إنّا على فراقك يا _ أبي _ لمحزونون!!
ثقافة وفنون
17 أكتوبر 2014 , 07:14ص
ريم سعيد آل عاطف
والدي الحبيب :
ما بين واقع الرضا والتسليم بما قضاه الله من رحيلك . ومشاعر تكابر وتكذّب غيابك فتتعلق بأهداب الحلم أو الوهم لتحيا لحظات أخرى معك .
يتفطّر قلبي لطيفك الذي يملأ المكان ، قسماتك المرسومة على الوجوه ، صوتك من كل الجهات وخلف الأبواب !0
أغمض عينيّ لأهرب منك إليك ، ألتقيك داخلي وقد سكنت الفؤاد والأحداق .
أبتاه .. يا ضياء وأُنس روحي :
تلوح ذكريات العمر يسابق بعضها بعضاً ، ويتراءى أمامي وجهك الساطع بالنور وثغرك الراضي ، في تلك النظرة الأخيرة التي ألقيناها عليك وودّعناك بها ، آهٍ يا أبي ! لو أن القلوب تّعطى والأنفاس تُهدى ! والذي نفسي بيده ما ترددت لحظةً من عمري أو أدنى من ذلك في منحك أعضاء جسدي عضوا عضوا وافتدائك بالروح . ولكن نسير وفق أقدار الله وتتوقف إرادتنا وتعجز أمام مشيئة الله فالحمد لله على كل حال .
أبي .. حبيبي :
لو سححت الدمع دهراً ما خمدت لهائب الحزن عليك ، ولو اجتمع البشر أجمعين ما عوّضوا فقدك ، ولولا "إيمان ويقين وتوكل ورجاء" لا تهزّها زلازل المحن والفواجع ، لغاب عقلٌ وحلّ فزعٌ وجزع ، ولكنها تلك الثقة بالكريم الرحيم العفو الغفور الذي وفدت إليه ، والفرح بصادق وعده .
كيف لا نأمل خيراً ؟! والذي لا ينطق عن الهوى يقول : "من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " وأنت بنيت مسجدا في الخارج ثم شيّدت مسجدك هنا وتوليت الإشراف عليه والعناية به والأذان فيه لأكثر من ثلاثين عاماً ! وهنا وعدٌ آخر منه تعالى على لسان خير البرية صلى الله عليه وسلم الذي دعا للمؤذنين بالمغفرة ووصفهم أنهم "أطول الناس أعناقاً يوم القيامة" وأنه "لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌ ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " وأن المؤذن " يستغفر له كل رطبٍ ويابس في قبره ".
كيف نخشى أو نقلق عليك ؟! وأنت بين يدي اللطيف الرؤوف ، وقد شهد لك القاصي والداني أنك ممن يُحسن لنفسه مع ربه بالطاعة والاستقامة ويُحسن للناس بنفعهم وإكرامهم وتفريج كرباتهم وقضاء حوائجهم _نسأل الله أن يتقبلها عنده _ وقد أخبر سبحانه في كتابه في مواضع عدّة أنَّه "يحب المُحسنين" ، وأنه "مع المحسنين" ، وأنه "يجزي المحسنين بالحُسنى وزيادة" وأنه " لا يضيع أجر من أحسن عملاً " .
مع ما بشّرنا به الهادي الأمين عليه الصلاة والسلام أن "من نفَّس عن مؤمنٍ كربة من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على مُعسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة ".
كيف لا تهون مصيبتنا ؟! ونحن نرجو أنك غادرت إلى دار نعيمٍ مقيم لا وصب فيها ولا نصب وأن تنال عند الله مقام الشهداء فقد رحلت مبطوناً ونالك من وطأة المرض ما نسأل المولى أن يجعله تطهيرا وكفارة للخطايا ورفعةً للدرجات . ثم إنك صاحبُ صدقاتٍ وقيام ليل وبذل معروف ، واصلٌ للأرحام ، كافلٌ للأيتام ، وذلك كله من موجبات دخول الجنة .
وإن كان من أحسن لثلاثٍ من البنات كن له حجاباً من النار ، بل من عال جاريتين حتى تبلغا وُعِد بمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم ، فماذا عنك يا أنبل الرجال وأعظمهم وقد منّ الله عليك بستٍ من البنات فأكرمتهن وعلمتهن وربيتهن وما فيهن من واحدة إلا وهي محبة لدينها واعية لدورها فخورة بهويتها !
يا أمير القوم وشيخهم وسيّدهم بلا أمرٍ ولا فرضٍ ولا تنصيب :
أسقيت بنيك مكارم الأخلاق ، غرست فيهم العزة والشهامة والصدع بالحق ، وأورثتهم الوفاء والعطاء ، وتلك التركيبة العجيبة التي تجلّت فيك فأودعتها فيهم حيث التوازن بتألق وقوة العقل والفكر مع حضور العاطفة ، الهيبة مع الرفق والرحمة ، حب الحياة والاستمتاع بها مع الإعداد للآخرة .....
والدي .. يا طيّب القلب ، يا نقيّ السريرة :
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا .
نشكو إلى الله لوعة فقدك ! نبكيك وكيف لا نفعل ؟! وقد بكاك الأطفال والعمالة وكل من عرفك ، صغار الأسرة الذين لا يحلو لهم الجلوس إلا في حِجرك واللعب إلا معك ، وأطفال الأقارب والمعارف الذين عودتهم لطفك وهداياك ، العمالة في المنزل وخارجه الذين أحبوا بشاشتك معهم وسؤالك عنهم وتفقّدك حالهم .
أضع رأسي على وسادتي ، تحضر صوتاً وصورة ، أطرد تلك الذكرى المؤلمة لأيامك الأخيرة ! أتشبث بذكرى وجهك الباسم وضحكاتك الرائعة مع تلك النظرة الفرحة الساخرة التي ترمقنا بها وأنت تحتفل بفوزك علينا الواحد تلو الآخر في جولات تلك اللعبة التنافسية التي تحبها ويعجبك في كل مرة أن تستعرض مهارتك فيها علينا!
رحمك الله يا أخفّ الناس روحاً وظلاًّ ، وأثقلهم قدراً ومفقداً .
رحمك الله وأنزلك الفردوس الأعلى ، وجبر كسر قلوبنا وجمعنا بك في مستقر رحمته .
وإنا لله وإنا إليه راجعون .