الشهر الفضيل في قطر مزيج بين الأصالة والحداثة.. سفير الاتحاد الأوروبي لـ «العرب»: المجبوس طبقي المفضل في رمضان وأحب الدعاء عند الغروب

alarab
الملاحق 18 فبراير 2026 , 01:24ص
هشام يس

  أحرص على حضور موائد الإفطار وأقدّر اللحظات البسيطة وزيارة الأصدقاء

أسعى إلى دعم المبادرات الخيرية خلال الشهر فالعطاء يجب أن يكون فعلاً ومستمراً

في قطر يوجد حرص خاص على تعزيز الروابط الأسرية والحفاظ على الموروث 

 يلمسني كثيراً كيف تُنقل القيم من جيل إلى جيل والامتداد بين الماضي والحاضر 

 

في أجواء شهر رمضان المبارك، يعبر سعادة الدكتور كريستيان تيودور، سفير الاتحاد الأوروبي لدى الدولة، عن تجربته الشخصية العميقة مع هذا الشهر الفضيل، مستنداً إلى سنوات من العيش في بلدان إسلامية متنوعة. 
ويصف سعادته خلال حواره مع «العرب» رمضان في قطر بأنه يحمل شعوراً عميقاً بالسكينة والتأمل، مع لمسة قطرية خاصة تتجلى في اجتماع العائلات، وتبادل الأطباق بين الجيران، وتضاعف أعمال الخير، وانفتاح الأطفال – مثل ابنه – على العادات الرمضانية من خلال أصدقائهم القطريين. 
وأكد أن معايشته لرمضان من منظور دبلوماسي وشخصي في آن واحد يجعل التجربة أكثر عمقاً ومعنى، مشيراً إلى أن أجمل ما فيه هو رؤية الروح الرمضانية تتجسد في الروابط الاجتماعية والتضامن. 

ويستذكر سعادته أعمق ذكرياته الشخصية مع رمضان، بدءاً من دراسته في تونس حيث شعر – كطالب شاب مدعو إلى إفطار عائلي بسيط – بأنه فرد من العائلة، ما علّمه أن رمضان شهر الاحتواء والقرب الإنساني. وفي سوريا، شهد كيف يتمسك الناس بالكرم والكرامة حتى في أوقات التحدي، ما عمّق فهمه للصبر والإيمان والتضامن الذي يزداد قوة في الظروف الصعبة.
وفي قطر، يحرص السفير على حضور موائد الإفطار الرسمية والعائلية، والاستمتاع باللحظات البسيطة مثل زيارة الأصدقاء والأحاديث بعد الإفطار، مع دعم المبادرات الخيرية مستلهماً تجربته السورية التي علمته أن التضامن ضرورة حقيقية مستمرة. ويرى في رمضان القطري توازناً جميلاً بين الأصالة والحداثة، مع اهتمام خاص بروابط الأسرة وحفظ الموروث الذي ينتقل من جيل إلى جيل، كما يلاحظه من خلال أصدقاء ابنه.
وجرّب السفير الصيام جزئياً في مناسبات مختلفة منذ أيامه في تونس بدافع الاحترام والفهم، واكتشف أنه لا يتعلق بالصبر فحسب، بل بالتعاطف والوعي بالنعم وبحياة المحرومين، ما يعلّم التواضع والامتنان – شعور عزّزته تجربته في سوريا.
ويروي لحظة إفطار في الدوحة جمع أشخاصاً من قارات مختلفة حول مائدة واحدة، حيث تتراجع الرسميات ويبرز الجانب الإنساني، مؤكداً أن رمضان يملك قدرة فريدة على إزالة الحواجز بدفء ينبع من صدق الحوار والاحترام المتبادل.

سكينة شخصية 
 كيف تشعرون شخصياً بهذا الشهر الفضيل هذا العام في قطر؟ وما الذي يجعلكم أكثر فرحاً في رمضان هنا في الدوحة؟
- يحمل رمضان في قطر دائماً شعوراً عميقاً بالسكينة والتأمل. وكانت أولى تجاربي الحقيقية مع رمضان عندما كنت أدرس في تونس قبل سنوات طويلة، حيث لفتني إيقاع الشهر المختلف، هدوء النهار وحيوية المساء. 
وبعد ذلك، خلال خدمتي في سوريا والكويت، أدركت مدى عمق حضور رمضان في تفاصيل الحياة اليومية وفي قوة الروابط الاجتماعية.
أما هنا في الدوحة، فأكثر ما يسعدني هو رؤية هذه الروح تتجلى بلمسة قطرية خاصة. والعائلات تجتمع، والجيران يتبادلون الأطباق، وأعمال الخير تتضاعف. وحتى على المستوى الشخصي، فقد تعرّف ابني من خلال أصدقائه القطريين على العديد من العادات المرتبطة بالشهر، مثل مشاركة الطعام وزيارة الأقارب. أن أعيش رمضان من منظور دبلوماسي وشخصي في آنٍ واحد، يجعل التجربة أكثر عمقاً ومعنى.
 نعلم أنكم زرتم أكثر من بلد إسلامي.. فما أجمل أو أعمق ذكرى شخصية لكم مع شهر رمضان في إحدى الدول التي عملتم فيها أو زرتموها؟  أو لقاء جعلكم تشعرون بجمال هذا الشهر منذ الوهلة الأولى؟

- من أعمق ذكرياتي تعود إلى فترة دراستي في تونس، كنت آنذاك طالباً شاباً، ودُعيت إلى الإفطار في بيت عائلة تونسية، وأتذكر بساطة المائدة، والتمر والشوربة، لكن ما بقي في ذاكرتي حقاً هو شعوري بأنني فرد من العائلة، وتلك الأمسية علمتني أن رمضان هو شهر الاحتواء والقرب الإنساني.
- وفي سوريا، عشت رمضان في ظروف مختلفة تماماً، حيث رأيت كيف يتمسك الناس بالكرم والكرامة حتى في أوقات التحدي. تلك التجربة عمّقت فهمي لمعنى الصبر والإيمان، وأكدت لي أن رمضان يزداد قوة عندما يُعاش بروح التضامن، خصوصاً في الأوقات الصعبة.

اللحظات البسيطة
 ما النشاطات التي تحرصون على القيام بها في شهر رمضان داخل قطر؟
- أحرص دائماً على حضور موائد الإفطار، سواء الرسمية أو العائلية. لكنني أقدّر أيضاً اللحظات البسيطة، وزيارة الأصدقاء، الأحاديث بعد الإفطار، وأجواء السكينة قبل أذان المغرب.
كما أسعى إلى دعم المبادرات الخيرية خلال الشهر. فقد تعلمت من تجربتي في سوريا أن التضامن ليس قيمة نظرية، بل ضرورة حقيقية. رمضان يذكّرنا بأن العطاء يجب أن يكون فعلاً مستمراً لا مجرد رمز.

 ما الذي أصبح يميّز رمضان في قطر بالنسبة لكم شخصياً؟ 
- رمضان في قطر يتميز بتوازن جميل بين الأصالة والحداثة، فخلال خدمتي في الكويت تعرّفت إلى الضيافة الخليجية، لكن في قطر هناك اهتمام خاص بروابط الأسرة وبالحفاظ على الموروث.
يلمسني كثيراً كيف تُنقل هذه القيم من جيل إلى جيل، ومن خلال أصدقاء ابني القطريين، رأيت كيف تتجسد هذه العادات بشكل طبيعي في حياة الأطفال. هذا الامتداد بين الماضي والحاضر يترك أثراً عميقاً في نفسي.

 هل جربتم يوماً الصيام في رمضان – ولو ليوم واحد أو جزء من اليوم؟ وما الشعور الذي راودكم؟ وما الذي اكتشفتموه عن أنفسكم أو عن قيم الصبر والتآلف والروحانية التي يحملها هذا الشهر؟  
- نعم، جربت الصيام لجزء من اليوم في مناسبات مختلفة، منذ أيامي في تونس. كان ذلك بدافع الاحترام والرغبة في الفهم.
ما اكتشفته هو أن الصيام لا يتعلق فقط بالصبر، بل بالتعاطف أيضاً. فهو يجعلك أكثر وعياً بالوقت وبالنعمة وبحياة من يعانون الحرمان يومياً. وتجربتي في سوريا عززت لدي هذا الشعور. إنها تجربة تعلّم التواضع والامتنان.

 شاركتم في العديد من موائد الإفطار الجماعية والمبادرات الرمضانية هنا. هل هناك لحظة معينة، ربما إفطار في بيت قطري أو مع أصدقاء من جنسيات مختلفة، جعلتكم تشعرون حقاً بمعنى «الأخوة الإنسانية»؟ كيف تصفون الدفء الذي يملأ القلب في تلك اللحظات؟
- نعم، أتذكر إفطاراً في الدوحة جمع أشخاصاً من قارات مختلفة حول مائدة واحدة. ذكّرني ذلك بإفطار مشابه في الكويت قبل سنوات.
في تلك اللحظات، تتراجع الرسميات، ويبرز الجانب الإنساني. رمضان لديه قدرة فريدة على إزالة الحواجز، فالدفء لا يأتي فقط من الطعام، بل من صدق الحوار والاحترام المتبادل.

 عندما وصلتم إلى الدوحة في بداية مهمتكم، كم كانت معرفتكم بالتفاصيل الدقيقة للعادات الرمضانية المحلية؟ وكيف تطورت هذه المعرفة مع الوقت؟ 
-عندما وصلت، كانت لدي خبرة سابقة من تونس وسوريا والكويت، وكنت أدرك البعد الديني للشهر. لكن لكل بلد تعبيره الخاص عن رمضان.
ومع مرور الوقت في قطر، ومن خلال التفاعل اليومي والمشاركة في الفعاليات، تعمّق فهمي للتفاصيل، التوازن بين الحداثة والتقاليد، وأهمية الأسرة، وثقافة العطاء المنظم. تحولت المعرفة من اطلاع عام إلى تجربة شخصية.

الرحمة والتواضع 
 برأيكم، ما أجمل القيم التي يبرزها رمضان والتي يمكن أن تكون جسراً حقيقياً للتقارب بين قلوب الأوروبيين والعرب والمسلمين؟  
- أجمل القيم هي الرحمة، والتواضع، والصبر، والتكافل. وهي قيم إنسانية عالمية، ومن خلال حياتي في مجتمعات أوروبية وعربية، أؤمن بأن رمضان يمكن أن يكون جسراً حقيقياً للتقارب. عندما يُفهم رمضان كقيمة للعطاء والتأمل، يصبح أرضية مشتركة للحوار والاحترام المتبادل.

 كيف ترى اندماج الجاليات المسلمة في المجتمعات الأوروبية، وهل لها مساهمات في بناء نهضة دول القارة الأوروبية؟
- لقد كان اندماج المجتمعات المسلمة في المجتمعات الأوروبية عملية معقدة ومتطورة باستمرار. ورغم استمرار بعض التحديات، فقد قدمت هذه المجتمعات إسهامات مهمة في الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في الدول الأوروبية. وتُعد مساهماتهم في مجالات الفن والعلوم والأعمال والخدمة العامة جزءًا لا يتجزأ من النسيج المتنوع الذي يميز أوروبا. ومن خلال التعليم وريادة الأعمال والنشاط المجتمعي، تؤدي المجتمعات المسلمة دورًا مهمًا في تنمية وتقدم المجتمعات الأوروبية، وتعزيز الابتكار، وترسيخ التعددية الثقافية.

 هل أصبح لديكم طبق رمضاني قطري أو خليجي مفضل ينتظرونه على مائدة الإفطار؟ أو ربما دعاء معين تسمعونه كثيراً في المساجد أو في البيوت هنا ويلامس قلبكم بشكل خاص؟
- أصبحت أقدّر كثيراً المجبوس واللقيمات، وهي تذكرني بوجبات استمتعت بها في الكويت.
لكن أكثر ما يلامس قلبي هو الدعاء عند غروب الشمس قبل الإفطار. تلك اللحظة من الصمت والامتنان تحمل نفس العمق الروحي، سواء في تونس أو دمشق أو الكويت أو الدوحة.

 لو أردتم أن توجهوا كلمة دافئة من القلب للشعب القطري ولكل المقيمين في هذه الأرض الطيبة – من مختلف الجنسيات – في هذا الشهر المبارك، ماذا ستقولون لهم؟
- أود أن أعرب عن خالص تمنياتي برمضان هادئ ومبارك لشعب قطر ولكل من يعتبر هذه البلاد وطنًا له. أسأل الله أن يحمل هذا الشهر السكينة إلى قلوبكم، وأن يعزز ترابط عائلاتكم، وأن يلهمكم دوام الكرم وروح التضامن. إن روح الضيافة والتعايش التي تميز قطر محل تقدير كبير، وأتمنى للجميع الصحة والسلام والازدهار.