د. علي عفيفي يرصد ويحلل لـ «العرب»: التراث في السرد القطري

alarab
ثقافة وفنون 18 يناير 2022 , 12:30ص
الدوحة - العرب

يحمل التراث مفاتيح المستقبل، وبالتالي فإنه لا يعنى بالماضي فقط، بل هو الهوية الثقافية للمجتمع القطري، ومن أهم العناصر التي تُساعد على وحدة هذا المجتمع الثقافية والسيكولوجية، والعنوان للوعي الذي يتبناه الجيل المعاصر؛ للحفاظ على حضور الماضي المشرق، فهو النهج الذي خلفته الأجيال السالفة للأجيال الحالية؛ ليستقوا منه العبر والدروس؛ وليبنوا فيه الحاضر وصولا إلى مستقبل مزدهر، كما أن التراث من أهم الركائز الأساسية للهوية الثقافية والحضارية، ومصدر الإبداع لجميع فئات ومثقفي المجتمع من شعراء وأدباء وفنانين وفلاسفة، ينهلون منه ليتوجوا إبداعاتهم الجديدة، والتي من خلالها يربطون الحاضر بالماضي بما يُعزز حضور الهُوية الوطنية القطرية، والقومية العربية الإسلامية. وفي هذا المقال سوف نتناول صورة التراث في بعض نصوص السرد القطري من خلال روايتين ومجموعة قصصية. 

جمال فايز.. ورواية غير تقليدية
يشعر من يقرأ رواية «زبد الطين» للروائي القطري جمال فايز، أنه يقرأ رواية غير تقليدية، فالأديب الكاتب يُمسك بناصية اللغة من الوهلة الأولى، ولديه إحساس راقٍ في اختيار الكلمات، ويُجيد الحبكة الحوارية، في لغة عربية فصيحة بعيدة عن اللهجة المحلية المحكية، ويُعايش أبطال روايته، ويصف المشاعر وما يختلج في الصدور، ويمزج كل ذلك بالتشبيهات والاستعارات. وتحمل في الوقت نفسه رسالة ورؤية توضح الصراع الذي بات ينتاب الإنسان العربي في ظل العولمة الاجتياحية، التي تذيب الحدود، وتجعل من العالم قرية كونية صغيرة، وتجعل الاطلاع على عادات وتقاليد شعوب وديانات أخرى من السهل الميسور، إذ وفرت وسائل التواصل الحديثة عبر الإنترنت، السرعة في معرفة ما يحدث في أقصى أطراف البسيطة، وفي الوقت نفسه أوجدت عددا من الصراعات بين الأيديولوجيات المختلفة، وجعلت الإنسان العربي يعيش وفي داخله صراع بين الموروث الشعبي لديه، وبين الحديث الوافد، الذي يختلف عن عاداته وتقاليده وقيمه، فيصور الصراع بين التراث والحداثة، في صورة الصراع بين الأب والابن، بين جيل عاش في بيوت شعبية، لا يزال يُحافظ عليها باعتبارها تحمل ذكرياته، ويرى فيها هويته، ويرفض هدمها، واكتسب موارد رزقه من الحرف البسيطة، وتعايش على الغوص على اللؤلؤ، وجيل آخر يعيش في القصور، وفي البنايات الشاهقة، وينظر إلى ذلك القديم باعتباره عائقًا له عن التقدم، ويُمارس التجارة والانفتاح على العالم، بعد اكتشاف النفط وتدفقه بكثرة، وانعكاس آثاره على الحياة عامة. كما تحمل الرواية دلالات رمزية تشير إلى أنه لا يوجد ما يُسمى بصراع الحضارات، ولا يوجد تنافر بين التراث والحداثة والمعاصرة، وإن كان يجب الحفاظ على التراث كرمز للهُوية، إذ تصور الحياة الاجتماعية القطرية والخليجية، وتدور في إطار تراثي محلي، تستلهم من خلاله التراث، بتصوير القديم ومزجه بالمعاصرة.

القاصة أمينة العمادي
تطرح القصة الأولى من المجموعة القصصية «أشياء خاصة جدًا» للقاصة القطرية أمينة العمادي، والمعنونة «اغتيال بو حسين»، الصراع بين التراث والحداثة من خلال جيلين: الأول الجد الذي يستعيد ذكرياته مع البحر والنواخذة والطواويش، والنهام يشدو وسط ظلام الليل البهيم، وتأثير القصص الشعبي المروي، من خلال قصص الحوريات، والدانة العود (الكبيرة) حلم كل الغواصين، ولا تنسى تقديم وصف لمعاناة الغواصين. أما الثاني، فهو جيل الأب، الذي يشهد بوادر دخول الحداثة، فيترك مهنة الغوص على اللؤلؤ، ويمتهن أكثر من مهنة فيخبر أسرارها، ويعمل في أستوديو تصوير، الذي كان مهنة غريبة ونادرة، ثم تجذبه التجارة بعالمها الثري الخصب ليُصبح مالكا لسلسلة من محلات بيع الأقمشة، ويذيع صيته ليصل أسواق جنوب شرق آسيا، ويُصبح واحدًا من أهم خبراء الأقمشة في منطقة الشرق الأوسط. وتتأثر في قصة «من حكايات الحزن» بالتراث من الوهلة الأولى، إذ تقدم وصفًا لمنزل قديم ذي طابق واحد، وذي باب خشب عتيق علقت عليه حدوة حصان مقلوبة لمنع الحسد، كما تستلهم من التراث السرير النحاسي والتجوري، أو ذلك الصندوق الخشبي المطعم بالنحاس، والذي تحفظ فيه الأدوات المهمة والمقتنيات الثمينة. ويحدث الصدام بين التراث والحداثة من مجاورة الفريج القديم الذي تسكن فيه بطلة القصة لأحد الأسواق الحديثة.
تواصل العمادي السرد في قصتها المعنونة «الأفعى»، فتطرق من خلالها عدة موضوعات اجتماعية منها الزواج من الأجنبية، والزواج المبكر، وتسلط الزوجة ومعايرتها لزوجها لأصله، والحنق والثورة على الحظ العاثر، والزواج الفاشل، والمعاملة السيئة للجيران، والغيرة بين الأخوات، وحب الوالد لبناته، ومساعدته لهن، وذلك في ظل توظيف مصطلحات تراثية من البيئة المحلية. وفي قصة «زهرة برية» نلحظ التأثر بالتراث واضحا وجليا، ويبرز في عمل والد بطلة القصة في السوق القديم على عربة يجرها، وفي حوش المنزل الذي تقيم فيه، وفي مغادرته لعمله كنجار لصناعة السفن الخشبية، التي انزوت بعد دخول القوارب ذات المواتير التي تعمل بالنفط، وفي مهن سكان الفريج القديم الذي تسكن فيه ما بين الحمّال والقهوي والسائق والخادم. ويرفض الوالد الحداثة فرغم محاولة ابنته تعليمه مصطلح «السوبر ماركت» إلا أنه يُصرّ على استخدام كلمة «دكان»، فيظل يحافظ على المصطلحات التراثية. وتُقدم في قصة «الصندوق» مهنا اندثرت كبائع العسل اليمني، الذي يُحضر جرار وقدور العسل ليعبئها في عبوات صغيرة جميلة المنظر، وبين العمل بوظيفة كاتب بأحد المراكز الصحية، وتستخدم مصطلحات تراثية من سبيل «الباجيلا والنخى». ونلمس استخدام مصطلحات المعاصرة من سبيل الوطن والمواطنة، وهو ما يتناقض مع المصطلحات التراثية السابقة كالقبيلة والعشيرة والفريج وغيرها. وتنتقد في المجتمع الفخر بالأصل، والاعتقاد في الأحجبة والأعمال السحرية، وتفكك وتصدع الأسر الاجتماعية، التي كانت في السابق متينة متماسكة. لترسو بنا، في النهاية، على شاطئ الأفكار الحرة الطليقة إلى حيث تريد؛ فلا تعوقها حدود ولا تمنعها سدود، مع إقرارها بأنها قطرية المولد والانتماء والولاء، خليجية اللهجة، تجمعها مع بني وطنها العربي لغة الضاد.

الروائية نورة الكعبي

تحمل رواية «من أنا؟» للروائية القطرية الشابة الواعدة نورة الكعبي نصائح اجتماعية وفكرية موجهة للنساء في منطقة الخليج عامة، ودولة قطر خاصة، لتُبيّن كيف اختلفت عقلية المرأة الخليجية بين جيلين: جيل الأمهات الذي عاصر عصر الغوص على اللؤلؤ، وحياة الكفاف البسيطة السهلة الميسورة، وجيل الشابات اللاتي ولدن مع بداية اكتشاف النفط في أرض قطر، وانتشار تعليم البنات بصورة واسعة، ومن ثم واكبن التطور الاقتصادي والاجتماعي والعمراني، والانفتاح على العالم المعاصر بما تحمله العولمة من تحديات للموروث الثقافي والاجتماعي التراثي، وما تحمله الدول القُطرية من صراعات متناقضة داخل الذات للبحث عن الهوية والولاء والانتماء ما بين القبيلة والدولة والقومية. وتؤكد على ضرورة تغيير وجهة نظر المجتمع للمرأة، وإتاحة المزيد من الفرص لها؛ كي تُبدع وتتميز، وتأخذ نصيبها في مختلف المجالات، وتضع على عاتق المرأة مسؤولية تراجع دورها في المجتمع، وعدم حصولها عن حقوقها كاملة، لتؤكد على أن المرأة في هذه المجتمعات لها منجزها الأدبي بوصفه منجزًا إنسانيًا متكاملا، رغم ما يُشاع حول الكتابة النسوية ومحاصرتها بنظرة ذكورية تحط من قيمة ما يكتبنه.