العريفي يدعو للبر بالوالدين ويحذر من العقوق

alarab
محليات 18 يناير 2014 , 12:00ص
الدوحة - محمد عيادي
وأكد الخطيب الحاصل على دكتوراه في أصول الدين في العقيدة والمذاهب المعاصرة، أن الله قسم هذه الحقوق وجعلها مراتب عنده سبحانه، مؤكداً أن أعظم تلك الحقوق, الحق العظيم بعد حق عبادته الذي ثنى به وما ذكر نبيا من الأنبياء إلا وذكر معه هذا الحق الذي من أقامه كفَّر الله له به السيئات, ورفع به الدرجات, وضاعف به الحسنات, وهو الإحسان للوالدين، فحتى في الجاهلية كان الرجال والنساء والولدان والغلمان يفتخرون به إذا أقاموه قال فيه تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا". وزاد لما ذكر الله تعالى عبادته قال "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا" وقال عز وجل "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا". وأوضح العضو في عدد من المكاتب الدعوية والهيئات الإسلامية، أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر صفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين ذكر قصصهم وحسن علاقتهم بوالديهم, فقال الله عز وجل في نبي الله يحيى عليه السلام "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ" وذكر عيسى عليه السلام "وَبَرًّا بِوَالِدَتِي" ولما ذكر سليمان عليه السلام قال: "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ". ولما ذكر نوحا قال "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا". ولما ذكر الله خليله وحبيبه أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام قال: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا" ابتلي بأب كافر يصنع الأصنام ويبيعها ويعبدها, ويدعو الناس لعبادتها، فهو في ظلمات, ورغم ذلك كان إبراهيم عليه السلام يعامله بالحسنى "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً". وقال الخطيب إن نبي الله يكلم أباه الكافر بألطف العبارات وأرقها وأحسنها، لكن أباه يرد عليه "قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا" يطرده من البيت ويجيبه عليه السلام بلطف "سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا". وذكر الدكتور العريفي أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وقال له يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي (أتحمل خطاه وشدته وأولى بالابتسامة والمكالمة والسؤال والاهتمام والإحسان) فأشار صلى الله عليه وسلم إلى عجوز في زاوية من زوايا بيته فقال أمك (إذا ما عندك إلا ساعة فراغ اجعلها لأمك وإذا ما عندك إلا هدية واحدة اجعلها لأمك وهكذا...) قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك ثم أدناك فأدناك. وأشار الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الوالدين هما الطريق الأقرب والأسرع لنيل رضوان الله تعالى بعد توحيده، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يفقهون ذلك ويعرفون أن الإحسان للوالدين من أعظم القربات وإن كانا كافرين كما قال ربنا "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا" ثم قال "وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا" وهو ما طبقه الصحابة رضوان الله عليهم، وفي هذا السياق رد أبو هريرة رضي الله عنه يوما على نداء أمه له لبيك أماه، ثم شعر أن صوته أرفع من صوت أمه قليلا فجلس يستغفر وذهب للسوق واشترى عبدين مملوكين, وأعتقهما لوجه الله توبة من خطأ علو صوته على أمه قليلا, وهو يقول لها مستجيبا لندائها لبيك. وأشار الخطيب لقصة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه الذي طلبت منه والدته ماء وتوجه لإحضاره, ولما رجع ومعه كأس الماء وجدها نائمة, فكره أن يوقظها من نومها وأن يضع الماء بجانبها, خشية أن تستيقظ ولا تعلم أن الماء عندها فتبقى عطشى، فجلس عندها مستيقظا وكأس الماء بيده إذا تعبت يده اليمنى أمسكه باليسرى حتى لا ينام, وحتى إذا استيقظت في ظلمة الليل سقاها, وبقي على تلك الحال حتى طلع الفجر وناولها الكأس. وذكر الدكتور العريفي أنه كان في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه, شاب حسن الصورة والتدين اسمه كلاب بن أمية بن اسكر الكناني, لقي طلحه ابن عبيدالله والزبير بن العوام في الطريق فسألهما عن أي الأعمال أفضل في الإسلام فقالا: الجهاد في سبيل الله، فذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له أرسلني إلى الثغور على حدود دولة الإسلام لحمايتها والجهاد في سبيل الله, فقال له عمر بن الخطاب أعندك والدان؟ فاجابه نعم، قال فاذهب واستأذنهما، وذهب إلى أمه وأبيه فجعل يبكي ويقبل رأس أبيه فأذن له على مضض، ورجع إلى عمر بن الخطاب وأخبره بموافقة والديه وإذنهما له فأرسله إلى الثغور، ومرت الأيام واشتد شوق الوالد إلى ولده لأنه كان يساعده في وضوئه, يقرب إليه طعامه, يمشى معه في حاجاته, يؤانسه في مجلسه، فصار البكاء رفيقه في ليله ونهاره، وجلس أميه بن اسكر تحت شجره فرأى حمامه تأتي إلى أفراخها وتطعمها فجعل ينظر إليها ثم قال: لمن شيخان قد نشدا كلابا كتاب الله لو عقلا الكتابا تركت أباك مرعشة يداه وأمك لا تسيغ لها شرابا طويلا شوقه يبكيك فردا على حزن ولا يرجوا الإياب إذا هتفت حمامه بطن وج على بيضاتها ذكرا كلابا فإنك ولتمس الأجر بعدى كباغ الماء يتبع السرابا وزاد حزن الرجل على ولده حتى أصابه ما أصاب يعقوب عليه السلام (أبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) فعمي واشتد عليه البلاء وصار يتذكر ولده ويراه بين يديه في كل حين، وأخذ من شدة ما في قلبه يريد أن يدعو على ولده, لكن نفسه لم تطاوعه فأخذ يدعو على عمر بن الخطاب ويقول في شعره: أعادل قد عدلت بغير علم وما تدري عادل ما ألاقى فلا والله ما بليتي وجدي ولا شفقي عليه ولا اشتياقي فلو فلق الفؤاد شديد وجد لهم سواد قلبي بانطلاق وزاد أمية سأستعدي على الفاروق ربا له دفع الحجيج إلى بساق وأدعو الله مجتهدا عليه ببطن الأخشبين إلى زقاق إن الفاروق لم يردد كلابا على شيخين هامهما بواق وفي يوم من الأيام مر به أحد من أصحابه، فقال له يا أبا كلاب تذهب معي في حاجه؟ فأجابه وإلى أين فقال له اذهب معي, فأخذه بيده وهو الأعمى يسوقه حتى ذهب إلى المسجد, وأقبل إلى حلقة عمر بن الخطاب وأجلسه فيها, والشيخ لا يدري أنه في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم قال له صاحبه يا أبا كلاب أنشدنا من أشعارك، ولشدة تعلقه بولده أول ما تبادر إلى ذهنه الأشعار التي في ولده, فأنشد الشعر السالف الذكر: سأستعدي على الفاروق ربا.. فقال عمر رضي الله عنه من هذا؟ قال، هذا أمية أرسلت ولده إلى الثغور فقال ألم يأذن له، فقال أذن على مضض, فقام عمر بن الخطاب إلى ديوانه فأرسل مباشره إلى الثغور أن ابعثوا إلى كلاب بن أمية ابن اسكر الكناني على دواب البريد (حتى يعود بسرعة), ودخل كلاب على عمر بن الخطاب قائلا له: نعم يا أمير المؤمنين, فقال له: اجلس يا كلاب, فجلس وسأله ما بلغك برك بأبيك؟ فـأجابه والله ما أعلم شيئا يحبه أبي إلا فعلته قبل أن يطلبه مني, ولا أعلم شيئا يبغضه أبي إلا تركته قبل أن ينهاني عنه، فقال: زدني, قال يا أمير المؤمنين والله إني لا ألوه جهدا إني إذا أردت أن أحلب له من الناقة آتي بالليل إلى أغزر ناقة في الإبل، ثم أنيخها وأعقلها حتى لا تتحرك طوال الليل, ثم أستيقظ قبيل الفجر وآتي إليها فأبعثها (تجعلها تقف) ثم أمضي إلى البئر فاستخرج منها الماء البارد, وآتي الناقة وأغسل ضرعها في الماء حتى يبرد اللبن, ثم أحلبه وأعطيه أبي ليشرب، فقال عمر: عجبا كل هذا لأجل شربة لبن, فقال كلاب وما سواه أعظم يا أمير المؤمنين، فقال له افعل كما كنت تفعل, واعمل لي لبنا, فمضى إلى الناقة فحلب اللبن ففعل معه كما يفعل مع أبيه, فأعطاه إلى عمر بن الخطاب فقال أمير المؤمنين خذوا كلاب فأدخلوه في غرفه وأغلقوا عليه الباب، وأرسل إلى الشيخ فأقبل يجر خطاه وقد عظم همه واشتد بكاؤه وطال شوقه، ولما وقف أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: ما بقي من لذاتك في الدنيا؟ فأجاب الشيخ: ما بقي لي لذة، فقال له فما تشتهي؟ قال أشتهي الموت، فقال له أمير المؤمنين: أقسمت عليك أن تخبرني بأعظم لذة تتمناها في الدنيا؟ فقال أتمنى لو أن كلابا ولدي بين يدي أضمه ضمة وأشمه شمة قبل أن أموت، فأجابه سيسرك الله بولدك خذ هذا اللبن تتقوى به قال لا حاجة لي به، فقال أقسمت عليك أن تشرب فأخذ الشيخ اللبن, فلما قربه أمية إلى فيه بكى وبكى، فقال والله إني لأشم في هذا اللبن رائحة يدي ولدي كلاب، فبكي عمر وجعل ينتفض من مكانه, وبكي ثم قال افتحوا الباب لكلاب، فأقبل الولد إلى أبيه فضمه أبوه إليه حتى كأنهما قد خلطا في جسد واحد, وجعل الأب يضم ولده تارة ويشمه تارة ويقبله تارة، فقال عمر رضي الله عنه: يا كلاب إن كنت تريد الجنة فتحت قدمي هذا, وتحت قدمي العجوز. وفي السياق ذاته روي أن حيوة بن شريح, أحد الأئمة, كان إذا جلس في المسجد يدرس الطلاب تأتي أمه وفي عقلها شيء, تطل عليه من نافذة المسجد تناديه يا حيوة يا حيوة، فيلتف لبيك أماه فتقول له قم فألق الشعير للدجاج، اقطع درسك وفارق طلبتك وخذ الشعير وانثره للدجاج -مع أن الدجاج لن يقع له شيء إن أنهى درسه وجاء ينثر له الشعير- لكنه كان يراعيها ويقول لطلابه تدريسكم نافل وطاعة أمي واجب فإن شئتم انتظروا, وإن شئتم انصرفوا، فيقوم ويمسك بيد أمه, ويمضي إلى البيت ويفعل ما أمرت, وإذا رضيت عاد لدرسه متقربا بذلك إلى رب العالمين، وهو يعلم أن هذا البر هو الطريق للتوفيق في العلم والفقه والإدراك. وقال الدكتور العريفي كذلك كان الأئمة من بعد, وهناك أمثلة كثيرة في التاريخ رائعة في البر والإحسان، مشيراً لقصة يحيى البرمكي الشيخ الكبير الذي تجاوز الثمانين, بعد أن سجنه هارون الرشيد في سجن بارد بعد نكبة عائلته، فكان ابنه خالد معه في السجن, وإذا استيقظ الأب لصلاة الفجر تعب من الماء البارد، فكان خالد إذا نام الأب عبأ الإناء بالماء ثم رفعه جهة السراج المعلق بسقف السجن ليدفئ الماء بالحرارة المنبعثة من السراج، فإذا تعبت يده اليمنى وضع اليسرى, وهكذا, حتى إذا استيقظ أبوه دفع إليه الماء الدافئ ليتوضأ به، ولما انتبه السجان لذلك فصار يخرج السراج من عندهم بعد النوم، فلجأ خالد إلى طريقة أخرى إذا نام والده أخد الإناء وعبأه بالماء, ثم كشف عن بطنه وفخذيه, وحوط الإناء حتى يطلع عليه الفجر فيجد والده ماء دافئا من حرارة جسده. وعلق الخطيب، هكذا كانوا يبذلون من أوقاتهم وجهودهم للإحسان الوالدين, ولكن بعض الناس اليوم بخل على والديه حتى باتصال هاتفي أو هدية أو إنفاق من مال أو بوقته, معتقدا أنه سيكثر ماله أو أن الله سيعذره بانشغاله. وذكر العريفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثَره، فليصل رحمه" منوها لقصة أحد طلبته في الجامعة قبل سنوات, كان يتيما ويرعى أمه واثنين من أخواته, واتصل به يستشيره بعد تخرجه بسنتين في تجارة, وكيف بارك الله له في محل تجاري في موقع مميز بناه لمشروع تجاري, لكنه باعه قبل إكمال بنائه بمبلغ كبير جدا, اشترى به بيتا وسيارة, وبقي منه خير كثير، وقال ما ظن ذلك من ذكاء ولا من شطارة ولا غير ذلك, بل هو توفيق من رب العالمين ولشاب كان بارا وشديد الإحسان لوالدته وأخواته. وحذر الخطيب من العقوق, مشيراً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، شيئان تعجل فيهما العقوبة في الدنيا البغي (الظلم) والعقوق، فالظالم ربما عذب في نفسه أو ماله أو ولده وهو لا يشعر أو توفيقه, وكذلك العاق دائما ضيق الصدر. وختم الخطيب بقصة رجل أساء المعاملة لوالده ولم ينتبه لخطئه إلا بعد فوات الأوان، حيث إن رجلا كبرت سنه وله أولاده تزوجوا, وبقي وزوجته وخادمة وسائق, فتوفيت الزوجة, فكان لا بد أن يسكن الأب عند أحد أولاده، وكان طبيعيا أن يسكن عند الأكبر لأنه خجل أن يسكن عند إخوته الصغار وكلهم متزوجون، ومضت الأيام وكان هذا الشيخ الكبير يفعل ما يفعل كبير السن عادة, يطوف بالبيت يفتح الثلاجة ويعقب لم هذا الصحن مفتوح, لماذا لم يغط, ولماذا هذا الطعام كثير, وينتقد, فلم تتحمله الزوجة, واتفقت مع الزوج بعد جدال طويل على أن يسكن أبوه في الملحق الخاص بالسائق الذي أخرج لمكان آخر. وذهب الزوج يخبر أباه ويقول له ما رأيك أن تسكن في الملحق الخارجي, هذا أقرب للشمس وأحسن هواء وصحة, ففهم الأب مراد ولده, وذهب الأب هناك, وصار ولده يمر عليه مرة أو مرتين حتى صار يمر في الأسبوع مرة واحدة, وصارت الزوجة تبعث له طعام الإفطار والغداء والعشاء في طبق وصحن بلاستيكي واحد ومحدد. ومضت الشهور وتوفي الأب فلما انتهى الولد من العزاء أقبل لينظم الغرفة؛ حيث كان أبوه, لأجل إعادة السائق إليها, فوجد الصحن, فاقبل ولده ذو السنوات العشر وضمه إليه (الصحن), فقال له والده ارمه لا نريده, فقال له لا هذا سأحفظه وأريده, فقال له ولم تريده؟ قال حتى إذا كبرتَ أضع فيه طعامك, فانفجر الرجل باكيا لكنه بكاء متأخر، وأخذ ينظر لفراش أبيه أسود من كثرة العرق وعدم التنظيف, وألقى نفسه على تلك "المخدة" وفيها بقايا من رائحة أبيه، وأخذ يبكي وينظر إليها وإلى بعض ألبسة أبيه مرمية بجانب الفراش, وأخذ يضمها ويشمها ويمسح بها بقايا عقوقه بشكل متأخر جدا. وأشار الداعية السعودي لقصة الرجل الذي أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا رسول الله: هل بقي من بر والدي شيء أبرهما به بعد موتهما, فقال صلى الله عليه وسلم: نعم, الصلاة عليهما بمعنى الدعاء لهما, وصلة صديقهما, وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما, مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو والد صالح يدعو له". وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله يرفع العبد في الجنة درجات, فيقول يا رب لم رفعت درجتي وما عندي عمل, فيقول هذه بفضل دعاء ولدك الصالح لك من بعدك.