

في مشهد يستحضر ذاكرة البحر ويعيد إحياء صوت السفن الشراعية، يبرز فن النهمة في درب الساعي كأحد أبرز تجليات التراث البحري القطري، بعدما تحوّل من ممارسة ارتبطت بحياة الغوص والعمل على ظهر المحامل إلى عرض حي يختزل تاريخا طويلًا من الصبر والتنظيم والعمل الجماعي.
ومن خلال درب الساعي، يعود هذا الفن العريق ليحضر أمام الجمهور، متكئًا على فنون بحرية أصيلة مثل الفجري بأنواعه المختلفة، ليؤكد أن التراث البحري ما زال حيًا وقادرًا على التواصل مع الأجيال الجديدة ضمن مشهد وطني يحتفي بالهوية ويصون الموروث.
أكد علي ناصر الحداد، أحد نَهّامي فرقة المها للفنون الشعبية، أن مشاركة الفرقة في فعاليات درب الساعي تمثل محطة مهمة في إحياء التراث البحري وترسيخ الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن هذه المشاركة تعكس جانبًا أصيلًا من حياة القطريين المرتبطة بالبحر والغوص وصناعة السفن.
وأوضح الحداد أن درب الساعي قدم هذا العام نموذجًا متكاملًا للاهتمام بالموروثين البري والبحري، وهو ما يمنح النهمة والفنون البحرية مساحة حقيقية للحضور أمام الجمهور، لافتًا إلى أن هذه الدورة تُعد مميزة باجتماع عدد من النهامين لأول مرة في موقع واحد، من بينهم عمر بوصقر وعلي المري، لتقديم الفنون البحرية بأدائها الجماعي الأصيل، ما أضفى تميزًا واضحًا وتفاعلًا كبيرًا من الزوار.
وأشار إلى أن درب الساعي بات منصة وطنية جامعة للفنون والثقافة والتراث، حيث وفر بيئة متكاملة للزوار من المواطنين والمقيمين والسياح، وأسهم في تعريف الجيل الحالي بحياة الأجداد، مؤكدًا أن دولة قطر سبّاقة في صون التراث البحري، ويتكامل ذلك مع مهرجانات أخرى مثل مهرجان المحامل التقليدية، بما يعزز حضور الموروث البحري على مدار العام.
وبيّن الحداد أن النَّهام كان عنصرًا أساسيًا في حياة البحر، إذ لا يقتصر دوره على الغناء، بل يؤدي وظيفة محورية في بث الحماس والصبر بين البحارة وتنظيم إيقاع العمل خلال رحلات الغوص الطويلة التي كانت تمتد لأشهر، موضحًا أن النهمة كانت بمثابة «بوق افتتاح العمل» وإشارة قيادية يفهمها البحارة وينفذون ما يتبعها دون أوامر مباشرة من النوخذة.
وحول نقل هذا الفن إلى الأجيال الجديدة، أوضح أن درب الساعي أتاح مساحة يومية لتقديم الفنون البحرية، سواء عبر المسير التراثي أو من على ظهر السفينة، حيث يشاهد الجمهور كيفية أداء البحارة لأعمالهم والفنون المصاحبة لها، بما يعزز الفهم العملي لهذا الموروث.
وتناول الحداد تصنيف فنون النهمة والفجري، موضحًا أن الفنون البحرية تنقسم إلى فنون عمل تُؤدَّى على ظهر السفينة، وفنون سمر تُؤدى على الشاطئ. وتُعد «النهمة» طريقة أداء يؤديها مغني السفينة على ظهر المحمل فقط، بينما يُعد «الفجري» فنًا غنائيًا تراثيًا شفهيًا مرتبطًا بثقافة البحر والغوص، يتميز بجماعية الأداء وينتقل عبر الأجيال دون تغيير، مع إيقاعات معقدة وجُمل لحنية غير مألوفة.
وأشار إلى أن الفجري ينقسم إلى خمسة أنواع رئيسية هي: البحري، العدساني، الحدادي، المخولفي، والحساوي، ويؤدى بثلاث طرق هي: الجرحان، والتنزيله، والنهمة الحندة، التي يتناوب على أدائها أكثر من حدّاي بتقطيعات متناغمة وحركات مرحة.
وأضاف أن برنامج الفرقة اليومي يبدأ من الرابعة عصرًا، ويتضمن مسيرًا تراثيًا من منطقة البدع داخل درب الساعي، مرورًا بالمتحف الموسيقي، وتقديم فنون السيفية والفجري وفنون السمر، مع التوقف لأوقات الصلاة، وصولًا إلى تقديم فنون العمل على سطح السفينة عند الساعة السابعة مساءً، والاستمرار حتى التاسعة.
وفي ختام حديثه، وجّه الحداد رسالة إلى الجمهور، دعا فيها العائلات إلى اصطحاب أبنائهم لزيارة درب الساعي والتعرف على تراث الآباء والأجداد، مؤكدًا أن الفنون البحرية تعكس جوهر الهوية القطرية وقدرة الإنسان القطري على الصمود والاستمرار، ومشددًا على أن الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية جماعية لضمان استمراره للأجيال القادمة.