قلعة الزبارة.. عراقة تروي حكايات الماضي
تحقيقات
17 أكتوبر 2015 , 01:40ص
الدوحة - العرب
تطل قلعة الزبارة على قمم الكثبان الرملية، كما تعانق ساحتها الأمامية بتاريخها التليد شاطئ الخليج العربي، وتحكي بوابتها الضخمة ذكريات أيام مضت محملة بحكايات صيادي اللؤلؤ وأسفارهم ورحلاتهم التجارية مع العالم عبر مياه البحر..
وقد تحولت مدينة الزبارة العريقة إلى إحدى أهم المناطق الأثرية في المنطقة، حيث تقع على الشاطئ الشمالي الغربي لدولة قطر، وتبعد عن مدينة الدوحة حوالي 100 كم، ويحوي الموقع أطلال قصور ومساكن كانت مليئة بالحياة وتعج بالنشاط والحيوية، على امتداد مساحة تبلغ حوالي 60 هكتاراً داخل الأسوار التي تحيط بالمدينة من جهاتها الثلاث، (الجهة الرابعة مفتوحة على البحر)، يتخللها (20 برجاً) أقيمت على مسافات غير متساوية تتراوح ما بين 90 و115 مترا.
وتشرف على مدينة الزبارة قلعة حديثة شيدت عام 1938م لتحل مكان القلعة السابقة القائمة بالقرب منها، وتتصل بالمدينة بسورين تتخللهما أبراج، ويشكل السوران ممراً عرضه حوالي 400م من جهة السور الخارجي للمدينة يضيق عند التقائه بالقلعة القديمة، كما شُقت عند الطرف الجنوبي للمدينة قناة يبلغ طولها حوالي كيلومترين، كانت ترسو فيها السفن لتفريغ حمولاتها أو تركن تجنباً للأعاصير في الأيام العاصفة.
ولا يزال القطريون يعيشون لذة فرحة الحدث الذي انتظروه كثيرا وشاركهم نشوته كل من يسكن أرضهم، حينما أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو» مدينة الزبارة الأثرية ضمن قائمة مواقع التراث العالمية، وذلك في جلستها الـ37 التي عقدت في العاصمة الكمبودية بنوم بنه في يونيو 2013.
ويعتبر مسؤولون قطريون أن انضمام مدينة الزبارة لقائمة مواقع التراث العالمية حدث مهم، فهي إحدى أهم المواقع الأثرية المحمية التي كانت تمثل أكبر مدن الخليج العربي التقليدية لصيد وتجارة اللؤلؤ في الفترة الممتدة ما بين القرنين الـ18 والـ19. ويُعد ذلك أول إدراج واعتراف بموقع أثري قطري في سجل دولي، كما يصنّف الموقع الآن كأحد أهم المواقع التراثية والطبيعية المدرجة عالمياً، وتسعى هيئة المتاحف ومؤسسات الدولة لترقية المَعلم وإتاحته أمام جمهور العلماء والباحثين والمهتمين والزوار.
قصة التصنيف وتتويج المدينة في اللائحة الأممية لم تكن وليدة الأمس فقط، فقد صنف فريق من علماء الآثار الدنماركيين مدينة الزبارة -التي تعني الأرض المرتفعة- كموقع أثري للمرة الأولى في الخمسينيات، ليقوم بعدها فريق من علماء الآثار القطريين والدنماركيين بأعمال التنقيب في الموقع. وعقب إجراء دراسات وأبحاث، تم العثور على مجموعة كبيرة من المكتشفات الأثرية التي تعود إلى الفترة الممتدة ما بين القرنين الـ18 والـ19، وهي موجودة الآن ضمن المجموعة الدائمة الخاصة بمتحف قطر الوطني، حيث يتم عرضها بصالات المتحف كما في مدينة الزبارة.
وكانت الحملة التنقيبية الضخمة قد بدأت سنة 2009 وتم اكتشاف بيوت كبيرة إلى أن تم تحديد معالم السوق، ووضعت خطة شاملة لدراسة المنطقة التي نشأت حوالي 1860 وكانت مدينة تجارية متكاملة العناصر بأسواقها وجوامعها وقلاعها التي لعبت دورا متميزا، كما ازدهرت لتصبح أحد أهم وأكبر المناطق السكانية في قطر آنذاك، وقد استقطب ازدهارها اهتمام القوى العظمى الأخرى في منطقة الخليج في ذلك الوقت. وانتهى دور المدينة التجاري عام 1811، ولم تتم إعادة إعمارها بشكل كامل، فهجرها أهلها منتصف القرن العشرين.
رحلة استكشاف أطلال هذه المدينة المهمة والمرتبطة ارتباطاً عضوياً بتاريخ قطر والمنطقة المحيطة وحضارتها، تمت من خلال اختيار ثلاثة مواقع رئيسية لمباشرة البحث فيها للتعرف على مختلف مظاهر العمران في المدينة. العلماء شرعوا في استكشاف ما مساحته 1900م مربع تقريباً من سور المدينة، حيث ظهرت أبراجها الدائرية التي تمتاز بوجود سلم حلزوني داخل كل منها على مسافات متباعدة تتراوح ما بين 90 و155م من السور البالغ طوله حوالي كيلومترين، كما أظهرت أعمال التنقيب أن السور قد جرى تدعيمه في أماكن ومراحل مختلفة. وتتوالى عمليات اكتشاف المنازل والقصور مع استحضار لطبيعة المنطقة وظروف عيش وسكن أهلها.
وتسجل قلعة الزبارة عددا من الزوار، وذلك بعد عملية ترميم وإعادة تطوير هذا الموقع الأثري، التي شملت افتتاح مركز الزوار الجديد وإدخال تحسينات على المرافق وضمان سهولة الوصول للموقع، فضلاً عن سلسلة من البرامج التعليمية في المدارس وداخل المجتمع.
ويؤكد مسؤولون بهيئة المتاحف أن الهيئة تشجع الزوار على المشاركة وعيش تجربة الحفريات وتاريخ هذا الموقع من خلال الصور وشاشات العرض والجولات سيراً على الأقدام، لرفع مستوى الوعي بقيمة الموقع بالنسبة لقطر ومنطقة الخليج.
وتهدف الجهود المبذولة إلى الاستخدام الأمثل للأصول والموجودات القطرية القائمة واستحداث معالم سياحية جديدة وتقديم تجربة قطرية أصيلة لجذب السياح من كافة أنحاء العالم.
ويستمر كل من التاريخ والثقافة في لعب دور رائد كأحد مرتكزات السياحة ضمن استراتيجية قطر الوطنية لقطاع السياحة 2030. فمجموعة الفنون والمعالم الثقافية مثل الزبارة ليست فقط بعض مناطق الجذب الأكثر شعبية في قطر، ولكنها أيضاً تعكس الجذور الثقافية العميقة التي نسعى إلى تسليط الضوء عليها والحفاظ عليها كمقصد سياحي.
ويشهد الموقع الأثري في موسم الربيع وبداية موسم الصيف قبل اشتداد درجات الحرارة، حركة سياحية نشطة، ويصبح مقصد العديد من الأسر التي تختاره لقضاء عطلة نهاية الأسبوع والاستمتاع في هذا الموقع التاريخي الرائد والأكثر جلباً للزوار في قطر. وطورت الجهات المشرفة على الموقع مركزا للزوار تم افتتاحه حديثا في قلعة الزبارة، ويستضيف أنشطة للكبار والأطفال مع نصب الخيام خارج الحصن، حيث يمكن للزائر تجربة الأكلات والمشروبات والمشغولات اليدوية التقليدية فضلا عن ركوب الجمال.