القرة داغي: المسلمون عقلية مبدعة تسعى للأحسن
محليات
18 مايو 2013 , 12:00ص
يوتيبوري جوتنبيرج السويدية – العرب
أبان فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين محاسن ومعاني الإحسان، وقال فضيلته إن الإحسان يطلق على خمسة معان أساسية، كلها مطلوبة في هذه الكلمة، ولن تتحقق مفاهيم هذه الكلمة إلا إذا وجدت هذه المعاني بالتمام والكمال، أولها أن يكون الإنسان محسنا وثانيها درء الضرر وثالثها الإتقان، ورابعها الإبداع، والمعنى الخامس للإحسان هو الرحمة.. جاء ذلك في خطبة الجمعة بالسويد التي دعي إليها من قبل المجلس السويدي للأئمة مؤتمره بمدينة يوتيبوري- جوتنبيرج غرب السويد.
وقد بدأ فضيلته خطبته قائلا: يظن كثير من الناس أن الإسلام العظيم يُكتفى فيه بالإيمان والإسلام، والإيمان يقتضي الإيمان بالأركان الستة المعروفة في الإسلام، والإسلام يقتضي أن يؤدي المسلم الأركان الخمسة، ولكن الحقيقة أن الإسلام لا يُكتفى فيه بهذين الأمرين لأمتنا الإسلامية، التي يريدها الله سبحانه وتعالى أن يكون قدوة للناس أجمعين في أمور الدنيا والدين، لذلك اشترط رسولنا صلى الله عليه وسلم شرطا آخر، وركنا آخر من أركان هذا الدين، غفل عنه الكثيرون، ولم يهتم به إلا قلة قليلة، وهذا الركن الثالث هو الإحسان، وقد ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه سيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، حيث يقول: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، تؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استعطت إليه سبيلاً». قال صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: صدقت. فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»).
وتحدث عن معنى الإحسان في اللغة العربية التي نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطاه الله سبحانه وتعالى جوامع الكلم، ونزل بها القرآن الكريم، فقال: يطلق الإحسان على خمسة معان أساسية، كلها مطلوبة في هذه الكلمة، ولن تتحقق مفاهيم هذه الكلمة إلا إذا وجدت هذه المعاني بالتمام والكمال.
المعنى الأول للإحسان أن يكون الإنسان محسنا، أي أن يفعل الخير، وأن يفعل ما ينفع الناس، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه، فهذا هو بداية الإحسان: أن تحسن إلى الناس، أن تدرأ الضرر عن الناس، وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر حينما نفى الإيمان وقال (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ولو طبقنا هذا المعيار على أنفسنا، وجعلناه ميزانا نزن بها أعمالنا، وتصرفاتنا، وأنشطتنا، لاستطعنا أن نفعل الخير الكثير.
وقال إن المعنى الثاني الذي يكمل هذا المعنى: هو درء الضرر، ودرء المفاسد والشرور عن نفسك وغيرك، فالمؤمن دائما يسعى أن يكون خيراً، أن يكون مانعا للشرور، وإذا سمع بِشرّ، أو ضرر، أو مفسدة، يسعى لدرء هذه المفسدة عن نفسه وغيره.
الإتقان
أما المعنى الثالث لهذا الإحسان، الذي هو قمة الإسلام، وبدون هذه المرحلة لن نصل إلى القمة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، ويريدها الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة، فهو الإتقان أي أن الإنسان المسلم يجب أن يكون متقنا في عمله (إن الله يحب من المؤمن إذا عمل عملا أن يتقنه)، والإتقان ليس من السنن، وإنما من الواجبات، لأن العمل إن لم يكن متقنا يكون ناقصا، ولم يؤد ما أمر الله به، ولا بد للمسلم أن يكون متقنا في عمله وجهده للوصول إلى الكمال، حتى يكتبه الله من المحسنين (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله قد كتب الإحسان في كل شيء) وفي رواية (على كل شيء)، وكلمة «كتب» بمعنى فرض كما في الآية القرآنية (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، أي فرض عليكم الصيام، فلماذا تكون كلمة كتب في الصيام تكون فريضة وفي الإتقان لأمر عادي؟ هذا الأمر أي الإتقان ليس أقل شأنا من الصيام عند الله تعالى، وقد كتب الله الإحسان في كل شيء، ويقول الرسول (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)، وهذا يدل أنه علينا أن نتقن كل الأعمال في كل المجالات وبمنتهى الإتقان.
الإبداع
وذكر فضيلته أن المعنى الرابع هو الإبداع، أي أنك تعمل أحسن شيء موجود، وتحاول أن تبدع في ذلك، وتصل إلى القمة، وهذه القمة تتغير يوما بعد يوم، وفي كثير من الآيات فرض الله تعالى على أفراد هذه الأمة من المسلمين أقلية كانوا أو أكثرية مع المسلمين أو غير مسلمين أنه لا بد أن يبذل كلٌ جهده للإبداع، حتى يتمكن من الأرض، وهذا ما بينه الله سبحانه وتعالى في سورة الملك، هذه السورة التي تتحدث عن هذا الكون الفسيح التي جعلها الله آية وعلامة على قدرة الله سبحانه وتعالى، ثم تحدثت هذه السورة عن أن الملك كله بسماواته وأرضه وما بينهما سخرهما الله للإنسان، وأن هذا التسخير لن يتحقق إلا بالإبداع والإتقان وبأحسن العمل (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، والتفسير الحقيقي لهذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يقول يا أمة الإسلام إن امتحانكم على هذه الأرض ليس بالقول فقط، فالقول لا ينفع إلا إذا كان لله سبحانه نصحا ووعظا، وكذلك ليس بالعمل وحده لأن العمل العادي كل
عامل به، (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)، وحتى هذا الامتحان لهذه الأمة ليس بالقول الحسن، أو الفعل الحسن، ولأن الفعل الحسن يمكن أن يحافظ على قوة الأمة، ولكنه لا يمكن أن يتطور بها، ولا يمكن أن يجعلها أمة شهيدة، أمة قادرة، إلا إذا وصلت إلى هذه المرحلة، ويكون امتحانكم بين الأمم، أيكم أحسن عملا، وجاءت كلمة «أَحْسَنُ عَمَلًا» نكرة، والنكرة دائما نسبية،