القلق والجريمة (4)

alarab
منوعات 17 نوفمبر 2011 , 12:00ص
د. عبد الله عابدين •
ذهبنا في الحلقات السابقة إلى أن الصورة المعطاة في أدبيات هذا الموضوع لا تمثل إلا ظاهر الأمر؛ حيث تجلى هذا الأمر عندما اقتربنا من الوضع الحقيقي للقلق على خارطة العلاقة بالجريمة؛ فإذا كان اضطراب القلق في حد ذاته لا يشكل أهمية كبيرة في هذا المجال, فإن القلق كعرض يتغلغل في البنية الإكلينيكية لمعظم الاضطرابات النفسية والعقلية، بما أن القلق يمثل شعوراً فطرياً يعود بجذوره إلى الخوف الموكول بحفظ الحياة والتأمين على بقائها واستمرارها، فأحياناً تشكل عوارض القلق مقدمة أو نذيراً طبيعياً لظهور أحد الاضطرابات النفسية والعقلية الأخرى مثل اضطراب الفصام، وأحياناً أخرى تمثل أثراً متخلفاً عنها، يزول بعد فترة، أو تبقى لتسم الشخصية بميسمها على المدى الطويل. ويمكن أن يكون القلق المتمظهر بهذه الأشكال، وسيطاً مباشراً أو غير مباشر في حدوث السلوك الإجرامي لدى المصابين بهذه الاضطرابات، ويمكننا أن نلاحظ ذلك بصورة أو بأخرى في بعض اضطرابات الشخصية، خاصة اضطراب الشخصية السايكوباتية التي تتسم بالقلق والتوتر في كثير من المواقف، خاصة تلك التي يتعرض فيها المصابون بهذا الاضطراب لضغوط حياتية، وهناك أيضاً تلك الحالات التي يتسم أصحابها بضعف القدرة على السيطرة على الاندفاعات، مما يجعل بعضهم عرضة للوقوع تحت طائلة القانون، جراء اضمحلال تصورهم للآثار الناجمة عن السلوك الإجرامي. ومعلوم أن هؤلاء تتسم بنياتهم النفسية بالميل نحو القلق والتوتر وعدم وضوح الرؤية فيما يتصل بالدور الاجتماعي وبالأعراف التي تجب رعايتها. أما ارتباط الجريمة بالقلق كعرض يؤدي إلى سوء استعمال وإدمان المخدرات والكحول، فهو الموقع التالي الذي يشير إلى ارتباط القلق بالجريمة. فالارتباط بين الجريمة وتعاطي وإدمان هذه المواد واضح في الحياة العامة وفي مجالي الطب النفسي والقانون. وهناك نسبة لا يستهان بها من المدمنين على المخدرات والكحول تتسم شخصياتهم بالقلق والتوتر وسوء التكيف مع الحياة وضغوطها. ويلجأ بعض هؤلاء إلى سلوك طريق الإدمان بغرض التغلب على مشاعر القلق وبغية تحقيق نوع من التكيف الاجتماعي. ولكن ما إن يجدوا بعضاً من الهدوء الزائف، ونذراً من التكيف المظهري، حتى تتحول المسألة برمتها إلى حالة من الاستعباد للمادة المؤثرة على العقل فيقودهم هذا بدوره إلى دوائر الجريمة ومستنقعاتها الآسنة. وهناك ملاحظة أساسية وهي أن القلق يرتبط بظاهرة التحفز المركزي التي ترد كوسيط عصبي بين الاضطرابات العقلية والنفسية والسلوك الإجرامي. ومعنى هذه الظاهرة هو أن الجهاز العصبي يكون متحفزاً في لحظة ارتكاب الجريمة. وهذا التحفز يرتبط بمشاعر القلق أو الغضب أو الشعور بالتهديد أو الإهانة نتيجة لأي استفزاز أو ضغط. وفي هذه الحالة يمكن أن ينظر إلى هذه المشاعر كآليات وسيطة تؤدي إلى فقدان سيطرة الإنسان على القوى التدميرية في داخله فتقع الجريمة، وهذا النوع من الجرائم هو في الغالب رد فعل لخطر يتهدد الذات، حقيقياً كان أو متوهماً. هذه الصورة تقرب إلى أذهاننا حقيقة أن مشاعر القلق والخوف والغضب يصعب فصلها عن بنية السلوك الإجرامي ذي الطابع النفسي, حتى في حالات السلوك الإجرامي السادي أو المحترف تذهب نظريات التحليل النفسي إلى أن مشاعر القلق والغضب والعدوانية اللاواعية هي السبب في ارتكاب الجريمة. وبهذه المناسبة تجدر الإشارة إلى أن مدرسة التحليل النفسي تذهب إلى أن السلوك الإجرامي، مثله مثل أي سلوك منحرف، يجد تفسيره في القوى التدميرية الكامنة في اللاشعور، بينما تذهب المدرسة السلوكية إلى أن السلوك الإجرامي هو سلوك متعلم، والمدرسة السلوكية مدرسة هامة من مدارس علم النفس، نشأت على يد العالم «واطسون». وهي بإيجاز تعتمد السلوك الظاهر، الفعل والقول، موضوعاً لها، وتستند إلى نظريات التعلم كمرجعية تفسيرية للظواهر السلوكية، والقلق، أو بالأحرى السلوك الدال عليه ناجم حسب هذه المدرسة عن عملية تعلم خاطئ للسلوك المعين، بحيث أن هذا السلوك في فترة ما، الطفولة غالباً، يتم تدعيمه وترسيخه من خلال استجابات مجزية أو معززة، يعود القلق إلى هذه الأصول وربما يستمر كجزء من تكوين الشخصية بفضل الدعم والتعزيز الذي تلقاءه, ويصير من ثَمَّ طريقة أو رد فعل نمطيا في مواجهة ضغوط الحياة. في الختام، تجدر الإشارة إلى ملاحظة ذات أهمية، وهي أن القلق يمكن أن يكون مانعاً من ارتكاب الجريمة، بما أنه نوع من الخوف، ويمكن أن يكون أيضاً ناتجاً من نواتجها؛ فعلاقة القلق بالجريمة ليست علاقة خطية بسيطة، وإنما هي علاقة ديناميكية ومعقدة، تتداخل فيها الخطوط، وتتعدد فيها الآراء، وتحتاج إلى مزيد من الأبحاث والمساهمات حتى تتضح الرؤية أكثر فأكثر.