السبت 26 رمضان / 08 مايو 2021
 / 
09:44 ص بتوقيت الدوحة

د. مـأمون مبيض مدير «العلاج والتأهيل» بمركز «دعم»: رمضان خير مُعين لتجاوز أزمة «كوفيد - 19» بسلام

الدوحة - العرب

الأحد 18 أبريل 2021

تغيير السلوك علمياً يحتاج من 20-30 يوماً.. وهو ما يفسّر الحكمة من صيام الشهر الكريم 
في شهر الصيام تنتصر الروح على الغريزة والنفس على الجسد والمعنوي على المادي والإنساني على الحيواني
الإنسان مجبول على الرغبة والتمني والطمع والأخذ والاستعجال.. و»التغيير» يبدأ في العقل قبل الواقع
 

أكد الدكتور مأمون مبيّض استشاري الطبّ النفسي، مدير إدارة العلاج والتأهيل، بمركز دعم الصحة السلوكية، أن شهر رمضان الكريم خير معين لتقوية المناعة النفسية والجسدية وتجاوز هذه المرحلة الحرجة الحالية المتمثلة في جائحة «كوفيد - 19» وإجراءات الإغلاق والحجر الصحي، بأمن وسلام
وقال في هذا السياق: «لا يكاد يوجد شيء لم يتغير في حياتنا منذ بداية 2020 والجائحة، خاصة أننا نعيش في ثاني رمضان، وفي النصف الأول من 2021، في ظل هذ الجائحة التي ضربت العالم، وغيّرت طبيعة الحياة». 
وأضاف: «يقال إن أعقد مخلوق في هذا الكون هو عقل الإنسان ودماغه، ومن جوانب تعقيده طبيعة الأعمال والوظائف والأوامر الكثيرة التي تجري في الدماغ من الأفكار والمشاعر والعادات والسلوكيات والكلمات والذكريات»، لافتاً إلى أن مما تهتم به العلوم النفسية المختلفة موضوع تغيير السلوك وتعديله، كعادات ونمط حياة، وقد تتأصل عند الإنسان بعض العادات وأنماط الحياة اليومية، والتي تصبح مع الوقت سجناً يكبل صاحبه، ويمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي بعيداً عن هذه العادات والأنماط.
وأوضح أن الإنسان قد يرغب أحياناً بتغيير سلوكه للأصلح، إلا أنه قد يعجز أو يضعف عن القيام بهذا التغيير، فلماذا يا ترى؟ وقال: «من المعروف أن الإنسان قد يتحكم به سلوك معين يكرره حتى يصبح عنده «عادة»، فقد يعتاد مثلاً أن يأكل في ساعة معينة، وينام في ساعة محددة، ويشرب القهوة أو غيرها متى شاء، وربما أصبحت عنده بعض السلوكيات السلبية «عادة» يعتقد أنه لا يستطيع الاستغناء عنها أو حتى تغييرها».

وأضاف: يبقى تغيير العادات من أصعب الأمور؛ لأنه أصبح لها في دماغ الإنسان ارتباط عضوي فيسيولوجي، وليس مجرّد شيء نظري مجرّد، وليس من السهل تغيير السلوك، وخاصة الذي تكرر فأصبح عادة، وبالتالي فكل المحاولات المتسرعة لتغيير هذا السلوك والعادات، أو كثير منها، الغالب أن مصيرها الفشل، ولهذا يحاول الكثير من الناس الإقلاع عن عادة أو عمل معين، إلا أنهم يجدون صعوبة كبيرة في تحقيق هذا أو الاستمرار عليه. 
وأوضح أنه إذا ما أراد الإنسان تغيير عادة أو سلوك ما لكونه سلوكاً سلبياً أو ضاراً، فمن المفيد أن نعرف أن العقبة الأكبر أمام نجاح هذا الإنسان في تغيير سلوكه هذا إنما هي الإنسان نفسه، وليست البيئة الخارجية، فالعوامل الداخلية هي الأساس! وكما يقول الله تعالى: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» [الرعد: 11].

مفهوم «الممنوع» وتغيير السلوك
وذكر د. مبيض أن قوتين متصارعتين تتنازعان الإنسان، بين الإقدام والإحجام، وبين الفعل أو عدمه، فالإنسان يحتاج للحفاظ على سلامته لكلا هاتين القوتين، ففي بعض المواطن يفيده الفعل والإقدام، وأحياناً أخرى يفيده الامتناع والإحجام. وهو دوماً في حاجة إلى «تدريب» كلتا هاتين القوتين في داخله؛ لأنه في حاجة لهما معاً، وفي حاجة للتوازن بينهما، لافتاً إلى أن قوة الإقدام قوية متأصلة بطبيعتها عند غالبية الناس، بل الإنسان مجبول عليها من الرغبة والتمني والطمع والأخذ والاستعجال، «خُلقَ الإنسانُ من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون» [الأنبياء: 37]، أو قول الرسول الكريم: «لو كان لابن آدم واديانِ من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملَأُ جوف ابنِ آدم إِلا الترابُ، ويتوبُ اللَه على مَن تَابَ» [مسلم].
وأكد أن الصعوبة التي تحتاج لتدريب وانتباه هي قوة المنع والإمساك، ولكي يستطيع آدم عليه السلام العيش في الأرض وإعمارها كما أمره الله تعالى فإنه احتاج وزوجته حواء للتدريب العملي على تنميّة هذه القدرة عن الامتناع وضبط النفس، حيث أباح الله تعالى لهما الأكل من كل أشجار الجنة «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغداً حيثُ شِئتما...» ولكن وضع لهما ما يدربهما عن الامتناع فقال لهما «... ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين» [البقرة: 35]، منوهاً في هذا السياق بإن المجتمعات لا يستقيم أمرها دون مفهوم «المحرم» و»الممنوع»، وإلا لفسدت هذه المجتمعات، ولعمّت الفوضى في جوانبها المختلفة.
وقال: «إن الإنسان في حاجة دوماً لامتلاك القدرة على الامتناع وعدم الإقدام على عمل ما، بل إن الكثير من مآسي الأفراد والمجتمعات إنما هي في فقدان أو ضعف هذه القوة من ضبط النفس وإمساكها عما لا يريد الإنسان فعله، حيث نجد الجشع والسرقة والاحتيال وإتيان المعاصي والمحرمات... والانسياق وراء المغريات والمثيرات، وكأن الإنسان ليس لديه مكبح يلجم النفس ويمسكها ويمنعها، والله تعالى امتدح الإنسان الذي يملك زمام نفسه، ووعده بالجنة لهذه الخصلة فقال تعالى «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى» (النازعات 40-41) 
وأوضح في هذا السياق أن رمضان شهر عظيم في تدريب هذا الجانب الهام من القدرة على منع النفس وضبطها، والذي هو ربما الجانب الأضعف عند الإنسان، وهو جانب الامتناع والإحجام وعدم الرغبة وتراجع الطمع، لافتا إلى أن المسلم الصائم يقوّي عنده هذه القدرة النفسية طوال هذا الشهر الفضيل، حيث يمنع نفسه وطوال ساعات النهار عن المفطرات المادية والمعنوية، بالرغم من إغرائها، وبالرغم من ميل النفس إليها، فنجده طوال نهاره يذكـّر نفسه بأنه صائم.
وأضاف: طوال شهر رمضان، تنتصر الروح على الغريزة، والنفس على الجسد، والمعنوي على المادي، والإنساني على الحيواني، وبالتالي يكون الإنسان الكامل، منوهاً بأن الإنسان الكامل في الإسلام ليس الذي يكبت غريزته بالكلية، فهذا غير ممكن، وليس هذا من طبيعة الإنسان والأشياء، وإنما هو الذي يُمسك نفسه عندما يتوجب عليه إمساكها، ويطلقها عندما يكون هذا هو المطلوب.
وأكد د. مبيض أن صيام رمضان فرصة طبيعة مناسبة يمارس فيها الإنسان، وكل المجتمع الصائم، هذا التدريب اليومي ولشهر كامل، على تنمية القدرة على قول «لا» وبالتالي زيادة احتمال النجاح في تغيير العادات وأنماط الحياة التي قد نكون اكتسبناها خلال العام. 

تغيير السلوك ومراحله 
وتساءل استشاري الطبّ النفسي، هل يسهل تغيير السلوك؟ وما هي مراحله؟ وأجاب: بالطبع لا، ولكن لنذكر بأن هناك الكثير من الناس ممن ينجح في تغيير سلوكه عن طريق تغيير عاداته، وبشكل يومي، فكم من الناس من يتوقف عن التدخين، وعن الشراء الذي لا مبرر له، ويتبع نظاماً غذائياً صحياً
ويواظب على صلاته، ويمارس الرياضة ويسدد ديونه ويتوقف عن بعض السلوكيات المحرمة
ويعتاد الاستيقاظ المبكر، بعد تنظيم نومه.
وأكد د. مبيض أن تغيير السلوك المتأصل لا يحصل بين يوم وليلة، وإنما لا بد له من الوقت والصبر معاً، ويمكن أن يمرّ بخمس مراحل، وهي: مرحلة ما قبل التفكير في التغيير، حيث الإنسان لم يفكر بعد في تغيير سلوكه، أو غير راغب أو غير قادر على هذا التغيير، بل قد لا يدرك أن لديه مشكلة أصلاً، ومرحلة التفكير في التغيير، حين يدرك الإنسان احتمال وجود المشكلة، ويهتم باحتمالية التغيير، غير أنه متردد وغير متأكد بما هو مطلوب عمله، لافتاً إلى أن المرحلة الثالثة تتمثل في التحضير للتغيير، بعد الاقتناع بوجود المشكلة أو العادة التي تحتاج للتغيير، ويلتزم فيها الإنسان بالتخطيط لهذا التغيير في المستقبل القريب، ولكن لا يزال يفكر في كيفية فعل ذلك، أو في وقت التنفيذ، وهنا قد يسوّف ويؤجل.
بينما تتمثل المرحلة الرابعة في التنفيذ، بعد أن يكون الإنسان اقتنع ويبدأ في اتخاذ خطوات فعلية للتغيير، إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الاستمرار الكامل في التغيير، لتأتي مرحلة الاستمرار والمحافظة على التغيير، هنا يكون قد تمكن من تحقيق الأهداف الأولية للسلوك المطلوب، ويعمل على الاستمرار والمحافظة على هذا السلوك. 
 
كيف يمكن تغيير السلوك؟ 
وقد طرح د. مبيض سؤالاً آخر.. كيف يمكن أن أغيّر سلوكي؟ وأجاب: إذا أردتَ تغيير سلوك أو عادة ما، وخاصة في زمن الحجر الصحي أو المنزلي، فإن مما يعينك على تحقيق هذا الأمور التالية:
اعرف نفسك، ونقاط قوتك ونقاط ضعفك، واستفد من هذه المعرفة معززاً الأولى ومتحرراً من الثانية، 
وما الذي يحفزك للتغيير، وابنِ عليه، وزد من ثقتك في نفسك، فهذا مما يحسن فرص نجاحك، واحرص على ما ينفعك، وما ينفع غيرك ليس بالضرورة يناسبك، وتعرّف على العقبات والتحديات الممكنة. 
وأوضح د. مبيض طرق تغيير الأفكار، وتتمثل في إحداث هذا التغيير في العقل قبل الواقع، وتجنّب ما يُعيد السلوك القديم الذي تريد تغييره، من أشخاص أو أماكن أو أفعال، وإيجاد بدائل سلوكية إيجابية بدلاً عن السلوك المراد تغييره، وممارسة السلوك الجديد ليصبح عادة.
وأكد مدير إدارة العلاج والتأهيل، بمركز دعم الصحة السلوكية ضرورة أن يكون الإنسان إيجابياً 
بالتركيز على الإيجابيات والنجاحات، وشكر الله تعالى عليها، وإيجاد شبكة علاقات اجتماعية داعمة ومؤيدة للسلوك الجديد الصحي، مثلاً غير المدخنين، فضلاً عن الاحتفال بالنجاحات. 
وحول المدة اللازمة لتغيير السلوك، قال: «إن التغيير علمياً يحتاج بين 20-30 يوماً «ولعل في هذا حكمة صيام شهر رمضان» وبما أننا نقوم بمثل هذا التغيير، نتطلع إلى تلك الدرجة الرفيعة في امتلاك النفس وصولاً بها إلى درجة «التقوى» التي طلبها الله تعالى منا، مما يصب في ضبط النفس.
«يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلك تتقون» [البقرة: 183].
تقبل الله الصيام، وأعاننا على ضبط النفس، وتغيير السلوك والعادات.

_
_
  • الظهر

    11:30 ص
...