الهمم العالية طريق المسلمين للنهوض والتقدم
قطر اليوم
18 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - العرب
أكد الدكتور عبدالحي يوسف الداعية السوداني المعروف أن الهمم العالية هي طريق المسلمين للنهوض والتقدم، مبينا أن الأمم تضيع وتضعف وتصبح في ذيل غيرها من الأمم إذا تحكم فيها أصحاب الهمم الدنيا. وقال إن ضعف الهمم يضيّع مقدرات الأمة، ولا يبنى الإنسان ولا يتطور، وتضيع الأمة جمعاء.
جاء ذلك في محاضرة ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب ضمن الموسم الثقافي الـ35 الذي تنظمه إدارة الدعوة والإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
المحاضرة حملت عنوان «الهموم بقد الهمم»، وبدأ المحاضر حديثه فيها بتذكير الحضور بالحديث الذي رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له». ومعنى (همه) أي قصده ونيته. (جعل الله غناه في قلبه) أي جعله قانعا بالكفاف والكفاية كي لا يتعب في طلب الزيادة. (وجمع له شمله) أي أموره المتفرقة بأن جعله مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يشعر به. (وأتته الدنيا) أي ما قدر وقسم له منها. (وهي راغمة) أي ذليلة حقيرة تابعة له لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير، بل تأتيه هينة لينة على رغم أنفها وأنف أربابها. (ومن كانت الدنيا همه) وفي المشكاة: ومن كانت نيته طلب الدنيا. (جعل الله فقره بين عينيه) الاحتياج إلى الخلق كالأمر المحسوم منصوبا بين عينيه. (وفرق عليه شمله) أي أموره المجتمعة. قال الطيبي: يقال جمع الله شمله، أي ما تشتت من أمره، وفرق الله شمله أي ما اجتمع من أمره، فهو من الأضداد. (ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) أي وهو راغم، فلا يأتيه ما يطلب من الزيادة على رغم أنفه وأنف أصحابه.
وأضاف المحاضر أن الناس مختلفون في الهموم، فمن الناس من همه لا يتعدى المأكل والمشرب والزوجة الحسناء والبيت الفسيح، فحاله مع الدنيا وللدنيا فقط، مشيرا إلى حال كثير من الناس همومهم وضيعه وهمتهم سافلة، أما الذين سمت همم فهؤلاء كالبدور، وعلى رأسهم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان أحسن الناس سيرة وأطيبهم عشرة، ما عاش لنفسه بل عاش لربه صلى الله عليه وسلم، فقد كان صمته فكرة ونظرته عبرة، وكان لا يضيع وقته في غير منفعة، يقرأ القرآن على كل أحواله، من انفعاله لدينه إذا خطب فكأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ولذلك ما كان ينتهي من موعظته إلا وكأن الصحابة رضوان الله عليهم يرون الجنة رأي العين.
وأشار الدكتور عبدالحي إلى نماذج ممن تربوا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرزهم أبوبكر الذي يقول عنه النبي صلى الله عليه سلم مزكيا فعله في الإسلام: «فوالله ما من أحد كانت له يد إلا كافأناه بها، إلا أبا بكر لم أستطع مكافأته فتركت مكافأته لله عز وجل». وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين زلزلت الأقدام وطاشت العقول، قام رضي الله عنه يقول: «أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقرأ قول الحق سبحانه (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
وعرض لموقف أبي بكر عند قتال المرتدين، فبعد أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء المرتدون ومنع الناس الزكاة، أرسل الجيوش ليرد هؤلاء إلى الإسلام، وعارضه عمر فقال له أبوبكر: عجبا لك يا عمر! جبار في الجاهلية خوار في الإسلام، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، أينقص الإسلام وأنا حي؟! والله لأقاتلنهم ولو وحدي. تولى أمر المسلمين سنتين فعصم الله الأمة في هذه القلاقل والإضرابات.
علو الهمة
وشدد المحاضر على قيمة علو الهمة، مبينا أن الهمم مطية تنفيذ الأماني، فليس بالأمنية فقط ينال الإنسان مراده، مستشهدا بقول الشاعر:
وما نيل المطالب بالتمني**ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وعرض لبعض المظاهر التي تدل على علو الهمة، أولها أنها تحقق كثيرا من الآمال التي يراها بعض الناس خيالا لا يتحقق، وضرب مثلا على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه خباب مع ما كان يذيقه أهل قريش له ولأصحابه من أشد ألوان العذاب، فشكوا إلى رسول الله وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة، فقالوا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ فجلس وقد احمرّ وجهه وقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه! وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون» وبعد أن سمع خباب ورفاقه هذه الكلمات، ازدادوا إيمانا وإصرارا على الصبر والتضحية.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة الخندق كان يبشر المؤمنين وهم في حصار وبرد شديد وخوف شديد وجوع شديد، ومع هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفر معهم الخندق ويقول: «الله أكبر أوتيت مفاتيح الروم» ويضرب الصخرة «أوتيت مفاتيح الفرس»، فعلم المؤمنون أنه وعد حق من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما المنافقون فقالوا غير ذلك يشككون في قول النبي صلى الله عليه وسلم.
المظهر الثاني من مظاهر الهمة الذي ذكره د.عبدالحي هو تحقيق مراتب عالية في العبادة والزهد، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويصوم ما لا يعلمه إلا الله، ويصلي الرواتب ويزيد بالنوافل، ويصلي في الليل حتى أنه في ركعة واحدة صلى فيها بالبقرة والنساء وآل عمران، حتى أن الصحابي الذي كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: هممت بأمر سوء. فقيل له بماذا هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.
وأضاف أن من صور علو الهمة أن توكل إليك المهام الصعبة والأعمال الثقيلة، واستشهد على ذلك بحال النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يصلي بالناس وهو محمول بين رجلين ولم يترك الصلاة، حتى أنه صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت يكرر الوضوء سبع مرات ويغشى عليه، وكلما أفاق سأل: «أصلى الناس»، حتى بعد ذلك قال: «مروا أبا بكر فليصل في الناس»، وهذا أبوبكر يأمر زيد بن ثابت ليقوم بجمع القرآن.
وذكر أن من صور الهمة أن يكون صاحبها قدوة للناس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده طعام الواحد فليأخذ معه واحدا، ومن كان عنده طعام الاثنين فليأخذ اثنين» وهو -صلى الله عليه وسلم- يصحب معه عشرة من أهل الصفة يأكلون معه، ولذلك كانت البركة في بيته صلى الله عليه وسلم حتى أن يوما دخل معه أبوهريرة فإذا بقدح فيه لبن، وهو جائع، فقال لأبي هريرة: «ادع لي أهل الصفة» فدعاهم وسقاهم، وكان آخرهم شربا حتى شرب والنبي يقول له: «اشرب».
دنو الهمة
وتحدث د.عبدالحي يوسف عن مظاهر دنو الهمة في طلب العلم والعبادة وفي البذل وعدم الإنفاق، ووصف أصحابها بالبخل، والتكلف والتصنع، وكثرة الشكوى والتلاوم وقلة العمل.
وحدد المحاضر طرق علو الهمة فذكر منها الدعاء، ومنه دعاؤه «اللهم اجعلني صبورا، وارزقني الثبات على الأمر، ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم»، فالمسلم لا يستغني عن ربه أبدا فيسأل الله علو همته.
ومنها مجاهدة النفس لأنها تميل بصاحبها إلى سفول الهمة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، مزاحمة العلماء بالركب ومعاشرة أقوام ينتقون أطايب الحديث كما ينتقي أحدكم أطايب الطعام.
ومنها اعتراف الشخص بقصور همته، فإياك أن تظن أنك بلغت المعالي، ولكن لُمْ نفسك واعرف حقيقتها وما هي مصابة به من الكسل ودنو الهمة، فاقرأ سير الصالحين واعلم سيرتهم وما قاموا به وقدموه للبشرية وسر على نهجهم واتبع طريقهم.
ونصح بمصاحبة أصحاب الهمم العالية، فإن الصاحب ساحب، وكل قرين بالمقارن يقتدي، فإذا كان صاحبك همته عالية فستكون همتك كذلك. ودعا للبعد عن كل ما من شأنه إضعاف الهمة.
ويتواصل الموسم الثقافي الـ35 بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب مساء كل خميس من بعد صلاة العشاء، وسيكون الشيخ عبدالله السويلم الداعية المعروف ضيف المحاضرة القادمة.