بأسهم بينهم شديد

alarab
الصفحات المتخصصة 18 مارس 2016 , 07:04ص
سماح شلبي
قال تعالى: (بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ) (الحشر:14)
نزلت الآيات الكريمات في اليهود، بني النضير، تحديدا وبينت خداعهم، ونقضهم للعهود، كشفت حقيقة اليهود ونفسياتهم، وما هو كامن في نفوسهم على مدار التاريخ من الجبن والخور الذي يصاحبهم .
ولا تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في "تشخيص" حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان .
فهم لا يطيقون المواجهة.
وتبقى الملامح النفسية الأخرى (بَأْسُهُمُ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ).. (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) على خلاف المؤمنين، هذا المأمول، الذين تتضامن أجيالهم، وتجمعهم آصرة الإيمان من وراء فواصل الزمان والمكان، والجنس والوطن والعشيرة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ).
والمظاهر قد تخدع فنرى تضامن الذين كفروا من أهل الكتاب فيما بينهم، ونرى عصبيتهم بعضهم لبعض، كما نرى تجمع المنافقين أحيانا في معسكر واحد، ولكن الخبر الصادق من السماء يأتينا بأنهم ليسوا كذلك في حقيقتهم؛ إنما هو مظهر خارجي خادع، وبين الحين والحين ينكشف هذا الستار الخداع، فيبدو من ورائه صدق الخبر في دنيا الواقع المنظور، وينكشف الحال عن نزاع في داخل المعسكر الواحد قائم على اختلاف المصالح وتفرق الأهواء، وتصادم الاتجاهات، وما صدق المؤمنون مرة وتجمعت قلوبهم على الله حقا إلا وانكشف المعسكر الآخر أمامهم عن هذه الاختلافات وهذا التضارب وهذا الرياء الذي لا يمثل حقيقة الحال، وما صبر المؤمنون وثبتوا إلا وشهدوا مظهر التماسك بين أهل الباطل يتفسخ وينهار، وينكشف عن الخلاف الحاد والشقاق والكيد في القلوب الشتيتة المتفرقة !
لكن الناظر لحالنا الآن يجد أن الآية تنطبق علينا فالخلاف على أشده بين العرب والمسلمين، والمناظرات والجدل بلغت أوجها، والصراعات الدموية وصلت ذروتها.
وغدت شدة البأس بيننا هي السمة الغالبة، فنجدها في الأسرة الواحدة بين الأشقاء فيتسلط الأخ على شقيقة بل ويأكل حقة ويتفنن في إلحاق الضرر به.
ونلحظها في العمل بين زملاء العمل، فيكيدون لبعضهم، حبذا لو صادف ذلك هوى عند مديرهم، بل قد يصل الأمر أن يفصل الكفء خوفا من تفوقه .
ونلحظها أيضا بين العلماء، أو من يسمون علماء، فنجدهم يلمزون في العالِم فلان ويحذرون منه ويدعون تلاميذهم إلى عدم الأخذ عنه فهو ليس ثقة، دون دليل واضح أو حجة بينة.
أما بين الدول فحدث ولا حرج.
فما الذي جعل الآية تنطبق علينا؟!
(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 65)
قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى هو ابن عبيد، حدثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال : "أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه عز وجل، طويلا قال: سألت ربي ثلاثا "سألته ألا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالسَّنَة، الجوع، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها ".
انفرد بإخراجه مسلم فرواه في "كتاب الفتن " وللحديث عدة روايات.
الحديث، وما في معناها مما لم نذكره واضحة الدلالة على المراد، وهو أن الله تعالى ضمن لنبيه صلى الله عليه وسلم في أمته أمرين كرامة له عليه الصلاة والسلام، وأجاب دعوته فيهما وهما: الأول: أن لا يهلكها بما أهلك به الأمم السابقة بمثل الغرق الذي أهلك الله به قوم نوح، أو فرعون وجنوده، أو بالسنين أي المجاعات الماحقة التي تهلك بها الأمة كافة، أو بغير ذلك من الرجم من فوقهم أو الخسف من تحت أرجلهم.
الثاني: أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، يسلط عليهم بحيث يستبيح بيضتهم ويستأصل شأفتهم، ويقضي على وجودهم، ولكنَّ أمرا آخر طلبه النبي صلى الله عليه وسلم من ربه، فلم يجب إليه ولم يضمنه له، وهو: أن لا يلبس هذه الأمة شيعا، ولا يجعل بأسها بينها، فلم يجب الله سبحانه لرسوله الكريم هذا السؤال، وتركه للسنن الكونية والاجتماعية، ولشبكة الأسباب والمسببات، فالأمة هنا هي مالكة أمر نفسها، لم يجبرها الله على شيء، ولم يخصها، في هذا المجال بشيء، فإذا هي استجابت لأمر ربها، وتوجيه نبيها، ودعوة كتابها، ووحدت كلمتها، وجمعت صفها، عزت وسادت وانتصرت على عدو الله وعدوها، وحققت ما يرجوه الإسلام منها، وإن هي استجابت لدعوات الشياطين، وأهواء الأنفس تفرقت بها السبل، وسلط عليها أعداؤها.
إنما ينال المنافقون والذين كفروا من أهل الكتاب من المسلمين عندما تتفرق قلوب المسلمين، فلا يعودون يمثلون حقيقة المؤمنين.
اللهم ردنا إليك ردا جميلا.

د. سماح صلاح شلبي
مدرس الدراسات الإسلامية كلية البنات ج. عين شمس
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
dr_samah_salah@yahoo.com