مسجد برلين يسعى للتواصل مع السكان المحليين رغم غياب مشاعر الود
منوعات
18 فبراير 2015 , 03:12م
د.ب.أ
حضر 150 ضيفا حفل الاستقبال الذي أقامته الجالية المسلمة في مسجد السيدة خديجة الكائن في القطاع الشمالي من العاصمة الألمانية برلين، ومن بين الحضور نواب في البرلمان الألماني وممثلون عن التجمعات السكانية المسيحية واليهودية ببرلين.
غير أنه لم يشهد هذه المناسبة - التي أقيمت داخل المسجد المشيَّد على طراز عصري، والمزدان بقبة ومنارة مألوفة في المساجد - سوى عدد محدود من الجيران.
ويقول محمد عاصف صادق المتحدث باسم المسجد الذي يقع تحت إشراف جماعة الأحمدية الإسلامية في برلين: "العلاقات بين الجالية المسلمة والسكان الألمان بالمنطقة يشوبها الفتور في معظم الأحيان".
وكان من الممكن أن تسير الأمور إلى الأسوأ، وأعاد عددٌ من المتحدثين في هذه المناسبة إلى الأذهان كيف أدى مشروع بناء المسجد إلى تقسيم منطقة الجوار قبل أن يتم تشييده في ضاحية هاينرسدورف، التي كانت حتى 25 عاما مضت جزءا من برلين الشرقية الشيوعية.
وعندما تقدمت الجماعة الأحمدية بطلب لبناء المسجد أعرب السكان وقتذاك عن مخاوفهم من تزايد معدلات الجريمة، ومن طغيان أعداد الأجانب، إلى جانب خوفهم من انخفاض أسعار عقاراتهم تأثرا ببناء المسجد.
وترددت شائعات جامحة بأنه تم بناء المسجد بالقرب من طريق حر لتسهيل ممر سريع للهروب بعد شن هجوم ما.
وتظاهر وقتذاك ما يصل إلى ثلاثة آلاف ألماني من سكان المنطقة لمعارضة بناء المسجد.
وبرغم تبدد المخاوف إلا أن المسجد لا يزال غير محبوب، وكان رينيه شتاتكيفيتز - الذي تولى رئاسة الفرع المحلي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي تنتمي إليه المستشارة أنجيلا ميركل، خلال عامي 2006-2007 - معارضا في ذلك الحين لتشييد المسجد.
أما اليوم فيقول شتاتكيفيتز: " إن غالبية سكان ضاحية هاينرسدورف لم يكونوا بالتأكيد سعداء بأن يتم بناء مسجد في منطقتهم، غير أنه تم الاعتياد عليه الآن".
ويقر بأن: "كثيرا من مخاوف السكان لم تتحقق".
ويرى المسلمون في ألمانيا - الذين يبلغ عددهم ما نسبته 5% من تعداد السكان - أن التمييز ضدهم يعد مشكلة شائعة، وأنه يبدو أن أعدادا كبيرة من الألمان الآخرين يعتقدون أن جميع المسلمين ينتمون إلى الحركات الإسلامية المتطرفة.
غير أن المترددين على هذا المسجد لا يبدون تسامحا مع الإسلاميين المتطرفين، ويلاحظ أن جميع المتحدثين خلال حفل الاستقبال الذي أقيم بمناسبة بدء العام الجديد، بما فيهم إمام المسجد، نأوا بأنفسهم بقوة عن الهجمات التي وقعت في باريس خلال الفترة من 7- 9 من يناير الماضي، وأسفرت عن سقوط 17 قتيلا إلى جانب مقتل ثلاثة مهاجمين.
وروى صادق في كلمته أن بعض السكان الذين شاركوا في الاحتجاجات المعارضة لبناء المسجد منذ ثمانية أعوام قاموا بعد ذلك بالتواصل مع الجالية المسلمة لتحقيق نوع من الوفاق.
وقال: "إن هؤلاء المحتجين السابقين أعربوا عن خجلهم لما حدث في المنطقة حينها ".
وكانت مبادرة للسكان المحليين قد نَظَّمَت - اعتبارا من عام 2006 - مظاهرات وقدمت التماسات ترفض بناء المسجد، وتعترض على الفصل الصارم بين الرجال والنساء في أثناء العبادة، ودفعت بأنه لا يوجد أحد من جماعة الأحمدية يقيم في المنطقة.
كما نظمت جماعة النازية الجديدة احتجاجات لإثارة مشاعر الغضب ضد المسجد.
غير أن بعض الألمان شعروا بالفزع من جراء موجة الكراهية التي ظهرت، وتشكلت مبادرة أخرى للمواطنين تحت اسم "هاينرسدورف، انفتحي ذهنيا"، ودعت إلى إجراء حوار.
وحضرت حفلَ الاستقبال ساندرا كاسبرز المؤسسة المشاركة للمبادرة، وأعادت إلى الذاكرة في كلمة لها مدى حدة المشاعر المعارضة للمسجد.
واضطرت الشرطة وقتها إلى الدعوة لإلغاء أمسية للتعريف بالمسجد، أقيمت في صالة مغلقة للألعاب بعد أن ازدحمت بالسكان، وشق المتطرفون اليمينيون طريقهم إلى داخل الصالة، وارتفعت حدة الانفعالات في الوقت الذي حاول فيه المسؤولون العموميون شرح الحقائق القانونية البسيطة للجمهور الغاضب.
وقالت كاسبر إنها وزملاءَها في المبادرة قد تعرضوا لموجة من مشاعر العداء العلنية؛ بل حتى تعرضوا لمشاجرات من جانب المحتجين.
ولفترة طويلة لم يكن من الواضح ما إذا كان سيتم السماح للجالية المسلمة ببناء المسجد على قطعة الأرض التي اشترتها أم لا، ومنذ البداية دافع ماثياس كوهيني - عمدة بلدة بانكوف التي تقع ضاحية هاينرسدورف في دائرتها - عن حق جماعة الأحمدية في بناء مسجد لها.
ويقول كوهيني اليوم: "إنه كان من الواضح بالنسبة لي أن لوائح تنظيم عملية البناء لدينا يجب أن تطبق دون وضع أي تحيزات سياسية في الاعتبار".
ويشير إلى أن العلاقة بين السلطة المحلية والجماعة الأحمدية جيدة، ويقول: "المسجد بات الآن جزءا من المنطقة".
ويتم تبادل الدعوات من كلا الجانبين، وأحيانا يعقد المجلس المحلي لشؤون الاندماج اجتماعات داخل المسجد، كما يدعو العمدة أعضاء الجالية المسلمة لحضور الاحتفالات الرسمية التي ينظمها بمناسبة العام الجديد، ويقول كوهيني إنه لم تصله أية شكوى من السكان بشأن المسجد في الوقت الحالي.
ويؤكد صادق أن جماعة الأحمدية تبذل قصارى جهدها للحفاظ على علاقات طيبة مع الجيران، إذ تشارك في المشروعات المحلية مثل تجديد روضة أطفال محلية.
وتتمثل المهمة الرئيسة للجماعة في رعاية أعضائها الذين يبلغ عددهم نحو 250 شخصا؛ إذ تقدم التعاليم الدينية للبالغين والأطفال، كما تتيح وسائل التدريب في مسائل أخرى للتلاميذ.
ويشعر أعضاء مبادرة "هاينرسدورف، انفتحي ذهنيا" - التي شاركت كاسبرز في تأسيسها - بالرضا عن تطور الأحداث بشكل إيجابي، فقد تبددت الاحتجاجات المعارضة للمسجد في النهاية، وبعد أن تم افتتاحه في أكتوبر 2008 اختفت من الوجود المبادرة المناهضة للمسجد.
وعلى العكس من ذلك ما زالت مجموعة كاسبرز موجودة على الساحة، وهي تدير حاليا ورشة للتدريب في الجوار.