القافلة والظفر بها، وإما النصر على الأعداء». وأكد الدكتور الزهراني على أن استعادة المسلمين لمجدهم وإعادة تاريخهم الذي ذهب وقال عنه القائل: «آباؤنا كتبوا مآثر عزنا**فمحا مآثر عزنا الأحفاد» مشيراً إلى أنه ما يزال في الأحفاد بركة ومن يحمل هذا الدين ونصرة الإسلام والمسلمين، وما يزال في الأحفاد من يسعى حثيثا لأجل أن يرى العزة لله ولرسوله والمؤمنين. وقال الخطيب إن لأمتنا تاريخا معروفا بفضل الإسلام والبعثة النبوية، منوها للمقولة الخالدة لعمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه سارت بها الركبان واستقرت بالوجدان «نحن أمة أعزنا الله بالإسلام (مصدر عزنا وفخرنا وكرامتنا) فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله» والتاريخ في هذا شاهد. 3 أسباب للمجد وشدد الدكتور الزهراني أن استعادة المسلمين لهذا المجد لا بد من أمور ثلاثة، أولها الإيمان بالله عز وجل، إيمان يخالط القلوب والجوارح وليس أقوال تنطق، بل أعمال تسير بين الناس، كما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، مشيراً إلى أن الإيمان هو الذي أخرج مصعب بن عمير من حياة الرفاهية التي كان يحياها، وهو الذي كان يتحدث الناس عن لباسه ونعله وحياته اليومية ويعرف أهل مكة الطريق التي سلكها بسبب الطيب الذي كان يتطيب به، خرج من تلك الحياة لأنه لم يكن معها إيمان لأنه ما نفع فرعون ملكه ولا نفع قارون ماله، لأن ذلك بعيد عن الله سبحانه وتعالى. وزاد أن مصعب بن عمير رضي الله عنه خرج من أرض الحبشة ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فينظر لتبدل الحال وتغير واختياره الفقر مع الإيمان بدل الغنى وعبادة الأوثان، فاختار المنزلة الحسنى واختار الإيمان وأن يكون عبدا لله عز وجل. وبين الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسميه بمصعب الخير، وقال: انظروا لهذا الرجل الذي نور الله قلبه وبعد أن كان يلبس الثياب الغالية بات يلبس إيهاب من كبش لا يستر سائر جسده. الإيمان مصدر وشدد الخطيب أن لا كرامة للمسلمين إلا بالإيمان بالله، وأنه لا قوة ولا عزة إلا بالله تعالى، وكلما كان الإنسان من ربه أقرب ولربه أعبد كلما كان أكثر عزا وكرامة، مشيراً إلى أن الله تعالى بعث خير البرية أمام الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم بالمقامات العظيمة، ووصفه بلفظ العبودية، فقال تعالى «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ» وقال كذلك: «وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ» وقال تعالى أيضاً «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ». وزاد أن جبريل جاءه صلى الله عليه وسلم وقال له: «يا محمد إن الله يخيرك بين أمرين، إما أن تكون نبيا ملكا (كسليمان عليه السلام، وإما أن تكون نبيا عبدا (لك ما للناس إن جاعوا تجوع، وإن شبعوا تشبع لك ما لسائر الناس)، مشيراً إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الأمين جبريل، فقال تواضع لربك يا محمد فاختار المنزلة العظمى، وهي أن تكون لله عبدا. الأخوة الإسلامية وبخصوص الأمر الثاني لاستعادة المسلمين لمجدهم، أكد الدكتور الزهراني أنه مرتبط بتحقيق المسلمين الأخوة بينهم والتي تقوم على رابطة الإسلام لا يفقرهم حسب ولا نسب، لأن حسبهم الإسلام ونسبهم القرآن وجاههم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فسلمان رضي الله عنه من فارس وأبوبكر رضي الله عنه من أرض العرب وصهيب رضي الله عنه من بلاد الروم وبلال رضي الله عنه من الحبشة كلهم تآلفت أراوحهم بالإسلام وعليه فأحبوا بعضهم بعضا وحققوا لحمة الجسد الواحد، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وفي هذا السياق ذكر الخطيب قصة عياش بن أبي ربيعة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما هاجرا معا قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه أخواه لأمه أبوجهل والحارث ابنا هشام، فذكرا له أن أمه حلفت ألا يدخل رأسها دهن ولا تستظل من شمس حتى تراه، فرجع معهما، وبدا وكأن عياش قد رق لأمه، فقال أذهب معكم، فنبهه عمر بأنهم يريدون أن يصدوه عن دين الله، فقال له أذهب وأبر بقسم أمي ولي مال آتي به، فقال له عمر أما وإن كنت فاعلا فأنت تعلم أني من أهل مكة، وقال له لك نصف مالي، فأبى عياش وغلبته نفسه، فأعطاه عمر ناقة نجيبة حتى إذا ارتاب منهم عاد. وتساءل الخطيب ما الذي جعل عمر ينفق نصف ماله لكي ينقذ أخاه إلا أخوة الإسلام وعلمه بقول النبي صلى الله عليه وسلم « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، مشيراً إلى أن الصحابة طبقوا المعاني الجميلة على أرض الواقع مؤكداً أنه من استطاع أن ينصر إخوانه المسلمين سياسيا فليفعل أو اقتصاديا فليفعل أو بكلمة أو بالدعاء، وهو عند الله عظيم فليفعل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من انتقص من كرامة أخيه أو انتهك من عرضه ولم ينصره فإن الله عزل وجل يخذله في موطن يحب نصرته، ومن نصر أخاه في موطن تنتقص كرامته وتنتهك فيه عرضه إلا نصره الله عز وجل في موطن يحب نصرته فيه، وكما تدين تدان». وحدة الكلمة وبين الدكتور الزهراني أن الشرط الثالث لاستعادة المسلمين لمجدهم هو اجتماع كلمتهم ووحدتهم ضد أعدائهم، لأن الأمة الإسلامية لم تنتصر إلا لما كانت أمة واحدة وما أن تفرقت وتناحرت وتطاحنت أذهب الله ريحها، وسلط عليها أعداءها، وفي هذا السياق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فسئل أمن قلة يا رسول الله؟ فأجاب: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فسئل عليه الصلاة والسلام عن الوهن فقال: حب الدنيا وكراهية الموت». وشدد الخطيب في ختام خطبته على ضرورة اعتصام المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله الكريم القائل «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي».