تباين في الآراء حول اعتبار المسرح القطري مرآة تعكس قضايا المجتمع
تحقيقات
17 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - أيمن يوسف
رغم تنوع أوجه الثقافة والإعلام في قطر من تلفزة وإذاعة وصحافة فإنه يبقى للمسرح طابعه المميز الذي يجعله قريبا من الأفئدة، لمباشرته وعفويته وبأنه شخوص حية تتناول واقعنا بإسهاب أحيانا وبإطناب أحيانا أخرى.
رغم البدايات المتواضعة للحركة المسرحية في البلاد، فإنها استطاعت التأسيس لحضور في منطقة الخليج والعالم العربي. وطافت الدراما المسرحية القطرية في أرجاء المنطقة وحازت على إعجاب وتقدير مختلف الدوائر الثقافية والمسرحية وتعاني الدوحة من ندرة خشبات المسارح ويكون الاعتماد الكبير في العروض على مسرح قطر الوطني الذي افتتح عام 1986، ويعتبر واحداً من أفضل المسارح في المنطقة، وهو مجهز تجهيزا تقنيا متقدما وذو إمكانيات كبيرة للعروض المسرحية وعروض الباليه والفنون الشعبية، ويتسع لـ500 شخص.
مسرح شبابي وإعجاب غربي
في أحد العروض المسرحية بالمملكة المغربية قدم مجموعة من الشباب المسرحيين القطريين عرضا طويلا باسم «شباب ولكن». وحاز العرض في مهرجان ليكسا الدولي على إعجاب النقاد والجمهور المغربي، الذي صفق وأشاد بالعرض (موسيقى حزن وقلق بهجة وحبور مجهودات شبابية، أداء قوي وحيوية على خشبة المسرح طاقات ممثلين تفجرت في فضاء يتقاطع فيه السواد بالبياض كتعبير عن تناقضات جمة تحاول مسرحية «شباب ولكن» إثارتها).
وككثير من المسرحيات التي يعرضها المسرح القطري في مركز برزان الثقافي كان موضوع المسرحية اهتمامات الشباب العربي سياسياً واقتصاديا واجتماعيا، واعتبر كثير من الحضور أن العرض كان بالفعل مفاجأة سارة للجمهور، حيث اكتشف التجربة المسرحية القطرية التي كانت إلى حد كبير بالأمس القريب غريبة عنه. واعتبر مساعد المخرج ناصر الأنصاري مسرحية «شباب ولكن» تندرج تحت نوع من المسرح التجريبي الذي يمس قضايا وهموم الشباب في الوطن العربي، ويسعى لإيجاد الحلول من خلال معالجة كوميدية. وغالبا ما تعقد جلسة نقدية لمناقشة العروض بعد نهايتها، تضمنت اتفاقاً على احترام التجربة وتقديرها، ونوه خلالها المتدخلون بالأداء الجيد والمجهودات المبذولة من قبل الممثلين، مشيدين بالتجربة الشبابية للمسرح القطري.
فهل يعتبر الشباب المسرح نافذة حقيقة لقضاياه وإطلالة له من واقعه على بقية فئات المجتمع!؟
هموم المواطنين حاضرة
يقول المواطن عبدالجليل أحمد الفرحان إن اتهام المسرح الخليجي عامة والقطري خاصة بأنه بعيد عن واقع وقضايا وهموم الناس هو اتهام جزافي ولا أساس له. فمع أن المسرح هنا لم يصل لحالة تواصل تام مع الجمهور من حيث مشاكل الناس وطرحها على خشبته إلا أنه ليس بعيدا بحال عما يجري في المجتمع، فهو على سبيل المثال «كان حانقا» على مسألة توقيف بعض الموظفين من المواطنين عن العمل وجلوسهم ببيوتهم مع تخفيض رواتبهم. وما هي إلا أسابيع ورأى القضية مطروحة بقضها وقضيضها على خشبة مسرح قطر الوطني. ويتابع عبدالجليل أنه حضر مسرحيتين خارج قطر واحدة في القاهرة وأخرى في دمشق، ويرى أن المسرح العربي ينتمي لكينونة واحدة في أسلوب وأداء الممثلين وفي طريقة تناولهم لقضايا مجتمعاتهم. وأنهم يتشاركون الفقر في التقنية المستخدمة على خشبة المسرح، ومع ذلك فإن التعويل برأيه على الفنان وإبداعه وليس على أدواته المصاحبة. وأن الفنان المسرحي المبدع هو من يستحق أن يصبح نجما «تلفزيونيا» وليس سواه.
حضور المسرح «لتغيير الجو»
من ناحيته يرى المواطن محمد عبدالله الرشدان أن المسرح القطري بصفة عامة ما زال عالة على نجوم بقية دول الخليج. وأنهم يتصدرون الإعلانات عن المسرحيات الجديدة لمعرفة الجميع بمدى حظوتهم لدى الجمهور القطري. وأن ما يفاجئه هو اختلاف عنوان المسرحية عن مضمونها، فالعناوين جريئة والطرح ضعيف. وبمعنى آخر فإن العنوان يتحدث عن جزء صغير من المسرحية بينما باقي المسرحية يكون مضحكا «وجيدا» ولكنه لا يرتبط بعنوان المسرحية. ولا يرى الرشدان ضيرا من ذلك فهو يحب اصطحاب العائلة «لتغيير الجو» ويرى أن المسرح عليه مهمة صعبة، فهو عليه أن يرافق دوما اهتمام الجمهور، فإذا كان يرغب بالضحك والتسلية وجب عليه توفير ذلك له. وإلا فالخيارات أمام الناس واسعة.
شركات إنتاج تهمل الجمهور النوعي
محمد المطيري من السعودية يقول إنه من محبي متابعة المسرح الخليجي ولكن بقالبه الفكاهي وليس الدرامي وعلى شاشة التلفزيون. وأن هذا لا يعكس عزوفه عن المسرح المباشر وحضور صالاته ولكن المسرح الخليجي اختلف اليوم عما كان عليه، فقد كان يقدم بانوراما مجتمع متكاملة ويعرض لكل جزئية بالترابط مع بقية مشاكله. ويقول محمد إنه كان من متابعي المسرح القطري في التسعينيات. لكن نجوم هذا المسرح مقلون اليوم من أعمالهم. ويقارن المطيري بين المسرح الغربي والخليجي بالقول إن الأول هو مسرح روائي في أسه واجتماعي واقعي في أساسه. وقد نهج المسرح في الخليج هذا المنهج سابقا، لكن سمات الوقت الحالي وغلبة الإعلان على الحراك الثقافي جعل رواد مسرح اليوم يلهثون وراء مشكلة بعينها تشغل المجتمع مع قدر مبالغ فيه من الكوميديا، مع اعتماد كبير على نجوم مسرح التسعينيات لشهرتهم بين جمهور الخليج وليس لقدرتهم على طرح جديد مشاكل وهموم المجتمع. ويقول محمد إن الحياة اليوم أكثر تعقيدا، ومع ذلك فإن المسرح يتعمد تبسيط قضايا المجتمع وطرحها بأسلوب لا يليق بما كان هؤلاء النجوم أنفسهم يقدمونه في مراحل سابقة. ويعتقد أن تحول شركات الإنتاج إلى شركات إنتاج مشترك تلفزيوني ومسرحي جعلها تركز على زيادة أعداد حضور المسرحية على شاشات التلفزيون ومع أن التلفاز سحب جزءا كبيرا من بساط الجمهور من تحت المسرح ورغم أن المفروض بفناني المسرح تكثيف الجهد لإبراز مزايا المسرح عن غيره من وسائل الإعلام المرئي، فإنهم نادرا ما يقدمون مسرحية حقيقية يتابعها جمهور ذو سوية ثقافية وتعليمية مرتفعة. فأسبوعيا تعلن دور العرض الشهيرة في الدوحة عن مسرحية أو اثنتين، وعند حضورها تجد أنها تجارية الغرض. ويقارن المطيري بين حال المسرح هنا وبين الخارج فيقول: «المسرح الأجنبي اليوم يقدم عروضا خلابة تتضمن تقنيات مبهرة من حمل للفنانين في الجو دون أن يظهر ذلك للعيان -باستخدام إضاءة خاصة- إلى ديكورات المسارح القريبة من الواقع ولكن ذلك غير متحقق على خشبة المسرح العربي عموما». ويتابع بأنه شخصيا «لم يعد باستطاعته حضور المسرحيات ليس للأسباب الآنفة الذكر فقط بل لأنها تتعرض لأخطر القضايا كالمرأة والعمالة الأجنبية والفروق بين نمط الحياة بين الشرق والغرب بكثير من السخرية والهزل وبعيدا عن الطرح الفني المبتكر».
فنون أخرى داخلت المسرح الخليجي
رائد الحيت مهندس الكهرباء، يتابع مسرحيات الفنانين الخليجيين بشكل عام ويحب أداءهم في العروض الكوميدية ولا يجد متعة بحضورها على شاشات التلفزيون، بل إن رؤية الفنانين أحيانا -برأيه- هي ما يمنح المسرح نكهة ومعنى، وأنه يحضر المسرح لوحده دون اصطحاب العائلة مع أنه لا يجد غضاضة في ذلك. ويقول رائد إنه لا يتوقع أن يبقى المسرح الخليجي بزخمه الحالي لسبب جوهري وهو أن جيل الفنانين الحقيقيين بدأ بالاندثار، والنجوم الشباب مفصولون عن إرث المسرح ويتتبعون التلفاز، وأن المسرح الخليجي ربما يعاني من شيخوخة مع عزوف الفنانين الشباب عنه. ويقول رائد إن ما يحضره اليوم يختلف عما كان عليه الحال قبلا، وأن فنونا أخرى داخلت المسرح الخليجي أهمها التمثيل الإيمائي الصامت (المايم) الذي يعد أصلا في التمثيل المسرحي وهو مسل وواعد.
المتنفس الحقيقي للجمهور
حمد الرميحي أحد رواد المسرح القطري قال في لقاء سابق: «إن الأعمال المسرحية التي تعد هامة اليوم هي تلك التي تأنسن الهموم وتجعلها مشتركة بين البشر جميعا» كالتي تندد بالعنف والتعصب الأعمى وإقصاء الآخر وبروز الأنانية اللاإنسانية التي سادت هذا العصر. في الوقت الذي نتطلع للازدهار والتسامح وذلك من خلال الرؤية أي «المسرح»، والسماع أي «الآلات الموسيقية» التي تحول وتصبغ في المسرح بأحاسيس إنسانية رمزية فلسفية شاعرية».
ورغم كتابته في مجالين هما المسرح والتلفاز، إلا أن المسرح يمثل له عشقه الخاص لارتباطه بالجمهور، فمن خلال المسرح يتم التواصل مع الناس ويرى كيف تم التفاعل بين العرض وبينهم كما يقول الرميحي إنه اختار الكتابة للتلفزيون لأنه يدخل كل البيوت.
العروض المسرحية استهلاكية
ولا يوافق المسرحي حمد الرميحي على مقولة إن التلفزيون سحب البساط من المسرح، فهو مازال المتنفس الحقيقي للجمهور ووسيلته الوحيدة للشعور برد فعل الجمهور، أما التلفزيون فهو وسيلة مهمة للانتشار والجمهور معتاد على مشاهدة المسلسلات.
وحول واقع المسرح القطري يقول الرميحي: «إنه يتميز بالنشاط والتطور الدائمين سواء على مستوى النص المسرحي أو على مستوى الممثلين والفنيين والمخرجين، وخير دليل على ذلك أنه خلال السنوات الأخيرة ظهرت عروض مسرحية مميزة تأليفاً وإخراجا وتمثيلاً على درجة عالية من الحرفية، وقد مرت الحركة المسرحية في قطر بعصر ازدهار وتوقع الجميع أن يسيطر المسرح القطري على الساحة الفنية لكن هدأت هذه الحركة الآن».
ويتابع بأن موجة من التدهور تصيب الواقع المسرحي العربي لافتقاده الأعمال المسرحية الجادة التي يغلفها الطابع الدرامي المتأصل. فمعظم العروض المسرحية استهلاكية لا تعبر عن واقع حالنا ناهيك عن انصراف الجمهور عن المسرح وإقباله على العروض الاستهلاكية التي لا تحمل قيمة فكرية أو جمالية.